تعلم البنشاك سيلات.. وادرس دارماسيسوا.. وابتعد عن قبيلة دانى
كيف تغيِّر الـ«باهاسا» حياتك؟!
زينب كمال
ينبض المركز الثقافى الإندونيسى «بوسكين» بالطاقة والحيوية فى قلب حى الدقى وتحديدًا فى شارع مصدق الشهير، ليكون بمثابة الجسر السحرى الذى ينقل الشباب المصرى إلى عوالم الأرخبيل البعيد دون الحاجة لجواز سفر، والأرخبيل هو مصطلح جغرافى يُطلق على مجموعة متقاربة من الجزر فى مساحة مائية واحدة، ويشرف على هذا الصرح الثقافى نخبة من الدبلوماسيين والأكاديميين الإندونيسيين الذين يدركون جيدا قيمة التبادل الإنسانى العميق.
يوفر المركز تجربة مثيرة لتعلم فنون «البنشاك سيلات» القتالية التى تجمع بين القوة البدنية والانضباط الروحى العالى، وتجذب هذه الرياضة العديد من الشباب والفتيات المصريين الذين يجدون فيها وسيلة فعالة للدفاع عن النفس، حيث تتحول قاعات التدريب إلى خلية نحل لا تهدأ من الحركة والإبداع الفنى المستمر طوال العام.

وتضم أروقة المركز مكتبة عامة غنية بالكنوز المعرفية والمراجع النادرة التى تشرح تاريخ الدولة وجغرافيتها المعقدة بأسلوب مبسط، ويتم تقديم كافة هذه الخدمات الاستشارية والتعليمية بشكل مجانى تمامًا كجزء من استراتيجية الدبلوماسية الناعمة التى تنتهجها جاكرتا لتعزيز حضورها فى قلب الوجدان المصرى.
يمتد نشاط المركز التعليمى من خلال التعاون المستمر والمثمر مع مكتبات مصر العامة والجامعات المصرية الكبرى، حيث يتم تنظيم «أيام الصداقة» التى تشمل معارض للحرف اليدوية المتقنة والأزياء التقليدية الملونة وعروضًا سينمائية تحكى قصص الكفاح البطولى من أجل الاستقلال، وبأسلوب تفاعلى ممتع يحطم قيود المسافات والحدود لتحفز المبدعين على إظهار مواهبهم والتعرف على الواقع الإندونيسى عن قرب وبشكل مباشر.
شفرة اللغة
تعتبر اللغة الإندونيسية «باهاسا إندونيسيا» من أسهل اللغات الآسيوية التى يمكن للشباب المصرى إتقانها بسرعة نظرًا لاستخدامها الحروف اللاتينية (نفس الحروف الإنجليزية - 26 حرفًا من A إلى Z) وبساطة قواعدها، ويوفر المركز الثقافى سبعة مستويات تعليمية متدرجة، ويشرف على التدريس نخبة من الأساتذة الإندونيسيين الذين يستخدمون أحدث التقنيات السمعية والبصرية لضمان جودة التعليم وسرعة الاستيعاب، حيث يبدأ الطالب رحلته من البداية حتى يصل لمرحلة الإتقان التام والكتابة الأكاديمية والتحدث بطلاقة.
يعتمد المنهج التعليمى المبتكر فى المركز على دمج اللغة بالثقافة الحية، ويلاحظ الطلاب وجود تشابه فى بعض المفردات مع اللغة العربية نتيجة التأثر التاريخى بالثقافة الإسلامية وهو ما يسهل من عملية حفظ الكلمات وفهم المعانى المرتبطة بين الحضارتين، كما تتوفر هذه الدورات بنظام الحضور المباشر أو عبر منصات التعليم الرقمى لتصل لكل الراغبين.
يحصل الطالب عند اجتياز كل مستوى تعليمى على شهادة معتمدة من السفارة الإندونيسية، حيث يتزايد الطلب على الكوادر المصرية التى تتقن هذه اللغة لتسهيل التواصل بين الشركات والمؤسسات، ويقدم المركز أيضًا دورات متخصصة فى لغة الأعمال لتأهيل الشباب لسوق العمل الدولية بمهارات نادرة ومطلوبة بشدة فى ظل نمو التبادل التجاري.
كما يتم تنظيم مسابقات دورية حماسية فى الخطابة وإلقاء الشعر باللغة الإندونيسية لتشجيع الطلاب من الحكومة الإندونيسية التى تؤمن بأن اللغة هى الجسر الأقوى لبناء الصداقات الدولية المتينة، التى تخدم مصالح البلدين وتدعم الاستقرار والازدهار فى المنطقة.

كنوز مدفونة
تفتح المنح الدراسية الإندونيسية آفاقًا رحبة للسفر المجانى للشباب المصرى الراغب فى الدراسة فى أرقى الجامعات الإندونيسية بتمويل حكومى شامل، حيث تقدم برامج متنوعة تشمل منحة «دارماسيسوا» المخصصة لدراسة اللغة والفنون ومنحة «KNB» للدرجات العلمية الرفيعة، وتعد هذه المنح الدراسية بمثابة رحلة ثقافية شاملة تتيح للطالب العيش فى قلب المجتمع الإندونيسى لمدة عام كامل، وتغطى تكاليف الدراسة بالكامل وتوفر راتبًا شهريًا يساعد الطالب على تغطية نفقات المعيشة والتنقل بين الجزر الساحرة دون تحمل أى أعباء مادية خلال فترة إقامته.
وتستهدف منحة «KNB» قادة المستقبل الباحثين عن التميز فى مجالات الهندسة والعلوم والطب والعلوم الإنسانية والاجتماعية فى أكثر من 30 جامعة مرموقة، وتتضمن شروط القبول تقديم ملف وثائقى دقيق يشمل السيرة الذاتية وخطابات التوصية والشهادات الدراسية الموثقة، ويعد الحصول على خطاب توصية من السفارة الإندونيسية بالقاهرة شرطًا جوهريًا للقبول لضمان أهلية المتقدمين.
تظل هذه المنح بمثابة كنوز مدفونة تنتظر الشباب الطموح الذى يسعى لتغيير مسار حياته والتحليق بعيدًا نحو مستقبل مشرق فى شرق آسيا، وهى تعبير صادق عن رغبة إندونيسيا فى تقاسم نهضتها التعليمية مع أصدقائها فى مصر، حيث يعود الخريجون المصريون محملين بخبرات علمية وعملية تساهم فى دعم خطط التنمية الوطنية وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادى والعلمى المشترك بأفضل الكوادر الشبابية القادرة على القيادة والتغيير فى مجتمعاتهم المحلية والدولية بكل فخر واعتزاز ومسؤولية.
تحالف الأرواح
يبرز تجمع «محبى الثقافات فى كل مكان» المعروف اختصارًا باسم «سى إل إي» (Culture Lovers Everywhere - CLE) كقوة شبابية مصرية غير ربحية تدعم التعرف على الآخر، وتأسست هذه الرابطة على يد رائدة الأعمال ناريمان طلال، الشهيرة بتصاميم «الهانبوك» الكورى وصاحبة براند «هانبوك نارى» المتميز، حيث نجحت فى خلق منصة فريدة تهدف لتقريب الشباب المصرى من الثقافات المختلفة بأسلوب فنى وإنسانى بعيد عن التعقيدات البيروقراطية، ويمثل التعاون مع المركز الثقافى الإندونيسى أحد أهم إنجازات هذا التجمع، حيث سافرت المؤسسة ناريمان طلال فى منحة سريعة لاستكشاف إندونيسيا ونقل التجربة لشباب الرابطة.
التقت «صباح الخير» بزياد فودة، الطالب بالسنة الرابعة بكلية التجارة قسم إدارة الأعمال بجامعة القاهرة، وهو صانع محتوى بارز وعضو نشط بتجمع «سى إل إي»، حيث حكى زياد عن بدايته مع المركز الثقافى الإندونيسى، واصفًا زياد انطباعه الصادم والمريح فى آن واحد عند دخوله المركز لأول مرة حيث لفت انتباهه تقليد خلع الأحذية الذى يذكره بدفء البيوت المصرية، كما جذبه وجود المسجد والهدوء الذى يلف المكان.
وعن رحلته لمنطقة مالانج أوضح أنه مر بمراحل تصفية دقيقة شملت مقابلات عبر الواتساب وأسئلة حول خطته لاكتشاف الثقافة وقدرته على تحمل المسئولية البحثية، ووصل لجاكرتا العاصمة ثم انتقل لمالانج ليعيش تجربة الحياة البدائية وسط الزرع ضمن برنامج تنمية مستدامة يعتمد فيه الطالب على نفسه تمامًا فى كل التفاصيل، وقد استقبله فريق الجامعة المستضيفة بحفاوة ومأكولات لذيذة من طباخين متخصصين، ما جعله يشعر بالفخر لتمثيل مصر فى هذا المحفل الدولى الضخم، وأكسبه ثقة كبيرة بالنفس وقدرة على مواجهة التحديات.
شارك زياد فى أنشطة تعليمية مكثفة، حيث قام بتدريس مبادئ الثقافة المصرية لأطفال فى الحضانات والمدارس الابتدائية بأسلوب ترفيهى ممتع ومبتكر نال إعجاب الجميع، واستخدم فى شرحه «السناكس المصرية والعملات التذكارية وفوانيس رمضان» لجعل الدروس شيقة للأطفال الإندونيسيين الذين ارتبطوا بما يقدمه، ونال بحثه حول حلول مشاكل البيئة فى منطقة مالانج إعجاب إدارة الجامعة والأساتذة المشرفين، ما أكد جودة التكوين العلمى للشباب المصرى وقدرته على الإبداع والابتكار.

يخطط زياد حاليًا لاستغلال حساباته على منصات التواصل الاجتماعى للدمج بين الثقافتين المصرية والإندونيسية عبر تحديات اللغات وتجارب الأكلات التقليدية وتصوير مقاطع فيديو مميزة، ويحلم بالعودة لمدينة مالانج مرة أخرى للقاء أصدقائه وتكرار ذكرياته فى ذلك البيت الهادئ وبين تلك الحقول الساحرة.
فردوس محرم
تضم إندونيسيا أكثر من 17,000 جزيرة تمتد على مساحة شاسعة من المحيط الهادئ بجمال طبيعى فريد، وتعد وجهة سياحية ساحرة تجمع بين الشواطئ الفيروزية والغابات الاستوائية الكثيفة والبراكين النشطة التى تستهوى الشباب وعشاق المغامرة من كل مكان، كما أنها رابع أكبر تجمع سكانى فى العالم بتنوع عرقى كبير يتحدث مئات اللغات واللهجات المحلية بانسجام، تحت راية وطنية واحدة.
وتعتبر جزيرة بالى «جوهرة إندونيسيا» الوجهة الأشهر عالميًا بفضل معابدها الأثرية ومدرجات الأرز الخضراء وشواطئها المثالية لرياضة ركوب الأمواج العالمية والاستجمام، وتوفر بالى مزيجًا من الاسترخاء والمناظر الطبيعية التى تجذب ملايين الزوار سنويًا من كافة أنحاء العالم لقضاء عطلات لا تنسى أبدًا، وتجمع العاصمة جاكرتا بين التاريخ العريق والحداثة المعاصرة، وتعتبرمركزًا ثقافيًا واقتصاديًا ووطنيًا نابضًا بالحياة يوفر فرصًا لا حصر لها للاستكشاف والتعلم.
ويضم الأرخبيل عادات وتقاليد غريبة وصادمة قد تثير دهشة الزوار مثل طقوس الحداد فى قبيلة «دانى» التى تجبر النساء على قطع أصابعهن حزنًا، كما تشتهر بعض المناطق بمهرجانات غريبة يحمل فيها الموتى ويتم تبادل الطعام والهدايا معهم فى أجواء تعكس فلسفة خاصة حول الموت، ويلاحظ الزائر مدى هدوء الشعب الإندونيسى حتى فى أكثر المواقف صعوبة.
بينما المطبخ الإندونيسى رحلة غنية بالنكهات والتوابل الشرقية الحارة، حيث يشتهر بأطباق «ناسى جورينج» و«ساتاى» ولحم الثعابين والسحالى المشوية التى تعبر عن ثقافة الطعام التقليدية، كما تتواجد الأطعمة المعروفة بـ«الحلال» ما يوفر تنوعًا غذائيًا للسياح والزائرين.