د.سمية عسلة
تفاصيل خطة «حزام النار» فى «المتوسط»
مساومات مبتورة تعرقل الاتفاق الأمريكى - الإيرانى.. وواشنطن تفتح جبهة «البلقان»
تمر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومحيطها الجيوسياسى فى حوض البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي، بمنعطف استراتيجى يعيد رسم توازنات القوى وصياغة تحالفات الغد. ولم تعد التحركات العسكرية والأمنية الراهنة مجرد ردود أفعال مؤقتة، بل باتت تعبر عن انتقال القوى الإقليمية والدولية إلى مرحلة «اللعب على المكشوف».
بينما يتبلور فى الأفق حزام عسكرى ولوجيستى يقوده الكيان «الإسرائيلي» فى شرق المتوسط وأطراف البلقان بتطويق يستهدف القوى الإقليمية الكبرى كمسرح لمحطات قادمة، يعيش الخليج العربى على وقع معادلة ارتدادية موازية؛ قوامها تراجع فكرة «الردع الفوري» الأمريكى لصالح «الاحتواء الوديع»، واستغلال إيرانى للهوامش الزمنية والسياسية التى تفرضها الحسابات الداخلية لإدارة دونالد ترامب.
اختراق البلقان
تبدأ ملامح خطة التطويق الصهيونية من قلب ألبانيا؛ الدولة الأوروبية ذات الغالبية المسلمة فى البلقان، التى تحولت فجأة إلى ساحة لمشروع استثمارى ضخم تقوده شركة Affinity Partners المملوكة لـ«جاريد كوشنر»، صهر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
وتظهر الواجهة الاستثمارية مقابل الحقيقة العسكرية حيث يطرح المشروع رسميًا بناء منتجعات سياحية فاخرة فى جزيرة «سازان» وشبه جزيرة «زفيرنيك» باستثمارات تتجاوز 1.4 مليار دولار. إلا أن القراءة الجيوسياسية للموقع تكشف أن الهدف يتجاوز الاستجمام السياحى إلى تأسيس بنية تحتية استخباراتية وعسكرية متقدمة (منظومات إنذار مبكر، مراكز تشويش إلكتروني، وموانئ إجلاء لوجيستى للنخبة الإسرائيلية) تحسبًا لأى مواجهة كبرى قادمة فى شرق المتوسط.
ولا تعد «سازان» موقعًا عاديًا؛ إذ كانت قاعدة عسكرية شديدة التحصين إبان الحقبة الشيوعية فى ألبانيا وزمن الحرب الباردة، وتحتوى على شبكة ملاجئ وأنفاق تحت الأرض جاهزة للاستغلال العسكرى الفوري، فضلًا عن موقعها الحاكم على مدخل البحر الأدرياتيكي. وهو ما يمكن وصفه بالتوغل الناعم حيث يمر هذا المشروع بتسهيلات مباشرة من المسئولين الألبان لدرجة أنه تم تعديل القوانين البيئية للسماح بامتلاك المحميات الطبيعية والجزر، ما سمح بتوغل ناعم عبر مشاريع الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى طرح فكرة إنشاء «دويلة إسلامية صوفية» (البكتاشية) فى العاصمة تيرانا على غرار الفاتيكان الكاثوليكية فى قلب روما، يُخشى أن تتحول مستقبلًا إلى ملاذ آمن محمى من الملاحقات الدولية.
ورغم التمرير الحكومي، واجه الشارع الألبانى هذه التحركات بحالة غليان ومظاهرات حاشدة فى تيرانا والمناطق الساحلية تحت شعار «ألبانيا ليست للبيع»، وهو الرفض الذى تُرجم شعبيًا وميدانيًا فى الفعاليات الرياضية والسياسية.
وتمتد هندسة الفوضى إلى القرن الإفريقي، حيث يتقاطع التمويل والدعم العسكرى الموجه لإثيوبيا وحلفائها بمسيرات وسلاح يتدفق إلى ميليشيات الدعم السريع فى السودان، ما يضمن استمرار استنزاف الدولة السودانية وتهديد الأمن القومى المصرى على حدوده الجنوبية، بالتزامن مع محاولات التضييق فى شرق المتوسط والسيطرة على موارد الغاز والطاقة.

حدود الردع
على الجبهة الأخرى من المشهد الإقليمي، تشهد منطقة الخليج العربى تصعيدًا عسكريًا متبادلًا ومحسوبًا، يكشف بوضوح حدود الردع الأمريكى الحالى، حيت تم استهداف البنية التحتية والموانئ وطال القصف الإيرانى بمسيرات وصواريخ باليستية وكروز منشآت حيوية، شملت الصالة رقم (1) فى مطار الكويت الدولى عبر مسيرة «شاهد 136»، واستهداف ميناء «الفحل» فى سلطنة عُمان (أحد أهم موانئ تصدير النفط)، بالإضافة إلى اعتراض صواريخ متجهة نحو البحرين حيث مقر الأسطول الخامس الأمريكي، وذلك ردًا على تشديد الحصار البحرى الأمريكى واعتراض ناقلة نفط إيرانية فى المحيط الهندي. وفى الوقت نفسه يتمسك الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بمحدد وحيد لخوض حرب شاملة وهو «مقتل جندى أمريكي». هذا الانكفاء يبعث برسالة مقلقة لحلفاء واشنطن؛ مفادها أن استهداف البنى التحتية المدنية والاقتصادية للدول الحليفة لن يقابل برد عسكرى حاسم، طالما لم ترق دماء أمريكية.
يعود هذا التراجع الأمريكى إلى رغبة ترامب فى تمرير التزامات دولية ومناسبات كبرى (مثل استضافة كأس العالم لكرة القدم) بهدوء، وتجنب اشتعال أسعار النفط، فضلًا عن الضغوط التشريعية من الكونجرس وآخرها (قرار مجلس النواب بالحد من صلاحيات الرئيس العسكرية ضد إيران بأغلبية 215 لـ 208 أصوات)، والشرخ الداخلى فى جيش الاحتلال الإسرائيلى (أزمات تجنيد الحريديم «اليهود المتشددين» والانشقاقات بين القيادات).
وتتحرك الدبلوماسية الأمريكية فى كواليس معقدة؛ حيث كشفت التقارير الاستخباراتية لموقع (Axios) عن استعانة جاريد كوشنر وفريقه بخبراء نوويين لصياغة بند تفاوضى دقيق، فى وقت تشهد فيه المفاوضات بين إيران وأمريكا جمودًا بسبب الشروط المالية المتبادلة، حيث طالبت طهران بالإفراج الفورى عن 24 مليار دولار من أصولها المجمدة (12 مليار كدفع مقدمة)، فى حين يرفض ترامب الدفع المسبق تلافيًا لسيناريو اتفاق سلفه باراك أوباما عام 2015 الذى لم ينجح، وسط تهديدات إيرانية عبر المستشار العسكرى للمرشد «محسن رضائي» بتوسيع رقعة الحرب من باب المندب إلى المتوسط.
وأمام هذا المشهد المتقلب، أيقنت عواصم القرار الخليجى ضرورة عدم ارتهان أمن طاقاتها للمظلة الأمريكية المطلقة أو لمضيق هرمز، وتتجه الأنظار حاليًا نحو ممرات بديلة منها: (ميناء الفجيرة الإماراتي، خط شرق-غرب السعودى نحو ينبع)، مع دراسة مشروع أنبوب عملاق ينقل 20 مليون برميل يوميًا يُدفن على أعماق بعيدة وتحت حماية منظومات دفاع جوى مكثفة.
إن القراءة الفاحصة لخطوط الصراع الممتدة من جزر ألبانيا ومياه شرق المتوسط، وصولًا إلى مضايق وموانئ الخليج العربي، تؤكد أن المنطقة لا تسير نحو سلام دائم، بل نحو «هدنة اضطرارية مؤقتة» محكومة بسقوف زمنية وضغوط انتخابية واقتصادية فى واشنطن وطهران، ما يؤكد أن جولات الصراع القادمة ستكون أشد ضراوة، وتتطلب يقظة استراتيجية تتجاوز الوعود الدولية والحلول السطحية المبتورة.



