لقاء فنى بين محمود مختار وهنرى مور
«حورس» فى بدر؟!
سوزى شكرى
من تنظيم كلية الفنون التطبيقية أقيم «سمبوزيوم جامعة بدر الدولى الثالث للنحت»، وبالمصادفة جاء يوم تكريم الفنانين المشاركين وفريق العمل مواكبًا للاحتفال العالمى بفن النحت، الذى يقام فى السبت الأخير من شهر أبريل سنويًا والذى أسسه المركز الدولى للنحت عام 2015 بهدف توعية الجمهور بالدور الذى يلعبه فن النحت فى حياتنا اليومية.
فى موقع العمل مع كل ضربة إزميل تكشف عن ملامح الشكل المنتظر، وبعد أيام من العراك القاسى مع الأحجار ما بين الحذف والترويض والتطويع وصل لحد المرونة، جاءت لحظة خروج سكان الكتلة الحجرية، لتخطو كل منحوتة أول أيامها، تبدأ زمانها الفنى على أرض مدينة بدر، حيث منحها النحات الوجود والحياة لتحيا بعالمنا. ومع اكتمال الأعمال تكشفت رؤية اللجنة المنظمة المكونة من: رئيس السمبوزيوم الفنانة التشكيلية ا.د / إيمان البنا، القوميسير العام النحات عمر طوسون، والقوميسير المساعد النحات د/ أحمد حافظ .

إن اختيارات الفنانين اعتمدت على وجود تنوع الاتجاهات الفنية وتعددية المعالجات واختلاف المرجعيات الفلسفية، وخلق التناغم البصرى بين خمس عشرة منحوتة لفنانين من مصر ومن دول عربية وأجنبية حالة وئام وتعايش بين نحت الشرق ونحت الغرب، إلا أن الفكر النحتى المعاصر رغم وجوده لم يطو صفحة إرث فنون النحت بالحضارة المصرية القديمة.
اللقاء الاستثنائى الذى لا يحدث إلا فى الفن وبالفن، فالنحات السيد عبده سليم استحضر رمزية «حورس» إله السماء رمز العدالة، طائر الصمود قدمه منحوتة حداثية المعالجة وكتلة إنسانية متماسكة وكبعد مفاهيمى فلسفى هى دعوة ومطالبة بعودة حورس إلى عالمنا لتحقيق العدالة بين البشرية أجمع.
ونظر حورس يمينًا لمنحوتة الفنان أحمد حافظ قطعة من النغم المنحوت الهادى محققًا الوحدة الشكلية والتماسك، نموذجًا للتعبيرية الموجزة، تمثل إيزيس العصر الحالى ترتدى ثوبًا فضفاضًا محتمية به لتقاوم تقلبات العصر وأمواج الحياة، تذكرنا بـ«رياح الخماسين» لمحمود مختار حاضرة كمرجعية ولكن بمفهوم معاصر مغاير.

على يسار حورس منحوتة الفنان «طارق الكومى» منحوتة حداثية ملهمة ومثيرة للجدل، التكوين مجموعات هندسية متداخلة متشابكة يصعب فصل أحدها وكأن كل جزء خلق من الآخر. منحوتة محكمة مترابطة بدون فراغات كمقومات النحت المصرى القديم. حلول مغايرة ارتكز على الاحتفاء بالكتلة، ومنح خياله قدرًا كبيرًا من الحرية من أجل أن يمنح المشاهد مساحة للتأمل والتفكير بديلًا عن الشكلية المباشرة.
وتأمل حورس بهدوء منحوتة الفنان على سالم، منحوتة امرأة بدون أذرع محتفظة بهيبتها رغم بدانتها، كرمز لا خلل فى الشكل، تعامل أيقونى مع المرأة بانتقالها من حالة الجسد المحدودة إلى رمزية المعنى.
تلاقى العمل مع تماثيل الإغريق، ومع تماثيل عامة الشعب بالمصرى القديم بدون أذرع وترهل الجسد وبدانته، فلهم وظيفية طقسية هم رفقاء الآلهة فى رحلتهم الليلية بين الفناء والبعث.
فذهب حورس ببصره بعيدًا كأنه رأى أحدًا من زمنه، منحوتة الفنان «تامر رجب» بروفايل أنف طويل وشفاه صغيرة جمالية رشيقة ومبالغة انسيابية، بوضعية جانبية للرأس، معبرًا عن لحظة إنسانية. كأنه سائر وراء حلم وأمل، أو ربما سائر وراء ظلال. وتلك النوعية من البروفايلات الجانبية ظهرت بجداريات المعابد بالمصرى القديم.

وقف حورس فى خشوع أمام منحوتة النحات التونسى «محمد بوعزيز» التى تتكون من تداخلات هندسية طولية نراها متغيرة من كل الزوايا، يربطها ببعضها إيقاعات خطية محفورة مستوحاة من ثنيات الأقمشة. تلك الأربطة واللفائف لها مرجعية طقسية جنائزية لحفظ المومياوات بعد التحنيط تغلف بأقمشة الكتان، وكان يترك بالمقبرة بردية مكتوب عليها «لتخرج سعيدًا» كملوك عصر الأسرة 18. وتلك المرجعية الطقسية يتفرد بها بوعزيز فى أعماله.
ابتهج حورس بمنحوتة الفنان «أحمد عبدالتواب» منحوتة لمرأة فى وضعية الجلوس تبسط اليدين على الرجلين وتثبت القدمين كتلة متماسكة بدون فراغات. تبدو ملكة من ملكات زمنها تجلس بعظمة ووقار وهدوء، استخدم جماليات التكعيبية كطرح فكرى متحرر. تلاقى هذا العمل كحالة تعبيرية مع تماثيل الملكات بالمصرى القديم. وكبعد فلسفى جالسة موجهة أبصارها إلى الأمام كبعد عقائدى ليسهل على الروح التعرف على صاحبها.
عند منحوتة الفنان السودانى خالد عبدالله أعجب حورس من ترويض الكتلة الحجرية إلى أن تلاشى صمتها وصلابتها، ليونة التشكيل والتوازن وهارمونية الحركة وكأنها قطعة موسيقية إيقاعية لا يمل منها البصر لأنها لغة فنية جادة ذات جذور تاريخية عميقة. ومنحنيات زخرفية تمثل لغة جادة ذات جذور ثقافية تاريخية، ونقلات ملمسية ناعمة متداخلة دون أى خلل فى التكوين.

منحوتة الفنانة «سمر البصال» توعد حورس بالثأر لتلك المرأة. منحوتة لجسد أنثوى امرأة مستلقية مبالغة وإطالة فى نسب الجسد انسيابية ومرونة وتوازن رغم البدانة، ومضمون درامى ربما خوف وقلق ورفض وتمرد إلا أنه يبوح بلحظة نضال الروح الإنسانية فى مواجهة الصعاب، فهذه هى المرأة تلك الرمز القديم للأرض والعطاء. حالة جدل نحتى بصرى مع «هنرى مور» فى الشخصية المستلقية.
حورس والتجريدية
هل لو كان حورس موجودًا معنا اليوم سوف يشيد بالتجريدية الهندسية المعاصرة، نعم سوف يشيد بالجزء الخاص بالالتزام بالقواعد الرياضية الهندسية فقد استخدمها برمزية: المثلث جسر بين عالمين الأرض والسماء، والدائرة رمز الشمس ورمز الميلاد والبعث. والمستطيل والمربع رمز الأرض والثبات.
وتوجد أعمال أكثر زهدًا تبحث عن عالم النقاء الروحى والجمال فى الكتلة ينحصر فى النظام والأحكام والضبط وربط الجمال بعلم الرياضيات، وهو مذهب «النقائية purism 1908» ذكر رواد هذا المذهب أنهم متأثرون بالنظم الرياضية للمصرى القديم. وبهذا تكون النقائية إعادة اكتشاف الروح الهندسية المصرية بلغة معاصرة. وهذا ما حققته منحوتة الفنان عمر طوسون، عمل ينظر إليه أبعد من الظاهر، منحوتة طولية هندسية علاقات منتظمة بترتيب فواصل أشبه بقوانين الموسيقى والرياضيات. تكرارات فى الوحدة بنفس الحجم مع اختلاف الزوايا للإيهام بالحركة، إيقاعات ديناميكية فى البناء النحتى منتهى الإحكام الأسلوبى بحثًا عن الجمال العقلى المجرد والتوازن الهندسى.

ومن اتباع جماليات الأشكال الهندسية المجردة تقدم الفنانة الأوكرانية «يودميلاد ميسكو» منحوتة تتكون من مجموعة من مستطيلات مترابطة متلاحمة متشابكة فى علاقة تكاملية وتوزيع وتوظيف الفراغات خلق رسالة بصرية إنسانية أن ترابط وتفاعل الكل مع الجزء من أجل عالم أفضل. والمستطيل أحد أقدم الرموز فى الفن يرمز للأرض الممتدة فى المصرى القديم، وفى عصر النهضة المربع والمستطيل كلاهما رمز للنظام والعقل والمنطق.
وتضامنًا مع جماليات الهندسية ارتكز الفنان الأوكرانى «يورى ميسكا» على العلاقة بين الكتلة والفراغ دون إفساد الكتلة تماسكها، الكتلة تمثل العقل والثبات والفراغ بين التشكيلات الهندسية والخطية المرنة يعبر عن الحركة ومرور الضوء ليلًا أو نهارًا يربط العمل بالمكان، وكان الفنان نحت الفراغ ليحرّك الكتلة وليس مجرد تناسق فلسفى بل مقصود فراغات بين زوايا الفكرة.

التجريدية العضوية
أما النحت التجريدى العضوى الذى جمع بين الحركة والصلابة فى نفس الوقت النحات الألمانى «تروب كريستوف» كتل ضخمة حلزونية تشبه الساق النباتية «وهى بتطلع الصاعد» ملتفة على نفسها. منحنيات ناعمة وانسيابية. توحى بالحركة والدوران رغم ثباتها. وفى قمة المنحوتة ثلاث فتحات متجهة الى السماء كأن العمل يتحرر من الأرض ويطير.
حالة روحانية الصعود للفوق والانفتاح فى القمة. منحوتة تحكى إحساسًا بالصعود. ويمكن رؤية المنحوتة كجسد إنسانى فى وضعية تحرر.
وأيضًا منحوتة الفنانة السعودية د/ خلود البقمى فتنتمى إلى التجريدى العضوى، يمكن أن تطلق عليها الفراغ ككتلة بساطتها الهندسية مع الانسيابية العضوية. قاعدة مستطيلة هندسية صارمة، وتتعالى منها هيئة بيضاوية منفتحة على ذاتها. لا تحتوى على زوايا حادة، مما يمنح العمل إحساسًا بالاكتمال والاحتواء. لكن هذا الإغلاق يكسر فورًا بالفراغ الداخلى غير المنتظم الذى يشق قلب الحجر ليصبح الفراغ محور التأمل.
وقدمت الفنانة الكورية «هويونج أم» قصيدة حجرية عن الأمل، منحوتة الوجه والزهرة ككيان واحد، وجه هادئ مغلق العين والفم مغلق بسلام إلى حد ما. الوجه أقرب إلى التبسيط الشعبى المعاصر. قد تراها حالمة أو فى حالة تأمل وتذكر شيئًا ما، أو تخشى أن تفتح عينها على عالمنا. الزهرة رمزيتها الحياة والنمو، إلا أن كثرتها جعلت منها زهورًا زخرفية والسطح مصقول ناعم، مما يجعلها تعكس ضوء الشمس بقوة.