«الكابوس» الذى يواجه قانون «الأحوال الشخصية»
د.محمد محمود العطار
كيف لا يدفع الأطفال ثمن «الطلاق»؟!
بينما تستمر مناقشات قانون الأحوال الشخصية «الجديد»، برلمانيًا وحزبيًا ومجتمعيًا، تبرز تبعات الانفصال والطلاق بين الزوجين على الأطفال وصحتهم النفسية والعقلية، أحد أهم القضايا المترتبة على فك رباط الحياة الأسرية.
الطلاق بالنسبة للطفل تحديدًا، هو كابوس قد تستمر آثاره سنوات طويلة، فيؤثر عليه بشكل بالغ، وذلك بفقدانه أحد الوالدين وشعوره بالنقص عن أقرانه والخوف من المستقبل وعدم وجود القدوة التى يحتذى بها فى سلوكه.

عالم مجهول!
الطلاق بالنسبة للطفل المعضلة الأكثر تعقيدًا، إنه الضياع بعينه بالنسبة له، فمع مَنْ سيعيش، ومَنْ هو الطرف الذى سيتخلى عنه؟ وهو بحاجة إلى الأم وإلى الأب؛ لكى ينمو بشكل سليم ومتوازن من النواحى العقلية والنفسية والاجتماعية، وقد تشكل هذه المعضلة منعطفًا خطيرًا يدخل الطفل إلى عوالم مجهولة نتيجة الإهمال الذى يلى انفصال الأبوين.
وقد يتسبب الطلاق أيضًا فى إحداث خلل فى نفسية الأطفال، ما يساعد فى كثير من الأحايين على الجنوح والانحراف. فالقلق والخوف والحرمان مشاعر تنتاب أعدادًا كبيرة من الأطفال الذين يدفعون وحدهم ثمن الطلاق، حيث يظل الطفل فى مجتمعاتنا حقل تجارب للمعاناة النفسية للوالدين المنفصلين، فالزوج الذى يطلق زوجته يتصارع كى يثبت أنه على صواب ويلجأ لكل الأساليب المشروعة وغير المشروعة ليهزم مطلقته، والزوجة المطلقة تستغل حضانتها لأولادها لتزرع فى نفوسهم بذور الكره تجاه الأب.
وأثبتت الأبحاث النفسية والاجتماعية الحديثة أن التأثير الضار للطلاق على الأطفال يقارب تأثير كون أحد الوالدين مدمنًا للمخدرات، كما تشير إلى أن الطفل الذى يكون على صلة بالوالد غير الحاضن له يتمتع بصحة نفسية أفضل لا سيما إذا كان ذلك على فترات متقاربة وتقل لدى هؤلاء الأطفال حالات الاكتئاب والميول الانتحارية.

آثار مدمرة
يلقى الطلاق فى نفوس الأبناء ظلالًا كثيفة من الحزن والأسى والضياع وفقدان الثقة بالنفس، بالإضافة إلى العناد والغضب المستمر والانطوائية والشعور بالاكتئاب والعداء للمحيطين والاعتداء على حقوق الآخرين، ويمكن أن نوجز أهم الآثار المترتبة على الطلاق بالنسبة للأبناء بأنها:
- التمزق العاطفى للأبناء بين حبهم لكل من الوالدين وارتباطهم بهما معًا وعدم الانحياز لجانب دون آخر فيما عدا الأحوال التى يكون فيها أحد الزوجين قاسيًا أصلًا على أبنائه وحارمًا لهم من عطفه وحنانه ورعايته ومهددًا لأمنهم وسعادتهم.
- ترسب الانطباعات النفسية الحادة فى نفوس الأبناء التى تؤثر على علاقاتهم بالمجتمع مما تعوق تكيفهم مع غيرهم من الناس وتجعلهم يرون دائمًا الجوانب السيئة فيهم ويتوجسون خيفة من أن يحدث لهم مثل ما حدث لذويهم.
- إصابة الأبناء بإحساس عميق بالتهديد والخوف نتيجة لما يصاحب الطلاق من اضطراب كبير فى أوضاع الأسرة المادية والاجتماعية فتكون الأسرة عاجزة عن إشباع الكثير من حاجات الطفل المادية والنفسية والاجتماعية.
- ينظر الطفل إلى المجتمع من خلال أسرته، فالأسرة بالنسبة للطفل هى المرآة التى يرى فيها المجتمع الكبير، ومن تجاربه فيها تترسب فى نفسه الكثير من الانطباعات التى يتخذ منها أحكامًا عامة تؤثر فى سلوكه واتجاهاته وعلاقاته فى المستقبل.
- الطلاق يفقد الأطفال الرقابة والإشراف والمثل الأعلى الذى يحتذون به وتشتتهم بين الأب والأم، ما يجعلهم عرضة للتشرد والانحراف.
- الطلاق بجانب هذه الآثار يؤدى إلى تفكك الأسرة وحرمانها من تأدية وظائفها، كما أنه يفقد المرأة الكثير من مكانتها فى المجتمع كمطلقة، وهذا يعطلها عن الزواج خاصة لو كان لديها أطفال وقد لا تجد من يعولها.

اتخاذ القرار!
وإذا كان اللجوء إلى الطلاق يعتبر حلًا فى بعض الحالات، فإنه يجب على الزوجين اللذين قررا الطلاق اتباع بعض الأمور أهمها:
- إبعاد الأبناء عن مناقشة مشاكلهما، مع الوضع فى الاعتبار أن كل المشاكل قابلة للحل بشرط النظر إلى المشاكل على أنها قضية أخذ وعطاء، لا قضية انتصار وهزيمة.
- ضبط النفس والابتعاد بقدر الإمكان عن المشاجرات خصوصًا فى حضور الأبناء والامتناع تمامًا عن استخدام الأساليب العدوانية فى معالجة أمورهما.
- الاتفاق على أفضل الأوضاع لحياة الأطفال مستقبلًا بما يوفر لهم أقصى ما يمكن من أمن وطمأنينة ويوفر لهم استمرار إشباع حاجاتهم المادية والنفسية، وفى هذا يجب على كل من الزوجين أن يضعا حق الطفل فى أن يحيا حياة سعيدة فوق كل اعتبار وألا يكون مدفوعًا برغبات ومشاعر شخصية تتعارض مع صالح الطفل وسلامة تنشئته.
- كما يجب أن يراعى الوالدان مصلحة طفلهما وحقه فى الرؤية والنفقة والتعليم والعلاج حتى لا يصبح هو ضحية الخلافات الزوجية، وكذلك ينبغى توقف الاتهامات بين الطرفين وإظهار الجانب الحسن والجميل لدى الطرف الآخر، عندها يصبح لدينا أطفال أسوياء ينظرون للحياة بمنظار الحب والأمل والتفاؤل، ما يغرس لديهم الثقة بالنفس تدفعهم للتكيف النفسى والاجتماعى مع أقرانهم ومجتمعهم.
إن الطفل الذى ينشأ فى أسرة يسودها التسامح والدفء العاطفى والاحترام والتقدير المتبادل يكون قادرًا على التغلب على الصراعات والإحباطات التى يمكن أن يواجهها فى حياته، كما أن الحب والعطف يحققان له الاستقرار فى علاقاته وفى انطلاقاته نحو الحياة السليمة فى شتى مراحل عمره بعيدًا عن عوامل القلق والاضطراب والاهتزاز فى شخصيته فى العلاقات الإنسانية مع الآخرين بدءًا بأفراد أسرته، وامتدادًا فى المستقبل مع المجتمع الخارجى فى علاقاته المختلفة تبعًا لما تمليه طبيعة مراحل نموه.
كما أن الجو الأسرى الآمن المطمئن والاستقرار الأسرى والعلاقات المتوازنة بين أفراد الأسرة بدءًا من علاقات الوالدين والتزامهما بالحياة الأسرية السليمة وأداء الوظائف الأسرية المتوقعة فى تعاون وثيق وتكيف وتوافق كاملين بعيدًا عن الصراعات والمنازعات الزوجية يؤدى إلى خلق جو نفسى سليم يساعد على نمو الطفل نموًا سليمًا متكاملًا وتؤدى العلاقات الأسرية السوية إلى اشباع حاجة الطفل إلى الحب والرعاية والأمن العاطفى.