المصريات بين العلوم وغواية الأساطير
لماذا لا يهزم التاريخ الخرافة؟
سامح إدوار سعد الله
تفيض علينا الحضارة المصرية بالكثير من القصص والحكايات التى لا يمكن أن يصدق بعضها العقل، لكن تؤكدها الشواهد والدلالات.
فهل يستسلم العلم والمنطق لتلك الحكايات؟ وماذا عن دور الفلسفة التى تهتم كثيرًا بدراسة الميتافيزيقا أو البحث فيما وراء الطبيعة؟
والسؤال الذى يطرح نفسه منذ قديم الزمان: ما الفرق بين التفكير البدائى والعقلى والدينى والفلسفى، وهى ماهية التفكير الإنسانى على العموم؟
يميل الإنسان بطبيعته إلى تصديق الروايات الخرافية أو الروحانية أو الخيالية المشوقة التى تحمل أبعادًا غرائبية، بعيدًا عن قصص الحقيقة البحتة.
السبب أنه يعيش منذ نعومة أظفاره الخيال لذلك نعشق قصص «ألف ليلة وليلة» بخرافاتها المشوقة والمثيرة.
ولكن، ماذا لو اصطدم الواقع الفعلى بالخيال؟ ماذا لو تقابلت الأسطورة فى مواجهة قوية مع الحقيقة يمثلها العلم؟
هنا سوف نكون أمام ظاهرة إنسانية تدخل فى صراع مع حقيقة مادية، فما هى النتيجة؟
فمنذ بدأت البعثات الأوروبية فك رموز الحضارة المصرية القديمة فى القرن التاسع عشر، لم تكن مصر مجرد موضوع أثرى، بل تحولت إلى مساحة يتداخل فيها التاريخ بالأسطورة، والعلم بالخيال، والمنهج العقلى بالإيمان الميتافيزيقى.

فالأهرامات، والمومياوات، والمقابر، وصوامع الغلال، وقصص الأنبياء، والنصوص الجنائزية، والمعابد العملاقة؛ لم تُنتج معرفة أثرية فقط، بل خلقت أيضًا هوسًا حضاريًا دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن مصر القديمة تخفى أسرارًا تتجاوز حدود الفهم الإنسانى.
العائدون للحياة
ضمن هذا السياق ظهرت قصص مثل قصة «أم سيتي» (دوروثى إيدي)؛ وهى سيدة إنجليزية ادعت أنها كانت كاهنة مصرية فى حياة سابقة، واستطاعت لاحقاً أن تكتسب شهرة واسعة بسبب معرفتها الدقيقة ببعض تفاصيل معبد أبيدوس بسوهاج.
من لندن إلى سوهاج، رحلة المليون ميل تبدأ بالموت والعودة إلى الحياة فى هذا المعبد الذى يقع فى مدينة البلينا بمحافظة سوهاج فى منتصف الوادى.
مثل هذه الحالات تثير سؤالًا فلسفيًا وعلميًا بالغ الأهمية: هل ينبغى قبول هذه القصص باعتبارها أدلة على ظواهر خارقة للطبيعة، أم أن المنهج العلمى يفرض علينا تفسيرها ضمن حدود العقل والتجربة الإنسانية؟ دعنا نتأمل تفاصيل الرواية.
ولفهم هذه الإشكالية، يجب أولًا التمييز بين «الدهشة» بوصفها بداية للمعرفة، وبين «الخرافة» بوصفها بديلاً عن المعرفة.
فالفيلسوف اليونانى أرسطو اعتبر أن الفلسفة تبدأ من الدهشة، أى من شعور الإنسان بالحيرة أمام الظواهر غير المألوفة، غير أن هذه الدهشة لا تتحول إلى معرفة حقيقية إلا عندما تخضع للفحص العقلى والتحليل المنهجى.
وهنا يظهر دور علم المصريات بوصفه علمًا قائمًا على الدليل، لا على الإيحاء.
فعالم الآثار لا يتعامل مع الحدس أو الروايات الشفوية بوصفها حقائق نهائية، بل يخضعها إلى منظومة دقيقة من الاختبارات: التحليل اللغوى للنصوص، التأريخ بالكربون المشع، دراسة الطبقات الأرضية، المقارنة التاريخية، وتحليل السياق الحضارى.
هذا المبدأ يتوافق مع ما طرحه فيلسوف العلم «كارل بوبر»، الذى رأى أن الفرق الأساسى بين العلم والخرافة يتمثل فى «القابلية للتكذيب».
فالنظرية العلمية الحقيقية هى التى يمكن اختبارها وإثبات خطئها إذا ظهر دليل معاكس.
أما الادعاءات الميتافيزيقية، مثل التقمص أو التدخلات الخارقة فى بناء الحضارات، فهى غالبًا غير قابلة للاختبار التجريبى، وبالتالى لا تنتمى إلى العلم بمعناه الدقيق.
من هنا يفسر العلماء قصص «تذكر الحيوات السابقة» باعتبارها ظواهر نفسية وعصبية أكثر من كونها أدلة روحية.
فعلم النفس الحديث يشير إلى ظاهرة «الذاكرة الخفية» حيث يخزن العقل معلومات تلقاها الإنسان فى طفولته أو عبر قراءاته، ثم يعيد إنتاجها لاحقًا بوصفها «ذكريات شخصية».
كما أن إصابات الدماغ أو الاضطرابات المرتبطة بالفص الصدغى قد تولد شعورًا قويًا بالانفصال عن الزمن أو الإحساس بحياة أخرى.
فى حالة دوروثى إيدى، لا ينكر علماء المصريات -ومنهم الدكتور سليم حسن عالم المصريات الشهير الذى تتلمذ على يد الدكتور جيمس هنرى برستيد- أنها امتلكت معرفة حقيقية ومهارة استثنائية فى فهم النصوص المصرية القديمة، لكنهم يفسرون ذلك بوصفه نتيجة سنوات طويلة من الدراسة والانغماس الثقافى، لا دليلًا على انتقال روح كاهنة فرعونية إلى جسد امرأة إنجليزية. فالعلم يقبل الوقائع القابلة للتحقق.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن العقل البشرى يميل بطبيعته إلى تصديق الروايات الغامضة أكثر من التفسيرات العلمية الباردة؛ ويرجع ذلك إلى أسباب نفسية وثقافية متعددة.
لكن المفارقة الكبرى تكمن فى أن هذه الخرافات، رغم بعدها عن المنهج العلمى، لعبت دورًا مهمًا فى جذب اهتمام العالم بالحضارة المصرية.
فالكثير من الناس دخلوا إلى عالم الآثار عبر بوابة الأسطورة: لعنة الفراعنة، المومياوات، الأسرار المخفية، والطقوس الغامضة.
وهنا يبرز سؤال معقد: هل يجب على العلم القضاء الكامل على هذه الخرافات، أم توظيفها كمدخل شعبى نحو المعرفة؟
الإجابة الأكثر توازناً تكمن فى الفصل بين «الخيال الملهم» و«الادعاء المعرفى»؛ فالخيال والأسطورة يمكن أن يكونا نقطة انطلاق للفضول، لكن لا ينبغى أن يتحولا إلى بديل عن البحث العلمى.

الحضارة المصرية القديمة لم تكن معجزة خارقة للطبيعة، بل إنجازًا بشريًا هائلًا تحقق عبر تراكم المعرفة والتنظيم الاجتماعى والعمل طويل المدى.
وتكمن عظمة المصرى القديم ليس فى امتلاكه قوى سحرية، بل فى قدرته الإنسانية على تحويل الحجر إلى معنى، والعمارة إلى خلود رمزى.
فالعلم لا ينتقص من سحر مصر القديمة، بل يعيد هذا السحر إلى أصحابه الحقيقيين: البشر الذين عاشوا، وفكروا، وبنوا، وحلموا بالخلود قبل آلاف السنين.
قصة دوروثى إيدى، المعروفة بـ «أم سيتي»، من أكثر القصص إثارة للحيرة فى تاريخ علم المصريات الحديث؛ تناولتها وسائل الإعلام والصحافة وكُتبت عنها الكتب.
فهى لم تكن مجرد سيدة ادعت «تناسخ الأرواح»، بل كانت باحثة أثرية فذة قدمت للمجتمع العلمى اكتشافات ملموسة عجز المنطق التقليدى عن تفسير مصدرها.
فهل قصتها هذه -لو أطلقنا العنان للتأمل الفلسفى الميتافيزيقي- تجعل «أم سيتي» شريكة المصريين القدماء فى رحلتهم من الحياة إلى الموت والعكس؟
إن حادث سقوط فى لندن عام 1904 أدى لإعلان وفاة الطفلة «دوروثى» قبل أن تعود للحياة فجأة.
منذ تلك اللحظة، تبدلت شخصيتها تمامًا؛ بدأت تطلب العودة إلى «بيتها الأول» فى مصر. وعندما زارت المتحف البريطانى، تعرفت على صور معبد الملك سيتى الأول فى «أبيدوس» وأكدت أنها كانت تعيش هناك ككاهنة تدعى «بنترشيت».
لم تكتفِ دوروثى بالادعاء، بل انتقلت للعيش فى مصر، وأذهلت علماء الآثار بقدرتها على تحديد أماكن ممرات مخفية وحدائق للمعبد كانت لا تزال مدفونة تحت الرمال، مؤكدة أنها تستدعى هذه المعلومات من «ذاكرتها القديمة».
وهذا ما حدث بصورة مشابهة مع «فاطمة» البرتغالية.
لا تقف «أم سيتي» وحيدة فى التاريخ، بل لها «توائم» فى حضارات مختلفة تشترك جميعها فى عنصر «المعلومات المستحيلة». تعتبر حكاية «فاطمة» البرتغالية (1917) من أكثر الظواهر المشابهة توثيقاً فى القرن العشرين، وتتشابه مع حالة «أم سيتي» فى انبثاق وعى خارق لدى أطفال فى سن مبكرة.
بدأت القصة بظهورات متكررة للسيدة العذراء لثلاثة أطفال رُعاة (لوسيا، وفرانسيسكو، وجاسينتا)، حاملة معها ثلاثة أسرار هزت الفاتيكان والعالم؛ شملت رؤى تراجيدية للجحيم، وتنبؤات دقيقة بنهاية الحرب العالمية الأولى وقيام الثانية، وصولاً إلى مشهد محاولة اغتيال البابا.
وفيما قدمت «أم سيتى» تفاصيل أثرية مدفونة، قدم الأطفال الثلاثة «تفاصيل تاريخية مستقبلية» ثبتت صحتها لاحقاً.
اسمها شانتى: ادعت طفلة هندية عام 1926 أنها كانت زوجة فى مدينة «ماتورا». وقدمت تفاصيل اجتماعية دقيقة، بل وأرشدت لجنة تحقيق رسمية إلى مكان مخبأ سرى للمال فى منزل زوجها السابق، وهو مكان لم يكن أحد يعرفه سواها قبل وفاتها المفترضة.
وجيمس ليونينجر: طفل أمريكى عانى من كوابيس حول سقوط طائرة مشتعلة فى الحرب العالمية الثانية. واستطاع ذكر اسم حاملة الطائرات «ناتوما» واسم طيار قُتل بالفعل فى تلك المعركة، بل وتعرف على رفاق الطيار القدامى ووصف تفاصيل فنية عن الطائرة لا يمكن لطفل فى عمره الإلمام بها.
وفى لبنان أيضًا عماد علوان: فى سن الثالثة استطاع التعرف على أفراد عائلته السابقة فى قرية مجاورة، ووصف بدقة حادث السير الذى أدى لوفاته، وتعرف على ممتلكاته الخاصة التى كانت مخبأة منذ سنوات.
يحاول العلم تفسير هذا «النمط الكونى» المتكرر عبر عدة فرضيات بعيدًا عن المعتقدات الدينية من خلال متلازمة الذاكرة الخفية، حيث يمتص العقل معلومات من كتب أو حوارات عابرة فى الطفولة، ثم يعيد صياغتها بعد سنوات كأنها «ذكريات شخصية».
سواء كانت قصة «أم سيتى» ومثيلاتها فى الهند أو الشام أو «فاطمة» فى البرتغال نتاجًا لروح عائدة أو عقلًا عبقريًا استثنائيًا، فإنها تظل جسرًا يربط بين العلم المادى والأسرار التى لم يفك العلم شفرتها بعد.