مافيا الوهم خطايا العلاج بـ«الصوف»!
بسمة مصطفى عمر
تجارة رائجة على وسائل التواصل من المجزر إلى مصانع «بير السلم» بدون روشتة طبية
فى السنوات الأخيرة، لم تعد وصفات العلاج تقتصر على العيادات والأدوية التقليدية؛ بل امتدت إلى مساحات واسعة من «العلاجات البديلة» التى وجدت طريقها ممهدًا إلى مواقع التواصل الاجتماعى، حيث تتحول بعض المنتجات اليومية أو الشعبية إلى وسائل يروج لها باعتبارها حلولًا لآلام العظام والمفاصل، مستفيدة من رغبة كثيرين فى البحث عن علاج بسيط وأقل تكلفة.
ومع اتساع هذا النوع من المحتوى، ظهرت منتجات عديدة يجرى تسويقها بوعود صحية لافتة، تبدأ من الزيوت والأحزمة، ولا تنتهى عند المنتجات المصنوعة من الصوف، التى انتشرت مؤخرا فى صورة أربطة للركبة، وحزام للظهر، ومعصم لليد، ولفائف للرقبة، مدعين أنها تساعد فى علاج خشونة المفاصل والروماتيزم وآلام العظام.
تدخل أصواف الخراف بدورها إلى هذه السوق، فبعدما كانت تعد مخلفات موسمية عقب موسم عيد الأضحى، تحولت إلى منتجات تباع على نطاق واسع باعتبارها «علاجا طبيعيا»، عبر صفحات إلكترونية مجهولة المصدر، ومقاطع فيديو قصيرة يروج لها بعض صناع المحتوى، فيما حولها آخرون إلى مشروع موسمى مربح يعتمد على تصنيع الصوف وتسويقه، تحت لافتات تخدع البعض مثل «ترشيح متخصصين» و«بديل آمن للعلاج».
لكن، هل يملك الصوف فعلا قدرة علاجية حقيقية؟ أم أن الأمر لا يتجاوز كونه وسيلة للتدفئة يجرى تضخيم فوائدها طبيًا وتسويقيًا بهدف الربح؟
رصدت «صباح الخير»، كيف دخلت أصواف الأضاحى إلى «سوق العلاج»، وما حقيقة الادعاءات المرتبطة بها، بين روايات البائعين وتحذيرات الأطباء.

ماكينة الوهم!
وسط أصوات الماكينات المتلاحقة، يقف تاجر صوف أمام أكوام كبيرة من أصواف الخراف والغنم، بينما تتحرك الخامات البيضاء داخل ماكينة ضخمة لفرز الصوف وتجهيزه للتصنيع، فى مشهد يبدو أقرب إلى ورشة إنتاج عادية، قبل أن يتحول تدريجيا إلى عرض ترويجى لمنتج يباع باعتباره «علاجًا» لآلام العظام والمفاصل.
فى بعض الفيديوهات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، ينتقل المشهد سريعا من الصوف الخام إلى منتجات جاهزة، أربطة للركبة، وأخرى للمعصم، وأحزمة للظهر، تعرض للبيع بأسعار تبدأ من 205 جنيهات للركبة الواحدة، وسط تأكيدات متكررة من البائع بأنها «ليست للتدفئة»، بل «لعلاج» الخشونة وآلام المفاصل.
ولإضفاء مزيد من المصداقية على المنتج، يؤكد البائع أن الصوف الأصلى لا يحترق ولكنه يشيط فقط، معتبرا أن ذلك دليل على جودته وفاعليته، بينما تتكرر خلال هذه الفيديوهات عبارات مثل «النتيجة خلال أيام» و«راحة من أول استخدام».
ويعتمد الترويج لهذه المنتجات، على إبراز مراحل التصنيع وكميات الصوف المستخدمة، فى محاولة لمنحها طابعًا مهنيًا وطبيًا، رغم غياب أى مرجعية علمية موثقة تؤكد قدرة الصوف على علاج خشونة المفاصل أو أمراض العظام.
وبين مشاهد الماكينات وأصوات الترويج، يتحول الصوف من مجرد منتج موسمى مرتبط بأصواف الأضاحى، إلى سلعة تباع على أمل تخفيف الألم، فى سوق باتت فيه وصفات «العلاج البديل» أكثر انتشارا عبر الشاشات الصغيرة ومقاطع الفيديو القصيرة.
علاج على الشاشة
فى مقطع آخر، تظهر إحدى صانعات المحتوى، وهى تستعرض مجموعة كاملة من المنتجات المصنوعة من الصوف، مقدمة إياها لمتابعيها، باعتبارها تجربة شخصية «ناجحة» لتخفيف آلام الظهر والمفاصل، مؤكدة أنها لا تروج للمنتج مقابل إعلان مدفوع، وإنما «لجودته وفاعليته»، على حد زعمها!
وخلال الفيديو، تعرض البلوجر حزامًا للظهر تقول إنها استخدمته لتخفيف الألم، قبل أن تنتقل لاستعراض منتجات أخرى، تشمل أربطة للركبة بمقاسات وأشكال مختلفة، وأخرى لليد والرقبة، مع حديث متكرر عن قدرتها على المساعدة فى علاج الخشونة، والتشنجات العضلية، وتنشيط الدورة الدموية، وتسهيل الحركة والنشاط اليومى.
ولا يتوقف الترويج عند حدود التجربة الشخصية، بل يمتد إلى الاستناد لما تصفه صانعة المحتوى بأنه «نصائح من طبيب علاج طبيعى يعمل مع الشركة المنتجة للصوف الأصلى»، فى محاولة لإضفاء طابع طبى على المنتجات المعروضة، رغم عدم تقديم أى معلومات علمية موثقة، أو شرح طبى واضح لطبيعة هذه المنتجات وآلية تأثيرها.
وتعتمد هذه النوعية من المقاطع، على المزج بين التجربة الشخصية، والانطباعات السريعة، واللغة الطبية المبسطة، ما يمنح المنتج قدرا أكبر من الثقة لدى المتابعين غير المتخصصين والآملين فى علاج لحالتهم المرضية، خاصة مع تكرار الحديث عن «نتائج مضمونة» و«راحة سريعة»، فى وقت تتسع فيه عبر مواقع التواصل مساحة الترويج لما يسمى بمنتجات «العلاج البديل».

روشتة للبيع
وخلال محاولة التحقق من الادعاءات المتداولة حول المنتجات الصوفية، تواصلنا مع إحدى الشركات التى تروج لنفسها، باعتبارها «الأصدق والأدق» فى تصنيع المشدات العلاجية من الصوف الطبيعى، مؤكدة عبر صفحتها على «الفيس بوك» أن منتجاتها تُصنع «تحت إشراف طبى وعلاج طبيعى».
وفى محادثة خاصة، أفادنا أدمن الصفحة بقائمة طويلة من المنتجات التى تشمل، مشدات للركبة والظهر والكتف، إلى جانب أربطة للمعصم والرقبة، مع التأكيد على توافر جميع المقاسات، وخدمة البيع «أونلاين» والتوصيل لباب البيت.
وبحسب أسعار اللسته، يبلغ سعر «مشد الركبة» بين 420 و649 جنيها، بينما يصل سعر حزام الظهر الكامل المزود بداعم للكتف إلى نحو 1000 جنيه.
ومع عرض المنتجات يوضح الإعلان قائمة مطولة من الفوائد العلاجية، من بينها «تدفئة المفصل»، و«تسكين آلام الروماتيزم»، و«تنشيط الدورة الدموية»، و«تقليل التيبس الصباحى»، و«دعم المفاصل»، إلى جانب التأكيد على أن المنتج «صوف غنم طبيعى 100%»، وخالٍ من أى مواد صناعية.
ولم ينس الإعلان من يعانون التهابات المفاصل، والخشونة، وضعف الغضاريف، وصعوبة الحركة، وآلام الركبة، حيث صاغ لهم «روشتة علاجية» مكتملة، رغم غياب أى أسانيد علمية أو وثائق طبية تدعم تلك الادعاءات.
طلبنا من أدمن الصفحة التواصل مع الطبيب أو المختص المشرف طبيًا على التصنيع، وجاء الرد بالاكتفاء «بتبليغ الإدارة» ثم إفادتنا، دون تقديم بيانات واضحة حول هوية المشرف الطبى، أو تخصصه أو طبيعة دوره الفعلى فى تصنيع هذه المنتجات.
وبين مشاهد الترويج التى تمنح الصوف صفة «العلاج»، واتساع سوق المنتجات التى تباع بوعود طبية غير مؤكدة، يضع المتخصصون حدودًا واضحة للفرق بين وسائل التدفئة كقرينة للعلاج والشعور المؤقت بالراحة، والعلاج الطبى القائم على التشخيص والدليل العلمى.
دفء لا علاج
من جهته أكد الدكتور وليد عمر، استشارى جراحة العظام، أنه لا يوجد حتى الآن «علاج سحرى» أو نهائى لخشونة الركبة، موضحًا أن العلاجات الطبية المتاحة، تعتمد فى الأساس على تخفيف الألم، وتحسين كفاءة الحركة، وزيادة ليونة المفصل، من خلال الحقن الموضعى أو الكريمات العلاجية، أو الأدوية التى تساعد المريض على تخفيف الأعراض، وبالتالى الشعور بالراحة لفترات متفاوتة.
وأضاف أن الحديث عن قدرة الصوف أو غيره من المنتجات المشابهة، على «علاج» الخشونة أو الروماتيزم بشكل طبى، لا يستند إلى أى أساس علمى موثق، مؤكدًا أنه لا توجد أبحاث أو دراسات طبية، تثبت وجود علاقة علاجية مباشرة بين الصوف وأمراض المفاصل أو العظام.
وأشار إلى أن بعض المنتجات قد تمنح شعورًا مؤقتًا بالدفء أو الراحة، وهو أمر يساعد بعض المرضى على تقليل الإحساس بالألم لفترة قصيرة، لكن ذلك يختلف تماما عن فكرة العلاج الطبى، أو استعادة الغضاريف والمفاصل لوظيفتها الطبيعية.
وحذر استشارى جراحة العظام، من الانسياق وراء ما وصفه بـ«الوعود العلاجية السريعة»، المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وغيرها من قنوات الاتصال، التى تروج لمنتجات أو دهانات، باعتبارها قادرة على الشفاء النهائى من الخشونة وآلام المفاصل، لافتا إلى أن مصطلح «الطب البديل»، يستخدم أحيانا فى التسويق لمنتجات لا تملك أى سند علمى حقيقى.

وشدد على أن خطورة هذه الادعاءات، لا تتوقف عند حدود التضليل التجارى فقط، بل تدفع بعض المرضى إلى تأجيل التشخيص أو العلاج الطبى السليم، ما يؤدى فى بعض الحالات إلى تدهور المشكلة مع الوقت، وزيادة تآكل المفاصل وصعوبة الحركة، كما أن علاجات خشونة الركبة المعترف بها طبيًا، تظل قائمة على التشخيص السليم، والعلاج الطبيعى وتقوية العضلات، والأدوية أو التدخلات الطبية المناسبة، وليس على وصفات أو منتجات يجرى الترويج لها والإيهام بأنها «حلول نهائية».
تحذير مهنى
ومن جانبه، أكد الدكتور سامى سعد، نقيب العلاج الطبيعى، أن أى وسيلة أو منتج يتم الترويج له باعتباره «علاجا»، يجب أن يكون معتمدًا رسميًا من وزارة الصحة، ويحمل التصاريح والأكواد الخاصة بالتداول والاستخدام الطبى، محذرًا من الانسياق وراء المنتجات التى يجرى الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعى، دون وجود مرجعية علمية أو اعتماد رسمى واضح.
وانتقد نقيب العلاج الطبيعى، تزايد الترويج لمنتجات مصنوعة من الصوف، تشمل مشدات للركبة والظهر والمعصم والرقبة، يجرى تسويقها على أنها وسائل لعلاج الروماتيزم وخشونة المفاصل وآلام الظهر، مع استخدام أسماء أو صفات مرتبطة بالعلاج الطبيعى، لإضفاء طابع طبى على هذه المنتجات.
وشدد على أن الصوف فى حد ذاته قد يستخدم كوسيلة للتدفئة والشعور بالراحة، لكن الحديث عن كونه «علاجًا طبيًا» لأمراض العظام والمفاصل، يحتاج إلى دراسات علمية واعتمادات رسمية واضحة، مؤكدًا أن أى ادعاءات علاجية غير موثقة، تدخل فى دائرة «الدعاية المضللة» حال عدم وجود موافقات من الجهات المختصة.
وأشار إلى أن وزارة الصحة، هى الجهة الوحيدة المنوط بها اعتماد الوسائل العلاجية أو الوقائية المسموح بتداولها، لافتًا إلى أن الترويج لأى منتج طبى دون ترخيص أو اعتماد رسمى، يمثل أمرًا يستوجب المراجعة والمحاسبة، خاصة مع استغلال بعض صفحات السوشيال ميديا، والبلوجرز فى التسويق لمنتجات مجهولة المصدر تحت مظلة طبية.
وأضاف نقيب العلاج الطبيعى، أن النقابة ستتخذ الإجراءات اللازمة ضد المخالفات، واستخدام اسم العلاج الطبيعى فى الدعاية بشكل غير قانونى، مؤكدا أهمية توعية المواطنين بعدم استخدام أو شراء أى منتج علاجى، قبل التأكد من اعتماده رسميا من الجهات الصحية المعنية.