الإثنين 29 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

بعض من سيرة أديب «الرصيف»

إبراهيم فتحى.. المدرس الخصوصى السرى لجيل الستينيات!  



 

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.

ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

 

«نحن جيل بلا أساتذة»!

كان هذا هو النشيد الوطنى لجيل الأدباء الذى يسمى «جيل الستينيات».

ولأننى من مجايليهم، وكنت أقوم بتقديمهم للقراء، فقد كنت أعرف أن لهم عددًا معروفًا من الأساتذة هم نجيب محفوظ ويحيى حقى وعبدالفتاح الجمل ويوسف إدريس. 

 

 

 

كما كان لهم «مدرس خصوصى سري» لا يذكرون اسمه مع أنهم يلتقون به يوميًا ويتلقون دروسهم على يديه ويتعلمون من ملاحظاته ومن ثقافته الأدبية الموسوعية.. ويتداركون نواحى قصورهم فى الكتابة الأدبية قصة ورواية وشعرًا ونقدًا من خلال ملاحظاته النقدية المهمة.

 

وكان ذلك على مقهى «ريش» و«أتيليه القاهرة» وليس فى مكاتب مجلة «المجلة» ولا جريدة «المساء».. ولا مجلة «الكاتب».. لكن من هو هذا المعلم القدير المنسي؟!

انه إبراهيم فتحى، زميل يوسف إدريس وصلاح حافظ فى كلية الطب وفى الاهتمامات الثقافية والسياسية المشتركة. 

وقاد مع زملائه الشباب أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات حركة سياسية ضمن نشاطهم فى مكتب الأدباء والفنانين التابع للحزب الديمقراطى التقدمى «حدتو».

وقد تخرّج يوسف إدريس وعمل طبيبًا لفترة بينما لم يكمل إبراهيم فتحى دراسته وكذلك فعل صلاح حافظ، لأن نشاطهما السياسى كأعضاء فى هذا الحزب.. ترتب عليه اعتقالهما لسنوات طويلة.. من 1959 وحتى سنة 1964.

اعتبر إبراهيم فتحى فترة الاعتقال الطويلة فى سجن الواحات فرصة لمواصلة ما بدأه قبلها من ترجمة ودراسة للأدب والمدارس النقدية، وكان أيضًا يتولى رعاية أدباء شبان من بين المعتقلين ومن أبرزهم صنع الله إبراهيم الذى بدأ محاولته الأولى لكتابة رواية خلال فترة الاعتقال وبمساعدة وإشراف إبراهيم فتحى ومحمود أمين العالم.

وبعد الإفراج عن المعتقلين بناء على طلب رئيس الاتحاد السوفيتى نيكيتا خروشوف الذى زار مصر لافتتاح المرحلة الأولى فى تشييد السد العالى.. خرج إبراهيم فتحى ليبدأ مشروعه النقدى والفكرى وظهرت مقالاته فى مجلات الشعر والثقافة ومجلة «المجلة» التى يرأس تحريرها يحيى حقى.

كان يحرر بابًا يعرض فيه ما تتناوله المجلات الأجنبية، فى مسائل الأدب والثقافة لتمكنه من اللغتين الإنجليزية والفرنسية.  العودة إلى المعتقل!

 

 

 

 

1966 عاد إبراهيم فتحى ثانية إلى المعتقل! 

فقد شكل تنظيمًا سياسيًا ضم عبدالرحمن الأبنودى وسيد حجاب وصلاح عيسى ويحيى الطاهر عبد الله وسيد خميس وصبرى حافظ وجمال الغيطانى وخليل كلفت، واعتقلوا جميعًا ولم يخرجوا إلا بطلب من المفكر الفرنسى جان بول سارتر لدى زيارته لمصر عام 1967 قبل يونيو.

عرفته لدى خروجه من معتقل الواحات فوجدت فيه أستاذًا كبيرًا فى الثقافة والأدب والفكر وخاصة فى فن الرواية وتاريخه ومدارسه ومذاهب النقد الأدبى.

كان عليمًا بكل ما يتحدث عنه.

صوته هادئ رصين يلتف حوله الأدباء الشبان فى مقهى «ريش» وفى «أتيليه القاهرة» يتعلمون ويستمعون ويقوم بتصحيح كتاباتهم وتوجيههم إلى أساليب الكتابة الأدبية.

وتيسّر لى كثيرًا أن أشترك فى الاستماع إلى إبراهيم فتحى الذى تعلّمت منه الكثير رغم أننى لم أكن أكتب القصص والروايات وقتها. وأتيح لى أيضًا أن أقرأ بعض كتاباته الغزيرة فى «المجلة» و«الهلال» و«جاليرى 68» التى شارك فى تأسيسها مع الكاتب الصحفى والشاعر والرسام أحمد مرسى وآخرين.

وكان يدهشنى صبره الشديد على تلاميذه ومريديه وتكراره للمعلومات والملحوظات وقد تبنى عددًا منهم وكتب عنهم كما كتب مقدمات لأول كتبهم ومنهم إبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبد الله وسيد حجاب وزين العابدين فؤاد وسمير عبد الباقى ومحمد إبراهيم مبروك وبهاء طاهر ومحمد البساطى ومحمد حافظ رجب.

أدب وسياسة 

ساهم إبراهيم فتحى فى تكوين جمعية «كتاب الغد» التى قدمت عددًا من الكتاب والشعراء الجدد وكان لها دور ملحوظ فى مجالات الثقافة والسياسة والأدب نهاية الستينيات وبداية السبعينيات.

كتب فتحي: «تسعى هذه الجمعية إلى إقامة حوار حقيقى بين جميع الاتجاهات الوطنية الديمقراطية فى الحياة الثقافية، وهى تؤمن أنه عن طريق الحوار المثمر ستتأكد كافة الملامح الحقيقية لحركة الأدب الجديد فى مصر».

ونلاحظ هنا أن ريادة وقيادة إبراهيم فتحى لأجيال الأدباء امتدت لأكثر من جيل من نهاية الأربعينيات وحتى ما بعد التسعينيات.. عرفت إبراهيم فتحى خلال حضورى المنتظم لجلسات صالون نجيب محفوظ فى مقهى «ريش» منذ منتصف الستينيات من القرن العشرين وحتى سنة 1980 التى هاجرت فى نهايتها إلى لندن.

وكان ملحوظًا لى اهتمامه كباحث وناقد بأدب نجيب محفوظ وقد صدر له كتاب مهم بعنوان «العالم الروائى عند نجيب محفوظ» وهو من مقتنياتى التى أعود إليها من وقت لآخر..

ولنقرأ منه كلمات الكاتب والناقد الطليعى رائد الأجيال عن عميد الرواية المصرية والعربية سنة 1978 (قبل فوزه بجائزة نوبل بعشر سنوات): «ينبت الكثير من الإنتاج فى الرواية المصرية تحت جناحى نجيب محفوظ متأثرًا على الأخص بالمرحلة الأخيرة من أعماله التى جاءت بعد الثلاثية، وربما انفرد نجيب محفوظ بذلك بين أبناء جيله من الفنانين البارزين، ولا غرابة فى ذلك، فقد استطاع أن يضم فى عالمه الرحيب ما تحتويه عوالم معاصريه من الروائيين جميعًا، ولا يمكن لتجربة جديدة فى الخلق الروائى أن تحقق ميلادًا بلا تراث ابتداء من الصفر والهواء المعقم بمعزل عن عالم نجيب بقبوله أو رفضه».

وتعود أهمية هذا الكتاب الذى لقى احتفاء ومناقشات جادة من النقاد والكتاب لدى صدوره، لعدة أسباب منها أنه عارض فيه النظرة السلبية التى أشاعها اليسار حول كتابات محفوظ، من أنها كتابات بورجوازية.. وهذا الكتاب الذى صدر عن دار الفكر، كان يختلف فى رؤيته عن كل ما كتب عن نجيب محفوظ فى مرحلة الستينيات.

 نجيب محفوظ أكد تقديره الخاص لنهج إبراهيم فتحى فى هذا الكتاب معلنًا أنه أفضل ناقد تناول أعماله واستحق تقديره. 

وهناك كتاب آخر له عن نجيب محفوظ هو «القصة القصيرة والخطاب الملحمى عند نجيب محفوظ».. 

وتتعدد كتبه وتتنوع مجالاتها بين الأدبى والفكرى والسياسى ومنها: «الخطاب الروائى والخطاب النقدى فى مصر» و«معجم المصطلحات الأدبية» - «كوميديا الحكم الشمولي» - «الماركسية وأزمة المنهج».

ومن أشهر ترجماته: «قواعد الفن» و«أسئلة علم الاجتماع» لبيير بورديو -«الرومانسية» من موسوعة كمبريدج للنقد الأدبى- «أزمة المعرفة التاريخية» لبول فيين - «المنطق الجدلي» لهنرى لوفيفر- «نظرية الوجود عند هيجل: أساس الفلسفة التاريخية» لهربرت ماركوز.

ولعلنى لا أريد أن أتوقف عن الحديث عن هذا «المعلم» الكبير المنسى.. أستاذ الأجيال وحامى الثقافة الوطنية، وراعى النهضة الفكرية.

 

 

 

ويستوقفنى ما جرى تجاهه على طول الزمن من تجاهل له وامتناع عن وضعه فى مكانه ومكانته مع ما كان معروفًا عنه أنه لا يتطلع لأى منصب بل يزدرى المناصب الثقافية ويسخر من عزلة أصحابها عن واقع الإبداع والثقافة الحقيقى ويفضل أن يحمل لقب «ناقد الرصيف» ملتحمًا بالمبدعين الجدد على أرصفة المقاهى والمنتديات الشعبية مثل «أتيليه القاهرة» ومقهى «ريش» و«قهوة على بابا» التى كان يعقد فيها ندوته الأسبوعية كل أحد، و«ورشة الزيتون» الثقافية الشهيرة..

لكن وزارة الثقافة انتظرت طويلًا حتى حان دوره فى التكريم وتقدير مكانته.

وجاء ذلك بعد وفاته! 

ونشرت وكالة أنباء الشرق الأوسط الخبر فى اليوم التالي:

«نعت وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة وجميع الهيئات والقطاعات، الناقد والمترجم الكبير إبراهيم فتحى الذى توفى أمس الخميس فى العاصمة البريطانية لندن عن عمر يناهز 89 عامًا بعد صراع مع المرض».

وذكرت الوزارة، فى بيانها أن «الراحل إحدى العلامات المضيئة فى مجال النقد والترجمة ومن أهم نقاد جيل الستينيات وأبرز المساهمين فى إثراء الحياة السياسية والفكرية فى مصر والعالم العربى».

وفى الأسبوع المقبل نواصل