صـحفى فى مداهمة بوليسية
منير مطاوع
أسبوع فى اليونان بدعوة من الرئيس اليوغوسلافى!
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

فى النصف الثانى من ستينيات القرن الماضى، انتشرت «هوجة» سفر الشباب للخارج.. تدعو إليها بعض الصحف ويتحمس لها أحد كتاب «صباح الخير» و«روزاليوسف» عبدالستار الطويلة ويكاد يتفرّغ لها.. كما لو كانت دعوة لمذهب سياسى جديد أو تطور اجتماعى ثقافى لا بد منه.
ومع انتشار هذه «الهوجة» كما أسميها ظهرت مكاتب فى قلب القاهرة تتخذ من عمارات فخمة مواقع لها بهدف معلن هو مساعدة الشباب على تحقيق حلم السفر للخارج.. واكتشاف العالم، بينما الهدف الخفى هو النصب على هؤلاء الحالمين برؤية العالم، والاستيلاء على ما يمكن جمعه منهم ومن أهاليهم من أموال.

رحلة كشف
هنا فكّرت كمحرر شاب فى «صباح الخير» مجلة العقول الشابة.. أنه لا بد من كشف أعمال النصب التى تدبرها هذه العصابات.. فاتفقت مع صديقى وزميلى فى المجلة وفى دفعتنا فى كلية الفنون الجميلة فنان الكاريكاتير المختلف محسن جابر، أن نذهب معاً إلى أحد هذه المكاتب وندعى أننا من الشباب المتطلع لتحقيق حلم اكتشاف العالم.. ومن خلال ذلك نستطيع التعرّف على تفاصيل أعمال النصب التى سقط ضحيتها عدد لا بأس به من الشباب..
وكان اشتراك محسن جابر معى مفيدًا ومهمًا جدًا، فهو شاب صعيدى قادم لتوه من نجع حمادى فى قنا.. وله لهجة قناوية قوية وملامح توحى بالبراءة حد الغفلة، وهى عناصر ساعدتنا كثيرًا فى اختراق هذه العصابة التى شعرت بأنها سيطرت تمامًا على مشاعرنا.. بسبب ما أظهرناه لها من «عباطتنا»!
وبالمناسبة فصديقى محسن جابر يتمتع بموهبة عالية وذكاء ووعى وثقافة.
تعارفنا سنة 1962 عندما التقينا فى معسكر المتفوقين الذى تنظمه وزارة التربية والتعليم لتلاميذ المدارس الثانوية المتمتعين بقدرات ومواهب.
ويتم الاختيار بناء على نشاط الطالب وترشيح المدرسة ثم اختبار يجريه مختصون، ثم يقدّم للطالب كشف بعدد كبير من الكتب ليختار واحدًا منها يدرسه باهتمام وتأتى لجنة لتناقشه فيه فيما بعد.
وأذكر أن الكتاب الذى اخترته كان عن حياة وأعمال «فيردي» المؤلف الموسيقى الإيطالى لأوبرا «عايدة».
اكتشفت أننى وصديقى الجديد محسن نراسل صحيفة أسبوعية تصدر فى القاهرة اسمها «الحقائق» هو يبعث من نجع حمادى برسوم كاريكاتيرية وأنا أبعث من السويس بأخبار وتقارير صحفية ومنها حديث أجريته مع شعراوى جمعة محافظ السويس الجديد.
نعود إلى مغامرتى الصحفية مع محسن الذى أصبح بعد ذلك بسنتين زميلًا لى، حيث نجحنا فى امتحان القبول والالتحاق بكلية الفنون الجميلة فأصبحنا زملاء فى دفعة 1964.
وفى مغامرتنا لم نحتج إلى أى تعديل فى ملامحنا ومظهرنا العام، فكلانا فعلًا طالبان جامعيان شابان فى العشرين من العمر.
كل ما افتعلناه هو أن أبدينا نوعًا من السذاجة والتلهف والرغبة المحمومة فى الخروج إلى العالم الواسع.
اتجهنا إلى العمارة الفخمة القائمة حتى الآن فى وسط القاهرة بجوار سينما مترو فى شارع طلعت حرب، حيث اختار هؤلاء النصابون موقع شبكتهم الفاخر لمزيد من الإيحاء بالجدية وإشاعة أجواء الثقة لدى الحالمين بزيارة روما وباريس ولندن وغيرها من عواصم العالم البراقة فى عيونهم.
أمضينا وقتًا كافيًا للاستطلاع، وجمعنا ما يكفى من معلومات عن أساليب عمل هذه العصابات وكيفية إيهام من يتقدم لها بأن حلمه سوف يتحقق فى أقرب فرصة.
وفهمنا أن علينا تجميع مبالغ مالية كافية لتغطية إجراءات ونفقات رحلتنا إلى البلد الذى نختاره.. كيف نجمع هذا المال؟.. من مدخراتنا.. ومن الأهل والأصدقاء ومن الاشتراك فى جمعيات تدبير المال بسرعة وتسديده ببطء.
كانت هذه هى طرق الحصول على المال اللازم للرحلة عندما سألنا عن ذلك أفراد العصابة الذين يرتدون أفخر الملابس- كما لاحظنا - ويرطنون ببعض العبارات باللغات الأجنبية فرنسية وإنجليزية، ويدخنون أفخر أنواع السجائر الأمريكية ويقدّمون لنا أغلى أنواع المرطبات والحلوى.. ويعاملوننا بود مبالغ فيه، ويشرحون لنا تفاصيل مهمة السفر «الصعبة» بسهولة مغرية.
ولم نكن وحدنا فى المكتب.
كان هناك شبان آخرون يتم التغرير بهم حتى أن أحد أفراد العصابة اقترح علينا وعلى هؤلاء الشبان أن نبحث فى بيوتنا عما يمكن أن نبيعه لتوفير المال اللازم.. لنقدمه لهم مقابل قيام «المكتب» بتحقيق أحلامنا والقيام بجميع ترتيبات السفر والإقامة وكل شىء.

أسماء غير حقيقية
عندما اكتملت لدينا عملية جمع المعلومات والتعرف على خطط النصب التى يتبعها المكتب، طلبنا أن يسمحوا لنا بالحضور فى وقت آخر بعد أن نكون قد تمكنا من ترتيب الأمور المالية.
ولا أنسى، رغم كل هذه السنين، أننا محسن جابر وأنا، قدمنا بيانات مختلفة عن أنفسنا.. أسماء غير حقيقية وغير ذلك مما كان يتم تسجيله فى أوراق مكتب تسهيل سفر الشباب للخارج.
وكتبت التحقيق الصحفى ورسم محسن بعض الرسمات التى نشرت معه وكان العنوان الذى لا أتذكره بالضبط يعنى أن «صباح الخير» تكشف عصابات النصب على الشباب الحالم باكتشاف العالم.
بالنسبة لى كان حلم بداية اكتشاف العالم قد تحقق قبل ذلك بعدة سنوات.
فقد سافرت إلى الخارج لأول مرة فى حياتى سنة 1963 وكنت فى الثامنة عشرة من عمرى، حيث اختارنى عادل طاهر سكرتير المجلس الأعلى لرعاية الشباب لعضوية وفد الشباب المصرى تلبية لدعوة من الرئيس اليوغوسلافى «تيتو»، وأمضيت أسبوعًا فى أثينا عاصمة اليونان وعاصمة حضارتها القديمة قبل أن أمضى شهرًا فى جولة فى أنحاء جمهورية يوغوسلافيا.
فوجئت فى يوم نشر تفاصيل مغامرتنا الصحفية هذه باتصال تليفونى من البوليس!
حدثنى بصوت شديد الرسمية ضابط عرّفنى بنفسه ورتبته ومركزه كقائد شرطة ومسئول عن مكافحة عصابات التغرير بالشباب بدعوى تسهيل سفرهم للخارج.
وأضاف أنه اطلع على التحقيق «الممتاز» كما وصفه الذى أجريته عن هذه العمليات.. وشكرنى على هذا الجهد الذى لا تقوم به إلا صحافة محترمة كمجلة «صباح الخير».
كان ردى متواضعًا وقلت ما معناه إن هذا واجبنا وهذه رسالة الصحافة كما نفهمها.. وطبعًا شكرته على تقديره. فإذا به يطلب منى أن أوافيه بعنوان المكتب إياه لأنه ينوى أن يقوم بقيادة فرقته البوليسية باقتحامه والقبض على العصابة، فأسعدنى ذلك كثيرًا.. وقدّمت له العنوان.. وأنا أشعر بالفخر لهذه الاستجابة السريعة وهذا النجاح الذى حققه تحقيقنا الصحفى.
فإذا به يطلب منى أن أحضر معه ومع فرقته عملية اقتحام المكتب!
هنا.. أبديت اعتراضى قائلاً: يا سعادة اللواء أنا لست بوليس، ومهمتى انتهت بكتابة هذا التحقيق كمغامرة صحفية.. أنا صحفى قمت بعملى.. والقبض على العصابات ليس من مهام الصحفيين فأرجو أن تقبل اعتذارى عن المشاركة فى الكبسة.
وقلت إنى أحب أن أعرف تفاصيل ما قمتم به.
شعرت بلهجة فيها قدر من الإحباط على لسان هذا الضابط الكبير المتحمس.. لكنه لم يتصل بى مرة أخرى.
وفيما بعد علمت بما قام به وفرقته، حيث قبضوا على العصابة وأغلقوا المكتب الذى ينصب على الشباب الحالمين باكتشاف العالم وينهب أموالهم.. وكم كانت سعادتى بنجاح مغامرتى الصحفية هذه.
وفى الأسبوع المقبل نواصل