د.سمية عسلة
عقدة «نوفمبر» تحسم سيناريو «هرمز»!
تتحكم انتخابات التجديد النصفى الأمريكية المقررة فى نوفمبر المقبل فى سلوك الرئيس دونالد ترامب السياسى، حيث يواجه شبح خسارة الأغلبية «الجمهورية»، ما يدفعه للبحث عن منجز خارجى بأى ثمن. وبناءً على المعطيات الراهنة، تتأرجح الأزمة الإيرانية - الأمريكية بين أربعة سيناريوهات: أولها الانكفاء والتسليم بالأمر الواقع وهو (المرجح نسبياً) فى أن يضطر ترامب للقبول باتفاق جزئى مع طهران يلبى الحد الأدنى من الشروط الإيرانية (كالإفراج عن الأموال المجمدة) مقابل خفض التصعيد البحرى، مع صياغته إعلاميًا كإنجاز أمريكى، تجنبًا لانفجار أسعار النفط عالميًا قبل الانتخابات.
بينما يدور السيناريو الثانى حول ما يسمى الهروب العسكرى والأعمال الانتقامية، ويرجحه البعض نظرًا لطبيعة ترامب غير المتوقعة وشعوره بالحصار السياسى، فقد يلجأ إلى تنفيذ ضربات جراحية خاطفة ضد أهداف بحرية إيرانية أو منشآت حيوية لإعادة فرض الردع، ما قد يتدحرج إلى حرب إقليمية واسعة تشل الطاقة العالمية.
فيما ينحصر السيناريو الثالث حول الجمود المستمر وتآكل النفوذ الأمريكى، وهو ما يمكن تسميته باستمرار الوضع الحالى (Status Quo)؛ حيث تواصل إيران إدارة مضيق هرمز بحكم الأمر الواقع، وتستمر واشنطن فى إطلاق التهديدات اللفظية دون قدرة على التغيير، ما يعمق من تراجع الهيمنة الأمريكية فى الخليج لصالح قوى إقليمية ودولية.

ويأتى السيناريو الرابع فى تسليم اليورانيوم المخصب لكازاخستان، حيث تأتى فرضية اختيار كازاخستان كوجهة محتملة لاستلام أو تخزين اليورانيوم المخصب الإيرانى فى إطار السيناريوهات الدبلوماسية المعقدة الرامية إلى إحياء التفاهمات النووية أو إيجاد صيغة تسوية إقليمية ودولية للحد من التصعيد. بناءً على المشهد الجيوسياسى الراهن، فإن هذا الاحتمال يحمل أبعادًا استراتيجية بالغة الأهمية.
وتحتل كازاخستان مكانة فريدة فى العمارة الأمنية والنووية العالمية، وتجعلها عدة عوامل «الوسيط والمستودع المثالى» فى أى صفقة تسوية نووية وذلك لعامل الحجم والريادة فى سوق اليورانيوم العالمية.
فكازاخستان ليست مجرد دولة عادية فى هذا المجال، بل هى أكبر منتج لليورانيوم الطبيعى فى العالم، حيث تؤمن وحدها نحو 40% من الإمدادات العالمية عبر شركتها الوطنية «كازاتومبروم».
هذا الثقل يمنحها بنية تحتية متطورة للغاية وخبرات تكنولوجية وأمنية فائقة فى التعامل مع المواد المشعة وتخزينها وفق أعلى معايير السلامة.
بنك اليورانيوم!
تمتلك كازاخستان سابقة مؤسسية مهمة؛ حيث تستضيف على أراضيها (تحديداً فى مصنع أولبا للميتالورجيا فى أوسكمان) البنك الدولى لليورانيوم منخفض التخصيب التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، هذا البنك يمثل آلية دولية تضمن للدول الحصول على وقود نووى للأغراض السلمية دون الحاجة لتطوير برامج تخصيب خاصة بها، ما يجعل كازاخستان جغرافية موثوقة ومقبولة دولياً لإيداع هذه المواد تحت إشراف أممى صارم.
فضلًا عن ذلك تلعب العقيدة الدبلوماسية «متعددة الأبعاد» والنظام الصارم لمنع الانتشار النووى لكازاخستان دورًا كبيرًا فى الاختيار، حيث تتمتع أستانا بإرث تاريخى فريد؛ فبعد تفكك الاتحاد السوفيتى، تخلت طواعية عن رابع أكبر ترسانة نووية فى العالم.
مذ ذاك الحين، تبنت سياسة خارجية متوازنة تقف على مسافة واحدة من القوى الكبرى (روسيا، الصين، والولايات المتحدة)، ما يمنحها موثوقية عالية كطرف محايد وموثوق من كافة أطراف «مجموعة 5+1» وإيران على حد سواء.
كما أن القرب الجغرافى والعلاقات مع طهران لها دور أيضًا فى الاختيار، حيث تتشارك كازاخستان وإيران فى الإطلالة على بحر قزوين، ما يسهل اللوجيستيات والنقل الآمن للمواد عبر مسارات خاضعة لرقابة أمنية مشددة، بعيدًا عن الممرات المائية الدولية عالية المخاطر. فضلاً عن أن أستانا حافظت دائماً على قنوات اتصال دبلوماسية واقتصادية مفتوحة وبناءة مع طهران.
وفى حال تفعيل هذا السيناريو كجزء من صفقة «تبادل» أو «تجميد» (حيث تسلم إيران مخزونها من اليورانيوم عالى التخصيب مقابل تخفيف العقوبات أو الحصول على وقود جاهز للمفاعلات المدنية)، فإن المكاسب تتوزع كالتالي:
بالنسبة لإيران: يتيح لها هذا المخرج الحفاظ على ماء الوجه سياسيًا عبر إيداع المواد لدى دولة صديقة ومحايدة بدلاً من تسليمها مباشرة لقوى غربية، مع التأكيد على الطابع السلمى لبرنامجها.
وبالنسبة للمجتمع الدولى (والولايات المتحدة): يضمن إبعاد المخزون الإيرانى المخصب بنسب حرجة عن أجهزة الطرد المركزى فى منشآتي «فوردو» أو «نطنز»، مما يطيل «وقت الاختراق» (Breakout / Time) اللازم لإنتاج سلاح نووى، ويخفف حدة التوتر الإقليمى.
وبالنسبة لكازاخستان: يعزز مكانتها كقوة عظمى فى دبلوماسية نزع السلاح النووى، ويسلط الضوء على دورها كركيزة للاستقرار العالمى، وهو ما يترجم إلى مكاسب سياسية واقتصادية فى علاقاتها مع الغرب والشرق.
رغم منطقية الطرح، فإن تحويله إلى واقع يصطدم بعدة عقبات جيوسياسية أهمها معضلة الثقة والرقابة: نقل اليورانيوم المخصب الإيرانى يتطلب بروتوكولًا قانونيًًا معقدًا يحدد «الملكية السيادية» لهذه المواد، وهل ستظل تحت السيادة الإيرانية (مجرد أمانة) أم ستنتقل لملكية دولية؟
الغرب سيصر على رقابة دائمة ولصيقة من الوكالة الدولية، بينما قد ترفض طهران أى صيغة تحد من قدرتها على استعادة المواد فى حال تراجع الطرف الآخر عن التزاماته.

وكذلك، فإن الموقف الروسى يلعب دورًا حاسمًا؛ فروسيا كانت تاريخيًا هى الوجهة التقليدية لاستلام اليورانيوم الإيرانى الزائد بموجب الاتفاق النووى لعام 2015 المعروف بـ(JCPOA) فى ظل التوترات الراهنة بين موسكو والغرب، قد تفضل الأطراف الدولية كازاخستان كخيار بديل وأكثر حيادًا، شريطة عدم اعتراض موسكو التى ترى فى آسيا الوسطى منطقة نفوذ استراتيجى لها.
الجبهة الشمالية
بالتوازى مع هذه التطوات، كشفت تقارير استقصائية دولية مؤخرًا عن جريمة بيئية وصحية واسعة النطاق نفذها الجيش الإسرائيلى على الحدود السورية واللبنانية، بهدف كشف الغطاء النباتى وتأمين الرؤية البصرية الكاملة على طول الحدود، فيما عرفت بعمليات رش كيميائى إسرائيلية مكثفة، وتدمير شريط حدودي: 35 كم فى لبنان / 55 كم فى سوريا، واستخدام مبيد «الجلايفوسات» المسرطن بتركيزات أعلى.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية دمارًا ممتدًا لـ 55 كيلومترًا على الحدود السورية، ونحو 35 كيلومترًا بمحاذاة الحدود الجنوبية للبنان، رجّح تقرير لمنظمة «باكس فور بيس» الدولية استخدام مبيد الأعشاب «الجلايفوسات» (Glyphosate)، المصنف من قِبل منظمة الصحة العالمية كمادة محتملة التسبب فى السرطان.
وأظهرت تحاليل التربة والنباتات فى جنوب لبنان وجود تركيزات من هذه المادة أعلى من المعدلات الطبيعية بنسبة تتراوح بين 50 إلى 60 ضعفًا.
إلى ذلك أكد تصريح لوزير الزراعة اللبنانى نزار هانى أن «الرش ليس عشوائيًا، بل هو سياسة ممنهجة لإبادة الغطاء النباتى وتحويل الشريط الحدودى إلى أرض محروقة وجرداء، بالتوازى مع استخدام الفوسفور الأبيض وتجريف الأراضى لكشف المنطقة عسكريًا».
ولم تسلم حتى قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) من هذه العمليات، حيث أفاد التقرير باضطرار بعض الدوريات الدولية للاحتماء داخل الملاجئ لساعات طويلة لتفادى حالات الاختناق الناتجة عن الرش الكثيف، فى ظل صمت دولى يعكس العجز أمام الممارسات الإسرائيلية المستمرة منذ حقب سابقة، كما حدث على حدود غزة منذ عام 2014.

وتثبت التطورات الراهنة أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة إعادة تشكل موازين القوى؛ فبينما تحاول واشنطن عبر التهديد العسكرى الحفاظ على هيكل نفوذها المتآكل، تتحرك القوى الإقليمية لتثبيت واقع جيوسياسى جديد فى الممرات المائية الحاكمة للاقتصاد العالمي. وفى غضون ذلك، تظل الجبهات المشتعلة فى لبنان وسوريا تدفع فاتورة الصراع العسكرى والبيئى، ما يضع المنطقة برمتها فوق صفيح ساخن بانتظار ما ستسفر عنه أسابيع الحسم قبل نوفمبر المقبل.