الخميس 11 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

موضة عابرة للكائنات

«أربع رجلين» على «السجادة الحمراء»



لماذا لم يعد «الهوت كوتور» حكرًا على البشر وحدهم؟!

إذا كنت تعتقد أن دراما الموضة، والفساتين الأسطورية، وصراع السجادة الحمراء يقتصر فقط على نجوم الصف الأول فى هوليوود وعارضات الأزياء العالميات.. فإليك «بيت جالا»!

فى مشهدٍ استثنائى حبس أنفاس عشاق الأناقة والترفيه حول العالم، ومزج بين بريق الموضة العالمية وسحر الأناقة الاستعراضية، شهدت مدينة نيويورك الشهر الماضى فعاليات حفل «بيت جالا» (Pet Gala).

 الحفل نجح فى خطف الأنظار وتحويل بوصلة الصحافة العالمية إلى منصة عرض ترفيهية من نوع خاص.

 

قوة حفل «بيت جالا» فى «المحاكاة البصرية الدقيقة»، حيث يخلق التباين بين فخامة الأزياء الأسطورية ولطافة الكلاب التى تعرض أحدث الأزياء دهشة بصرية جذبت وسائل الإعلام العالمية.

«ميت جالا» هو حفل خيري سنوي، مخصص لجمع التبرعات لصالح معهد الأزياء بمتحف متروبوليتان للفنون فى مدينة نيويورك، ويُقام أول يوم اثنين من شهر مايو، حيث يرحب بكبار نجوم الفن، والمبدعين الشباب، ورواد صناعة الأزياء من حول العالم.

 

 

 

وبحسب ما نشرته مجلة Vogue الفرنسية، أُقيم أول مايو، احتفال بالمعرض الجديد لمعهد الأزياء والذى يستمر حتى يناير 2027.

وأقيم الحفل تحت شعار «فن الأزياء»، ليركز بشكل مباشر على جماليات اليونان الكلاسيكية، والأقمشة الهلنستية، معبرًا عن شعار «الموضة فن» كجسر يربط بين العالمين.

ويفسر هذا التوجه الفنى بدقة سبب اختيار المصمم أنتونى روبيو لهذا التوقيت بالذات لإقامة الحفل «والذى يُطلق عليه اسم «أهم ليلة فى عالم الموضة»، ليثبت أن الفن التشريحى والجمالى لتصميم الأزياء يمكن ترجمته، ومحاكاته، وتطويعه حتى فى عالم الحيوان الأليف. فبينما استكشف المشاهير من البشر مفهوم «مركزية الجسد المُلبس» على درجات المتحف، قامت الكلاب فى المقابل بإعادة تجسيد تلك الإطلالات المسرحية والقصص المؤثرة بكل ثقة ولطافة.

لذلك حظى الحفل بتغطية استثنائية ومكثفة من كبرى المؤسسات الإعلامية الدولية.

ورصدت الصور المنشورة التفاصيل الميكروسكوبية الدقيقة للتصاميم، مبرزةً الجهد المبذول ليس فقط فى حياكة الملابس، بل فى صياغة الإكسسوارات الملحقة، والتيجان المصغرة، والقلائد التى صُممت خصيصًا لتناسب أحجام الكلاب المختلفة.

وبفضل هذا التوثيق البصري، تحول الحفل من مجرد عرض أزياء لطيف ومضحك إلى أرشيف سنوى متكامل ينتظره بشغف عشاق الموضة الراقية ومحبو الحيوانات الأليفة على حد سواء.

وبات ظاهرة ثقافية فريدة تمزج ببراعة بين الثقافة الشعبية والمسئولية الاجتماعية، مما يرسخ مكانته كحدث سنوى ثابت ومستدام لا يمكن تفويته فى أجندة نيويورك الثقافية والترفيهية المزدحمة.

نجح «بيت جالا» وأنتونى روبيو، فى إثبات أن الموضة يمكنها أن تتحول إلى رسالة نبيلة وراقية للتعبير عن قضايا أسمى، وعلى رأسها الرفق بالحيوان ومنح الأمل للكائنات الضعيفة، ليلتقي، فى النهاية، الفن الخالص مع العمل الخيرى فى عرض واحد يأسر القلوب والعيون.

اعتلت المنصة كوكبة من العارضين اللطفاء من «ذوى الأرجل الأربعة»، التى جسدت إطلالات المشاهير الأكثر أيقونية، محمولة ساحة العرض إلى مختبر للموضة والابتكار البصرى الذى يمزج بين الفخامة والطرافة.

تجربة استثنائية وثقتها عدسات المصورين فى سلسلة من الصور الاحترافية التى استعرضت براعة التصميم ودقة التنفيذ فى عالم أزياء الحيوانات الأليفة، لتثبت أن «الهوت كوتور» لم يعد حكرًا على البشر وحدهم!

اجتمع هذا المزيج الرائع من «الكلاب» فى قلب نيويورك لتقديم عرض مختلف للموضة، يهدف إلى تسليط الضوء على الحيوانات المحتاجة للتبنى، ما يمنح الأزياء بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود السجادة الحمراء التقليدية.

 

 

 

 كل فستان قصة

لأن وراء كل فستان عظيم مصممًا عبقريًا، كان وراء هذا العرض المبهر يقف المصمم «أنتونى روبيو» وفريقه، عبر علامته التجارية، لم يقتصر دوره على مجرد تقليد أزياء المشاهير، بل أعاد هندسة وتفصيل هذه القطع الفاخرة لتناسب أجسام الكلاب بدقة.

واجه روبيو تحديًا حقيقيًا فى كيفية تحويل قطع الـ«الهوت كوتور» المعقدة والضخمة التى رأيناها على مشاهير«ميت جالا» على درجات متحف المتروبوليتان، إلى تصاميم تتلاءم مع التشريح الجسدى للكلاب، دون المساس بفخامة الخامات، أو بريق التطريز، أو الهوية الفنية للزى الأصلى.

اعتمد روبيو فى رؤيته الفنية على أقمشة فاخرة للغاية وتقنيات خياطة احترافية تراعى تفاصيل حركة الحيوان، ما يعكس فلسفته فى تطويع «الموضة الرفيعة» لتصبح لغة إبداعية عابرة للكائنات، مبرزًا مهارة فائقة فى تحويل الخيال التصميمى من قياسات البشر إلى قطع فنية تناسب عارضيه الاستثنائيين بحرفية شديدة.

«التحدى الأكبر لم يكن فى الخياطة، بل فى إعادة ابتكار النسب الجسدية بالكامل ليظل التصميم محتفظًا بهيبته الإبداعية من الطراز البشرى العمودى إلى الطراز الحيوانى الأفقى».

4 تحديات

تصميم أزياء مستوحاة من الطراز اليونانى الكلاسيكى أو الأقمشة الهلنستية المعقدة لحيوانات صغيرة يضع أى مصمم أمام اختبار حقيقي، ولعل من أبرز العقبات التى واجهها أنتونى روبيو وفريقه لتقديم هذا العرض المبهر هو أولًا تحدى التشريح والكتلة.

يعتمد الطراز اليونانى القديم (مثل فستان «فينوس دى ميلو») بالأساس على الطول، والانسدال العمودي، والتموجات الطويلة لإبراز جمال الجسد البشرى الممشوق.

فى المقابل، لدى الكلب بنية جسدية أفقية وأرجل قصيرة، ما جعل محاكاة «الإطلالات التى لا تُنسى» تتطلب إعادة هندسة كاملة للنسب لتناسب جسد الكلب دون أن يفقد التصميم هويته الفنية فى نيويورك.

تحد آخر هو الانسدال الناعم، بعض التصاميم، مثل فساتين دار «دى بيتسا» الشهيرة بمظهرها المبلل، تعتمد على خامات تلتصق بالجسد البشرى وتنسدل بنعومة فائقة.

والتحدى هنا كان اختيار أقمشة تعطى نفس الإيحاء الفنى والمظهر المائي، مع ضمان راحة الكلب التامة وعدم تقييد حركته.

وبما أن شعار الحفل هو «الموضة فن»، فإن التحدى الأكبر كان تحويل الكلب إلى قطعة فنية متحركة تحاكى إبداعات المشاهير دون أن يتحول الزى إلى عائق مادى.

فالفساتين اليونانية غالبًا ما تكون طويلة أو متعددة الطبقات، وهو ما تطلب دقة ميكروسكوبية فى القص والخياطة لضمان سلامة الكلاب وحريتها أثناء المشى.

اختلاف أحجام وسلالات العارضين كان التحدي الأكبر، نظرًا لأن الحدث لا يقتصر على نوع واحد من الكلاب، بل كان يضم سلالات وأحجامًا متفاوتة تمامًا، فإن تطبيق نمط تصميمى موحد (مثل النمط اليوناني) تطلب تفصيل كل زى بشكل فردى ليتناسب مع قياسات ومنحنيات كل كلب على حدة.

 

 

 

البداية من الملاجئ

بينما يزدحم حفل «ميت جالا» الأصلى بنجوم الصف الأول، والمليارديرات، والشخصيات العالمية التى تتسابق للظهور أمام الكاميرات، حمل حفل «بيت جالا 2026» مفارقة إنسانية واجتماعية غاية فى الجمال والعمق.

لم تكن الكلاب المشاركة مجرد حيوانات أليفة عادية، بل تميز الحدث بتنوعٍ لافت وذكى فى اختيار النجوم التي سارت على السجادة الحمراء، حيث انقسمت إلى ثلاث فئات رئيسية:

الأولى كانت كلاب الملاجئ، التى أمضت أيامها خلف القضبان الحديدية بانتظار من يمنحها فرصة ثانية للحياة، والثانية كانت كلاب مجموعات الإنقاذ التى نجت من ظروف قاسية وتمت رعايتها وتأهيلها، بينما الثالثة: كانت الكلاب المؤثرة من مشاهير منصات التواصل الاجتماعى الذين يمتلكون ملايين المتابعين.

إشراك كلاب الملاجئ فى نفس العرض جنبًا إلى جنب مع الكلاب المؤثرة الشهيرة منحها نفس الدرجة من البريق، والاهتمام، والأناقة، ما ساهم بشكل فعال فى تغيير الصورة النمطية المرتبطة بحيوانات الملاجئ، ليحول الأنظار إليها كـ «نجوم» حقيقية قادرة على لفت الانتباه واقتحام عالم الأضواء، وتحدى التوقعات فى سرد قصص نجاحها من داخل غرف الإنقاذ المظلمة إلى منصات الموضة العالمية.

وشهد العرض مجموعة من الإطلالات المبهرة التى حفرت مكانها مباشرة فى أرشيف الموضة الساخرة والراقية فى آن واحد.

وإذا أردنا الحديث عن «الإطلالات التى لا تُنسى» فى الحدث، فلا يمكننا تجاوز تلك التفاصيل البصرية المؤثرة التى استحضرت روح «ميت جالا 2026».

كان هناك سيطرة واضحة للون الأزرق الملكى الساحر المستوحى من أعمال الفنان الشهير «إيف كلاين»، بفضل محاكاة إطلالات النجمتين هايلى بيبر وتيسا طومسون.

كما برزت بقوة الفساتين المستوحاة من الطراز اليونانى الكلاسيكى مثل إطلالة أشلى جراهام وتوم براون.

أما المفاجأة، فكانت تحويل فستان «فينوس دى ميلو» الشهير لـ«تشيس إنفينيتي» إلى تصميم مصغر ومبهر يناسب بنية أحد الكلاب المشاركة فى عرض روبيو.