عندما هزم فنجان قهوة التكنولـوجـيا
يظل فنجان القهوة لغزًا معقّدًًا، إذ يسهم أكثر من ألف جزيء فى تشكيل نكهته، وتتأثر هذه النكهة بعوامل، منها نوع الحبوب، ودرجة تحميصها، وطريقة طحنها، وأخيرًا أسلوب تحضيرها. وغالبًا ما تكون النتيجة فنجانًا غير متّسق، يصعب التنبّؤ بمذاقه أو جودته، فقد يكون حامضًا أكثر من اللازم، أو ذا طعم محترق، أو ضعيف القوام.
ورغم أن الكيميائيين قادرون على استخدام أدوات متقدّمة لتحليل هذه المكوّنات وفهم كيفية تفاعلها لتشكيل المزيج المعقّد الذى يصنع نكهة القهوة، فإن هذه المقاربة لا تُعد عملية وسريعة لفحص الجودة فى بيئة عمل مزدحمة مثل المقاهى.
ودراسة حديثة نقلتها «واشنطن بوست» قد تُسهم فى فكّ هذا اللغز؛ إذ استعان علماء بتقنية مستخدمة فى بحوث البطاريات، وأظهروا أن قياس التيار الكهربائى المارّ عبر القهوة يمكن أن يوفّر طريقة سريعة لتحديد قوة المشروب ونكهته.
وفى هذا الإطار، استخدم علماء من جامعة أوريجون جهازًا يُعرف باسم «بوتنشيواستات»، يولّد جهدًا كهربائيًا، إذ وضعوا أقطابه فى أكواب من القهوة، وقاسوا التيار المارّ عبر عيّنات أُعدّت من الحبوب نفسها، لكنها حُمِّصت بدرجات مختلفة، وباستخدام طريقة تحضير موحَّدة.

وأظهرت النتائج أنه كلما زادت الشحنة الكهربائية التى تمرّ عبر القهوة، زادت قوة المشروب، إذ كانت القهوة الأقوى أكثر قدرة على توصيل الكهرباء. فى المقابل، كانت القهوة داكنة التحميص أقل توصيلاً عند مستوى القوة نفسه، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى تراكم جزيئات مثل الكافيين على الأقطاب.
لكن رغم هذا فإن مذاق فنجان القهوة لا يزال سرًا لا يمكن بسهولة التوصل إلى توليفته، إضافة إلى مجال علوم القهوة، حيث يعمل خبراء فى أنحاء مختلفة على دراسة أفضل الطرق للانتقال من الحبوب إلى مشروب مثالى.
تقليديًا، تعتمد صناعة القهوة على قياس «معامل الانكسار» لتحديد القوة، من خلال ما يُعرف بـ«إجمالى المواد الصلبة الذائبة»، أى كمية القهوة المذابة فى المشروب. والنكهة تُمثّل مزيجًا من خصائص عدّة، تشمل القوة ودرجة التحميص، ولكن لهذا القياس وحده أن يعكسها بالكامل.
الكيميائى فى جامعة أوريجون وقائد فريق البحث، كريستوفر هيندون، قال إنه يأمل أن يوفّر هذا القياس الكهروكيميائى وسيلة لمراقبة الجودة والاتساق، وهو أمر أقل أهمية عند تحضير القهوة فى المنزل، لكنه يُمثّل تحدّيًا كبيرًا عند الإنتاج على نطاق واسع.
وأضاف: «إنها تجربة شديدة البساطة، لكن تحليلها معقّد. وما يثير حماستى هو صعوبة تصوّر أنّ خاصية كهربائية واحدة يمكن أن تختزل النكهة الكلية لمشروب يحتوى على آلاف المركّبات المختلفة».
ومع ذلك، فإنّ فهم كيفية تفاعل هذه المكوّنات لتشكيل نكهات مثل الفراولة فى رشفة، أو لمسات الكراميل فى أخرى، ليس بالأمر السهل. وفى نهاية المطاف، يبقى الحكم النهائى على جودة الطعم بيد اللسان البشرى.
وأشار هيندون إلى أنهم تحقّقوا من دقة هذه النتائج من خلال تحليل 4 دفعات من القهوة داخل محمصة تُدعى كولونا فى مدينة باث بالمملكة المتحدة، حيث تمكّنت الطريقة الكهروكيميائية من تمييز الدفعة التى استُبعِدت بعدما قيَّمها متذوّق بشرى على أنها دون المستوى المطلوب. وأوضح القائمون على المحمصة لاحقاً أن تلك الدفعة رُفضت لأنها لم تُحمّص بشكل كافٍ وكانت شديدة الحموضة.
من جانبها، قالت هيذر سميث، كيميائية متخصّصة فى النكهات وعالمة فى علوم الإدراك الحسى بجامعة كوينزلاند فى أستراليا، إنها اطّلعت على عدد من «الأنوف الإلكترونية» التى تحاول تمييز البصمة العطرية ونكهة القهوة.
وأضافت «أرى أن هذه التقنية تضيف بُعدًا جديدًا محتملًا، لكنها ليست حلًا متكاملًا بمفردها».
وأوضحت أن العنصر المفقود يتمثل فى البيانات الحسية البشرية، لفهم مدى فائدة هذا القياس الكهروكيميائى. وقالت: «هى طريقة أسرع لقياس بصمة التركيب الكيميائى للقهوة، وستضيف مزيدًا من المعلومات إلى مجموعة أدوات التحليل المستخدمة لتقييم جودة النكهة. لكن لا يمكن لأى من هذه الطرق وحدها أن تصف أو تقيس نكهة القهوة بشكل كامل؛ فالتقييم الحسّى البشرى وحده قادر على ذلك».