فنانة.. على خط النار
منير مطاوع
«مهندسة زراعية» خطفتها «نداهة التمثيل»
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
خلال ما يزيد على الستين عامًا من عملى الصحفى تعرّفت على ممثلات كثيرات من نجمات المسرح والسينما والتليفزيون والإذاعة.. منهن رائدات كبيرات لا مثيل لهن وبينهن من لم تصل موهبتها إلى القمة.
نشأت علاقتى الصحفية بالفن والفنانين المشاهير عندما كنت فى عمر الأربعة عشر عامًا. وكنت أصدر مجلة حائط أسبوعية فى المدينة السكنية التى تعيش فيها عائلتى الصغيرة فى السويس.
وبعد 8 سنوات، وفى السويس أيضًا - وكنت قد أصبحت محررًا فى «صباح الخير» - تيسر لى لقاء واحدة من الفنانات اللاتى لا مثيل لهن.. ممثلة لا تمثل!

لكنها تعيش مع الناس وتعبر عنهم.. وهذا هو مفهومها لفن التمثيل.
دخلت عالم هذا الفن بتشجيع من مدرس اللغة العربية فى التاسعة من عمرها ولم تكن تضع فى بالها أن يكون التمثيل مستقبلها.
فقد كانت تريد أن تصبح طبيبة لتعالج الفلاحين الذين ولدت بينهم أو تدخل كلية الزراعة أيضًا لتكون فى خدمة الفلاحين.
اختاروها لأداء دور على المسرح المدرسي، وأصبحت بطلة المسرحية بدلًا من أن تلعب دور البديلة، ونالت جائزة التمثيل الأولى على كل مدارس القاهرة..
هذه هى
عندما التقيتها لأول مرة كانت قد أصبحت واحدة من أهم ممثلات المسرح فى مصر.
كنا سنة 1967 نتواجد مع الناس فى السويس خلال الحصار الذى أعقب هزيمة يونيو ودام حوالى مئة يوم وتعرضت المدينة لتدمير شامل بطائرات وصواريخ العدو لم تشهده مدينة من قبل فى أى مكان فى العالم حتى خلال الحرب العالمية الثانية.
وكنت أعايش الفدائيين والأهالى وكان معنا الشاعر عبدالرحمن الأبنودى وزميلى فى كلية الفنون الجميلة المطرب الفنان محمد حمام.
نذهب مع فرقة «ولاد الأرض» من أبناء المدينة الباسلة يقودها الكابتن غزالى ونجول بين فرق الجيش المرابطة نغنى ونشارك فى رفع الروح المعنوية وتدعيم روح المقاومة والتفاؤل بالنصر..

خلال هذه الأيام فوجئت بأنها الفنانة الوحيدة التى جاءت للمشاركة فى دعم صمود شعب السويس.
حدثتها عن أننى أعرفها من أدوارها المسرحية المميزة قبل سنوات، وحكت لى أنها مهندسة زراعية لكن فن التمثيل استهواها منذ كانت طالبة فى زراعة القاهرة حيث اختارها عبدالرحمن الشرقاوى لتقوم ببطولة مسرحيته «مأساة جميلة».. سنة 1962 عن البطلة الجزائرية جميلة بوحيرد.
وعن هذه المسرحية قالت إنها من أقرب أعمالها الفنية إلى قلبها.
وروت كيف أن حماسها دفعها للسفر إلى الجزائر حيث قابلت الشخصية الحقيقية، وهى تعتقد أن الدور الذى أدته فى «مأساة جميلة» جعل علاقتها بالفن حقيقية جدًّا. لأنه يعكس قناعاتها السياسية وميلها للنضال والثورة.
وحكت لى أكثر من مرة عن تطور وعيها الوطنى السياسى منذ كانت طفلة تشاهد المظاهرات ضد الإنجليز والحكومات الموالية لهم وللملك.
الخروج أو الموت!
وقفت بعد الثورة التى فرحت بها، رافضة بعض قرارات الرئيس جمال عبدالناصر، فتم اعتقالها وكانت فى السابعة عشرة فى أواخر الخمسينيات لمدة عام ونصف العام، وشاركت الفنانة التشكيلية والمناضلة إنجى أفلاطون الزنزانة نفسها، كما أنهما قامتا بأول إضراب فى تاريخ السجون النسائية المصرية تحت شعار «الخروج أو الموت».
وجاء مأمور جديد للسجن، سمح لهما بالتمثيل والرسم وفقًا لإمكانيات السجن.
وعن الخبرة التى اكتسبتها قالت إنه زاد ارتباطها بالناس: «ولدت داخلى إنسانة أكثر عمقًا وانتماءً للناس مع خروجى من المعتقل».
ولا أنسى لها عبارة لا تمحى من الذاكرة، تكشف عن جوهر هذه الإنسانة الفريدة، قالت:
«لو ما كنتش بأحب الناس ما كنتش هاعرف أمثل».
وحكاياتها عن «حب الناس» متعددة لا أعرف بدايتها لكنها أطلعتنى على بعضها وعلمت بالبعض الآخر من تتبعى لحياتها ونشاطاتها.
فهى مثلًا تقول:
«قررت أن أعيش وسط الناس، فذهبت إلى المخيمات الفلسطينية لفترة، ورأيت أسرًا غير قادرة على إطعام أطفالها، وأطفالًا يموتون أمام آبائهم، وتعلمت منهم الصبر والعزيمة والإصرار والتحدي».
وشاركت كعضو فى اللجنة المصرية للتضامن مع الشعب الفلسطينى واللبنانى وكانت دائمة الحضور والدعم، واعتبرت نفسها سفيرة لهذه القضية، وقامت مع فنانة كبيرة أخرى هى نادية لطفى بجمع التبرعات والملابس والطعام وذهبتا على متن سفينة الإغاثة إلى لبنان عام 1982 أثناء الاجتياح الإسرائيلى لبيروت.
وطبعا لا ننسى دورها فى لجان مقاومة التطبيع مع إسرائيل ودعم الثورة الفلسطينية، ومشاركتها فى قوافل دعم انتفاضة الشعب الفلسطينى التى انطلقت من القاهرة إلى العريش ورفح محملة بالأغذية والأدوية إلى الشعب المحاصر.
ولم يتوقف دورها على ذلك بل جعلت من عملها الفنى وسيلة نضال أخرى حيث انعكس إيمان محسنة توفيق على فنها؛ فقد شاركت سنة 1987 فى الفيلم المصرى «الانتفاضة» من إخراج أحمد الخطيب، الذى يناقش القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطينى ضد الاحتلال، والمجازر التى قامت بها إسرائيل.

لقاء فى لندن
التقيت محسنة توفيق بعد ذلك أكثر من مرة ودعتنى لمنزلها وتعرّفت على زوجها وهو شخصية رفيعة المستوى.
وكان آخر لقاء لى معها فى لندن التى حضرت إليها فى زيارة بدعوة من الجالية العراقية التى فرت من بلادها واختارت النفى على البقاء تحت نظام صدام حسين الديكتاتوري.
تفخر الفنانة القديرة بجائزة حصلت عليها فى العراق وبالتحديد عام 1985 وهى جائزة أفضل ممثلة من مهرجان بغداد المسرحى عن دورها فى مسرحية «منين أجيب ناس» لنجيب سرور، وإخراج مراد منير.
ومع أنها اعتقلت سنة 1954 وكانت فى السابعة عشرة من عمرها لاعتراضها على ما جرى خلال أزمة مارس من صراع بين الضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة بقيادة جمال عبدالناصر، إلا أن جمال عبدالناصر بنفسه كرّمها بعد ذلك بـ13 سنة وهى فى عمر الثلاثين بمنحها وسام العلوم والفنون.. وقد نالت جائزة الدولة التقديرية فى الفنون سنة 2013..
الانتصار على الهزيمة
أعود لأيام حصار السويس حيث كانت تتمتع بثقة كاملة فى أن شعب مصر سوف ينتصر على هزيمة يونيو، واتفقت مع المفكر محمد عودة فى جلسة جمعتنا معًا، فى أن جولدا مائير ومن معها من قيادات العدو الإسرائيلى رغم اقترابهم مشارف السويس إلا أنهم لن يتمكنوا من دخولها، فهم يعرفون أن فى ذلك نهايتهم على أيدى أبناء المدينة ورجال جيش مصر..
وهو ما حدث بعد ذلك.
كانت محسنة توفيق من الفنانين القلائل الذين يعتبرون الفن وسيلتهم للتعبير عن الناس وتطلعاتهم ومعاناتهم وأحلامهم للمستقبل ومن هنا كانت لها مواقف وطنية كبيرة وآراء معارضة لم تتخل عنها واعتقلت بسببها أكثر من مرة.
لم تتخاذل فى الدفاع عن مواقفها ما تسبب فى تهميشها، ولم ينجح ذلك فى تراجعها عن مبادئها.
وواصلت كفاحها وتحقق لها نجاح كبير عندما وجدت نفسها وقد تحوّلت إلى رمز لمصر لدى قيامها بدور «بهية» فى فيلم يوسف شاهين الشهير «العصفور» 1972 وهو دور الخياطة التى تكافح لتربية أبنائها وتنزل مندفعة إلى الشارع، وهو ما قامت به محسنة توفيق تمامًا فى الواقع لحظة التنحي، رافضة تنحى الرئيس جمال عبدالناصر وهى تصرخ: «لأ هنحارب.. هنحارب».
وبهية كما تراها محسنة: «حاملة روح الناس، ومصر يعنى الناس».
وكتب أحمد فؤاد نجم أغنية الفيلم اعتمادًا على اسم «بهية» وغناها الشيخ إمام «مصر يامة يا بهية، يا امُّ طرحة وجلابية، الزمن شاب وانت شابة، هو رايح وانت جاية».
وتحصل «بهية» أو محسنة، التى ترفض الظلم والاستسلام وتقف فى وجههما مناصرة للحق، على جوائز عن دورها.
وتصبح رمزًا لمصر الصمود والمقاومة وتجاوز الهزيمة وتحقيق النصر.
وفى الأسبوع المقبل نواصل