السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

محرر صباح الخير فى اختبار التمثيل بدعم صلاح جاهين

الإسكندرية.. وتوفيق الحكيم وفريدة سيف النصر!

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

لم أكن أصدق نفسى لحظتها..

فكل ما حدث - وقتها - حدث دون أن أكون متأكدا من نتائجه.

والحكاية هى أننى فى إحدى سنوات أوائل السبعينيات، كنت أمضى موسم الصيف فى مدينتى الإسكندرية، وأوافى المجلة أسبوعيا بمواد صحفية متنوعة من هناك.

وهو ترتيب وافقنى عليه رئيس التحرير وقمت به لعدة سنوات، فالإسكندرية فى الصيف تستقطب كل الناس تقريبا.. حتى الحكومة تنتقل إليها كل صيف.. وكذلك الفرق المسرحية وغيرها.

وهناك أيضا يلتقى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ بمريديهما وأصدقائهما فى محل مقهى وحلوانى «بترو» فى ركن خصصه صاحب المحل لكاتبينا الكبيرين وقرّر أن يقدّم لهما كل ما يطلبانه من مشروبات مجانا كنوع من التكريم.

وهما يلتقيان كل يوم الأصحاب والمريدين وهواة الأدب، وفى نهاية كل أسبوع يحضر من القاهرة بعض الكتاب ندوة «بترو» ومنهم عبدالرحمن الشرقاوى رئيس مؤسسة «روزاليوسف» وحسن فؤاد رئيس تحرير «صباح الخير» ورؤوف توفيق.. مدير التحرير.. وآخرون.

 

 

 

حكايات جديدة

وفى كل صيف كانت هناك حكايات جديدة.. 

فى صيف 1972 قمت بمغامرة صحفية، واسمحوا لى أن أتحدث عن مغامراتى الصغيرة بعد حكاياتى السابقة عن أخطر المغامرات الصحفية.. وأغربها بما فيها المغامرات المزيفة..

فى حياتى الصحفية التى امتدت لاثنتين وستين سنة حتى الآن.. شاءت الظروف أن يتيسر لى القيام بأكثر من مغامرة.. هى أربع مغامرات وقعت اثنتان منهما فى صيف الاسكندرية.. وجرت وقائع الثالثة والرابعة فى قلب القاهرة.

قبل قدومى إلى المصيف كنت قد شاركت بعض الزملاء الصحفيين فى المغامرة الأولى وهى إصدار عريضة تطالب الرئيس الجديد أنور السادات، بأن ينهى حال الـ«لا حرب ولا سلم» التى عاشتها مصر وقتها ويبدأ عملية تحرير سيناء وإزالة آثار هزيمة يونيو.. 

وتم تجميع أكبر عدد من التوقيعات (زاد عن المئة) بعد أن تحمّس توفيق الحكيم للفكرة وقرّر أن يتولى بنفسه كتابة ديباجة العريضة.

وتحمّس أحمد عبدالمعطى حجازى لتوصيلها إلى الرئاسة.. ولم نتمكن من الحصول على توقيع أحمد بهاء الدين فقد كان فى حالة مرض شديد.. بينما تحمّس يوسف إدريس للتوقيع وساعدنا فى جمع التوقيعات.

ووصلت العريضة ليد الرئيس، فماذا فعل؟

قرر منع نشر أى شيء عنها فى الصحف كما قرر منع نشر أسماء الموقعين عليها فى الصحف حتى فى صفحة الوفيات.

هكذا جاءتنا فى «صباح الخير» تعليمات الرقابة دون ذكر السبب ودون الإشارة إلى العريضة.

ليس هذا فقط بل أمر السادات بفصل أحمد عبدالمعطى حجازى ويوسف إدريس من عملهما ككتاب فى «الأهرام».

وقتها كنت أتأهب للسفر لتمضية الصيف فى الإسكندرية.. وهناك التقيت الحكيم ومحفوظ وبروح المغامرة أعلنتهما أننى سوف أجرى تحقيقا خفيفا صحفيا مصورا عن ندوتهما كنوع من التحدى لتعليمات منع نشر اسميهما.

 

 

 

ومع أن «صباح الخير» تعتمد على الرسوم وقتها ولا تنشر صورا فوتوغرافية، إلا أننى اتفقت مع أهم مصور صحفى فى الإسكندرية «أنور سعيد» نقيب صحفيى المحافظة الذى رحب بالفكرة مؤيدا قولي:

إنهما من أهرام مصر، فكيف نلغى الأهرام؟!

سألنى توفيق الحكيم: وهل يمكن نشر هذا الموضوع؟

قلت: هذا ما سأحاوله.

تعليمات يجب أن نكسرها

خلال التصوير حضر للندوة من القاهرة عبدالرحمن الشرقاوى فسألنى وقد لاحظ إدارتى للمصور وتحريكى لكاتبنا الكبير الحكيم وتصويره مع الكاتب الكبير نجيب محفوظ ومريديهما: ماذا تفعل؟

فأوضحت له عملى، فعاد يقول لي: 

ألا تعلم بتعليمات الرقابة بمنع نشر أى شيء عن موقعى العريضة؟

قلت: هذه التعليمات يجب أن نتجاهلها.. نكسرها!

أطلق ضحكة قوية وهو يردد: 

إنك تذكرنى بشبابى.

وعندما انتهيت من التصوير، أبلغت كاتبينا بأننى أتممت مهمتى، فسألنى الحكيم ساخرا: 

ما شفناش غير تصوير.. ولا شفناك بتكتب كلمة واحدة!

قلت: سأكتب الموضوع وأعرضه عليكما صباحا.

عندما عدت فى الصباح اندهش توفيق الحكيم بعد قراءة ما كتبت، وهتف:

يا بنى دانت عقلك كومبيوتر!

فطلبت منه ومن محفوظ التوقيع على الموضوع.

فسألنى متوجسا: فكرك الكلام ده حيتنشر؟

قلت: أنا راجع القاهرة مخصوص لمتابعة نشره.

فى القاهرة كانت لى قصة مع الرقيب المكلف بـ«صباح الخير» وهو صديقى وأعرف حكايته مع أنى للأسف نسيت اسمه، فهو مثقف مستنير وجد نفسه يعمل فى هيئة الاستعلامات وعندما كلّف بالعمل كرقيب اختار مجلتنا.

وعندما حدثته عن الموضوع ونحن جالسان فى مقهى «ريش» وافقنى على أن هذه تعليمات حمقاء فكيف نلغى أهرام مصر؟! 

اتفقنا أنه سيحاول تمرير الموضوع، على الرغم من أنه سيتعرّض للعقاب.

سألته عن نوع العقاب الذى يتوقعه.

فقال إن أقصى ما يمكن أن يحدث له هو خصم نصف مرتبه، فلن يتم فصله لأنه يقترب من سن المعاش.

اتفقت معه أن أتحدّث إلى رئيس التحرير لنطلب منك تقديم مواد مترجمة من المجلات الفرنسية التى تطالعها وتحصل مقابل ذلك على ما هو أكثر من مرتبك الشهرى.

 

 

 

فتحمس للفكرة بشدة، لكنه عاد يقول لي:

طبعا ضرورى أشطب فقرات وفقرات حتى يبان أننى قمت بعملى كرقيب.

قلت: بسيطة سأكتب كلاما كثيرا ضعف مساحة الموضوع، وأترك لك حذف ما تريد بحيث يبقى الموضوع كما هو!

وهكذا تم نشر الموضوع بالصور والأسماء وعندما عدت للإسكندرية ومعى نسخ من المجلة أهديتها لكاتبينا الكبيرين وجدت توفيق الحكيم يصف الموضوع بأنه «عودة الروح». 

ومن بعدها انتشر اسميهما فى كل الصحف!

مغامرات أخرى

هكذا كانت مغامرتى الأولى: المشاركة فى العريضة، والثانية كسر تعليمات الرقابة.. أما المغامرتان الأخريان فإحداهما وقعت فى الإسكندرية أيضًا.

وخلال تغطياتى الصحفية لما يدور فى صيف المدينة الساحرة، علمت أن هناك مسابقة لاختيار وجوه سينمائية جديدة تنظمها مجلة «السينما والناس» فذهبت لكتابة تحقيق صحفى عن خفايا مثل هذه المسابقات التى تساورنى دائما الشكوك حولها لاعتقادى أنها عمليات تكون مدبرة من قبل.. وما نراه فى المسابقة هو «مسرحية» أو قل «سيناريو سينمائي» مكتوب مسبقا.

المهم أننى ذهبت إلى الفندق الفاخر الذى تقام فيه المسابقة، والتقيت بعض المتقدمين والمتقدمات المتطلعين للنجومية السينمائية.

بلغ مجموع الحالمين بالنجومية أكثر من عشرين فتى وفتاة.

وعلمت بوجود واحد أو أكثر من كبار منتجى الأفلام.. ما أشعرنى بأن المسألة جادة وليست كما كنت أظن، لكن رغبتى فى استكشاف أسرار هذه اللعبة دفعتنى لمغامرة لم يسبق لى التفكير فيها: لماذا لا أشترك بنفسى فى المسابقة حتى أعرف بعض خباياها؟

 

 

 

على طاولة التحكيم فوجئت بصلاح جاهين رئيسا للجنة ومعه عضوان هما الفنانة مديحة كامل والدكتور عبدالمنعم سعد، الناقد السينمائى صاحب مجلة «السينما والناس» منظم المسابقة.

توالى ظهور المتقدمين للمسابقة أمام اللجنة التى كانت تستمع إلى إجاباتهم عن أسئلتها وتشاهد ما يقدمونه من مشاهد تمثيلية.. ولو كنت فى اللجنة لما اخترت منهم أحدًا!

وعندما تقدمت وجدت صلاح جاهين الذى كان رئيسا لتحرير «صباح الخير» قبل سنوات، ولمدة سنة واحدة، يوجه لى ابتسامة مشجعة، وهو ما ظهر على وجه الفنانة مديحة كامل التى لم يسبق لى أن التقيت بها.. والتى أحمل لها تقديرا خاصا.

ولفت انتباهى أن الدكتور سعد، تذكرنى، فقد كان لنا سابق لقاء كصحفيين.

شجعنى هذا الترحيب على الانطلاق فى الحديث وأيضا فى تقديم مشهد تمثيلى، أثار الإعجاب، فاندهشت لذلك.

 

 

 

المهم.. مر بعدى بقية المتسابقين وأمضينا بعض الوقت فى تناول بعض المشروبات والرقص والدردشة مع المتسابقات والمتسابقين إلى أن عادت اللجنة للمنصة لتعلن النتيجة:

لم ينجح سوى منير مطاوع وفريدة سيف النصر!

استولت على تفكيرى مشاعر متضاربة: هل أهجر الصحافة التى أحبها منذ صغرى، وأستمتع بالنجومية على الشاشة الفضية؟

تركت نفسى لفترة أقلّب فيها الأمور.. ورسى قرارى على أننى أحب الصحافة والكتابة ولا أحب أن أكون غير ذلك.. وأن التمثيل بالنسبة لى سيفقدنى كيانى، ويضطرنى لأن أتقمّص شخصيات أخرى وهو ما لا أطيقه.

بعد ذلك بسنوات تصادف أن التقيت راعى الفنانين صلاح جاهين الذى حاول أن يقنعنى بدخول عالم الفن، دون جدوى.. 

ولا أريد أن أنسى أن فريدة سيف النصر التى فازت معى فى المسابقة تعاقد معها المنتج تاكفور فور فوزها، وقامت بدور ثانوى فى فيلم من إنتاجه.. وواصلت حياتها الفنية. 

وفى الأسبوع المقبل نواصل