الأحد 5 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

أول قياس لخلايا المزاج

فحص دم يتنبأ بالاكتئاب «عن بعد»!  



فى خطوة قد تُعيد رسم خريطة الطب النفسى الحديث، كشفت دراسة علمية حديثة عن إمكانية اكتشاف الاكتئاب عبر فحص دم بسيط، يتتبع أنماط شيخوخة خلايا مناعية محددة، قبل أن تتفاقم الأعراض أو يُضطر المريض لوصف معاناته بالكلمات.

وأظهرت الدراسة، التى قادها فريق بحثى من جامعة نيويورك بالشراكة مع مراكز طبية أمريكية مرموقة، وجود مؤشر حيوى يربط بين تسارع العمر البيولوجى للخلايا المناعية والأعراض النفسية غير الجسدية للاكتئاب، وعلى رأسها فقدان المتعة والشعور العميق باليأس.

بهذا الاكتشاف، لم يعد الاكتئاب اضطرابًا رهينًا لاجتهادات التشخيص الذاتى والاستبيانات السريرية، بل أصبح على أعتاب أن يُقاس بمؤشرات بيولوجية موضوعية، تمنح الأطباء أداة دقيقة للكشف المبكر، وتُتيح للمرضى فرصة للتدخل العلاجى قبل أن يسرق المرض بهجة الحياة ويُثقل كاهلهم بصمتٍ طويل.

 فحوصات روتينية

لطالما اعتمد تشخيص الاكتئاب فى الممارسة الطبية التقليدية على ما يرويه المريض عن أعراضه، وهو منهج يكتنفه قدر كبير من الذاتية والتباين البشري. فبينما يشتكى البعض من الإرهاق الجسدى، اضطرابات النوم، أو فقدان الشهية، يعانى آخرون بصمت من ضبابية التفكير، أو فقدان المتعة، أو ذلك الشعور الخانق باليأس الذى لا تلتقطه الفحوصات المخبرية الروتينية. 

وتُشير الدراسة، المنشورة فى دورية «جورنال أوف جيرنوتولوجي»، إلى أن هذا التباين ليس عائقًا فحسب، بل دليل على أن الاكتئاب ليس كتلة سريرية واحدة، بل طيف من المظاهر البيولوجية والنفسية المتداخلة التى تتطلب مقاربة تشخيصية أكثر ذكاءً. 

وتؤكد الدكتورة نيكول بيلوى بيريز، الأستاذة المساعدة بكلية رورى مايرز للتمريض بجامعة نيويورك والمشاركة الرئيسة فى الدراسة: «الاكتئاب ليس اضطرابًا موحدًا يناسب الجميع، بل يظهر بأوجه متعددة من شخص لآخر، لذا يجب أن ننظر إلى هذه التباينات بدقة بدلًا من حصره فى تصنيف سريرى جامد». وتضيف: «تكشف دراستنا عن أسس بيولوجية فريدة للصحة النفسية غالبًا ما تُحجب خلف التصنيفات التشخيصية الواسعة، وهو ما يفتح الباب أمام مقاربات أكثر إنصافًا ودقة».

واعتمد الفريق البحثى على مفهوم «السن البيولوجي»، الذى لا يتطابق بالضرورة مع العمر الزمنى، عبر استخدام ما يُعرف بـ«الساعات اللاجينية»؛ وهى أدوات متطورة ترصد التغيرات الكيميائية الدقيقة فى الحمض النووى مع مرور الوقت وتعكس وتيرة شيخوخة الجسم على المستوى الجزيئي.

وشملت العينة 440 امرأة، من بينهن 261 مصابة بفيروس نقص المناعة و179 غير مصابة.

تم تحليل عينات الدم عبر نوعين من القياسات: الأول يقيس الشيخوخة عبر أنسجة وخلايا متعددة، بينما الثانى يركز تحديدًا على «الخلايا الوحيدة» التى هى نوع من كريات الدم البيضاء المرتبطة بالاستجابة المناعية والالتهابات المزمنة، وغالبًا ما ترتفع مؤشرات شيخوختها لدى من يعانون من الاكتئاب. 

والمفاجأة كانت جلية وحاسمة فلم تظهر أى علاقة ذات دلالة بين ساعة الشيخوخة العامة وأعراض الاكتئاب، لكن الخلايا الوحيدة كشفت عن ارتباط وثيق ومتسارع بالأعراض غير الجسدية للمرض، تحديدًا فقدان المتعة، الشعور بالفشل، والإحساس باليأس، وهو الارتباط الذى ظهر لدى المصابات بالفيروس وغير المصابات على حد سواء.

 

 

 

 خلايا المزاج

الاكتئاب هو أكثر شيوعًا بين من يعانون من أمراض مناعية مزمنة مثل فيروس نقص المناعة، حيث تتشابك العوامل البيولوجية مع الوصمة الاجتماعية والضغوط الاقتصادية لتُشكل بيئة خصبة للمعاناة النفسية.

والنساء المصابات بالفيروس الفئة الأكثر تأثرًا، إذ قد يعوق الاكتئاب التزامهن بالعلاج المضاد للفيروسات والمتابعة الطبية المنتظمة، ما يفاقم المخاطر الصحية ويُعقد مسارات التعافى.

والاكتشاف الجديد يقلب التصور السائد؛ فغالبًا ما تُعزى الأعراض الجسدية مثل التعب والإرهاق لدى مرضى المناعة تلقائيًا إلى المرض المزمن أو العلاجات الدوائية، بينما تُغفل العلامات المزاجية والمعرفية الدقيقة.

وكما قالت بيريز: «وجدنا أن المؤشرات البيولوجية الدقيقة ترتبط بالأبعاد النفسية والمعرفية تحديدًا، وليس بالجسدية».

تعيد هذه النتائج صياغة الفهم السريرى للأعراض، وتؤكد أن المؤشرات المناعية ترتبط بالأبعاد النفسية العميقة للاكتئاب، وليس بالمظاهر الجسدية السطحية التى غالبًا ما تُختزل فى تشخيص الأمراض المزمنة.

ورغم أن الدراسة لا تزال فى مرحلتها البحثية ولم تدخل حيز التطبيق السريرى المباشر، فإنها تمهد لمسار جديد فى الطب النفسى.

حيث يمكن مستقبلًا دمج الفحوصات المخبرية الموضوعية مع التقييم السريرى التقليدى، ما يسمح بالكشف المبكر عن الاكتئاب قبل استفحاله، وتصميم بروتوكولات علاجية مخصصة تناسب الملف البيولوجى والنفسى لكل مريض.

وتشير بيريز إلى أن «ما يُقاس يمكن إدارته، والهدف الأسمى هو سد الفجوة بين التجربة الذاتية للمريض والبيانات العضوية الدقيقة، خاصة للفئات الأكثر عرضة للإهمال التشخيصي».

وقد حظى البحث بدعم من المعهد الوطنى للصحة النفسية والمعهد الوطنى فى الولايات المتحدة، بمشاركة باحثين من جامعات ييل وجونز هوبكنز وأينشتين وميامي.

صحيح لا يزال الطريق طويلًا قبل اعتماد فحص الدم كأداة تشخيصية روتينية للاكتئاب، لكن الدراسة الحالية تضع حجر أساس علميًا متينًا، يحوّل الاكتئاب من «حالة تُوصف» إلى «اضطراب يُقاس»، فى خطوة قد تغير قواعد اللعبة فى مجال الصحة النفسية، وتعيد الثقة فى إمكانية دقة التشخيص وفعالية العلاج.