د.سمية عسلة
مرحلة جديدة من «الحروب النفسية»!
قصة «راعى الغنم» الذى كشف القاعدة السرية فى العراق!
يمر المشهد العسكرى والاستخباراتى فى المنطقة بتحولات جذرية تعيد صياغة مفاهيم الردع والتفوق التكنولوجى. مع بداية عصر «رقمنة الحرب» فى جنوب لبنان عبر مسيرات «FPV» الموجهة بالألياف الضوئية والتى نجحت نسبيا فى بعض عمليات تحييد المنظومات الدفاعية الإسرائيلية بأقل تكلفة مادية وأعلى دقة عملياتية ونفسية. ومن ناحية أخرى إزاحة الستار عن «حروب الظل» والخداع الاستراتيجى، حيث تم الكشف عن فضيحة وجود قاعدة لوجستية إسرائيلية سرية فى بادية النجف بالعراق، استُخدمت لتنفيذ عمليات «العلم المزيف» بضرب مناطق بدول الخليج، وتوجيه الاتهامات الإقليمية المتبادلة، ما يبرز الأنماط المعقدة للمواجهات الحديثة فى المنطقة.
وشهدت الجبهة فى جنوب لبنان تحولًا لافتًا فى التكتيكات العسكرية، حيث انتقلت المواجهة من الأنماط التقليدية لحروب العصابات والكمائن الصاروخية (مثل صواريخ «الكورنيت» الموجهة التى صنعت فارقًا فى حرب الجنوب 2006) إلى مرحلة «رقمنة الحرب» وعصر المسيرات الانتحارية منخفضة التكلفة وعالية الدقة، وتحديدًا مسيرات FPV (First Person View) الموجهة بالألياف الضوئية، ليعاد النظر فى مفاهيم «الردع» و«السيطرة على الأرض» التى قامت عليها العقيدة العسكرية الإسرائيلية منذ عقود.

حرب المسيرات
تعتمد مسيرات الـ FPV الانتحارية الحديثة على آلية توجيه عبر سلك رفيع جدًا من الألياف الضوئية (Fiber-Optic Cables) يمتد خلف الطائرة أثناء تحليقها، وهى تقنية أحدثت صدمة فى أوساط الدفاع العسكرى، حيث تتجاوز أنظمة التشويش الإسرائيلية المتطورة ومعدات قطع إشارات الـ GPS والـ Wi-Fi، حيث يرى المشغل عبر نظارات الرؤية الافتراضية مسار الطائرة كأنه داخلها، ما يسمح له باختيار نقاط الضعف الدقيقة فى الآليات.
وذكرت صحيفة «The Washington Post» الأمريكية فى تقارير حول تطور حروب المسيرات، أن تكنولوجيا الألياف الضوئية التى تم نقلها واقتباسها من ساحات المعارك فى أوكرانيا وروسيا، نقلت سلاح الجو المسير الصغير إلى مرحلة «الفتاكة المطلقة»، حيث ألغت كفاءة أنظمة الدفاع الجوى القائمة على الرصد الترددى والتشويش اللاسلكي.
وطوال العقود الماضية، اعتمدت العقيدة العسكرية الإسرائيلية على مبدأ (التفوق التكنولوجى النوعي) لحماية العنصر البشري؛ عبر الاستثمار فى دبابات «الميركافا» المحصنة، ومنظومات مثل «التروفى» لحماية المدرعات. لكن المعادلة الحالية تفرض واقعًا مغايرًا، فمن حيث التكلفة، فإن مسيرة FPV لا تتعدى تكلفتها 500 إلى 1000 دولار، (حيث تتكون من هيكل تجارى، كاميرا، بطارية، وشحنة متفجرة بوزن كيلوجرامات محدودة)، والهدف أن تستطيع هذه الأداة البسيطة إعطاب أو تدمير دبابة ميركافا تُقدر قيمتها بـ 4 إلى 6 ملايين دولار، أو استهداف تجمعات لجنود النخبة.
هذا الفارق الشاسع فى الكلفة والإنتاج الكمى يتيح استنزافًا اقتصاديًا وبشريًا هائلًا ومستدامًا لجيش يعتمد فى قوامه الأساسى على قوات الاحتياط.
الحرب النفسية
أحد أخطر أبعاد هذا السلاح هو البعد الإعلامى والنفسي. توثق الكاميرات المثبتة فى مقدمة المسيرات مسارها حتى جزء من الثانية قبل الانفجار، ما يؤدى إلى كسر الرقابة العسكرية على نشر مثل هذه العمليات إعلاميًا.
فى ظل حساسية مفرطة للخسائر البشرية يعانى منها المجتمع الإسرائيلى تاريخيًا، ما يحول كل مقطع فيديو إلى أداة ضغط سياسى داخلى قوية على الحكومة الإسرائيلية ومجلس الحرب.
أدت هذه الهجمات إلى اعتراف علنى بالمعضلة من قبل بعض القادة الإسرائيليين والصحف العبرية، فأشارت صحيفة (يديعوت أحرونوت) فى تحليل عسكرى لها إلى أن الجيش الإسرائيلى يجد نفسه مضطرًا للعودة إلى حلول بدائية جدًا لمواجهة هذه المسيرات، مثل تركيب «أقفاص حديدية» وسواتر شبكية فوق الدبابات والآليات المعروفة بـ «Cope Cages»، أو وضع جنود لمراقبة السماء بالعين المجردة ومحاولة إطلاق النار عليها بالأسلحة الخفيفة، كما اعترف مسئولون سابقون فى سلاح الجو الإسرائيلى لصحيفة (هآرتس) بأن «الدفاع الجوى الإسرائيلى صُمم لمواجهة الصواريخ والطائرات الكبيرة، ولكنه يواجه صعوبة بالغة فى رصد واعتراض أجسام صغيرة تطير على ارتفاعات منخفضة جدًا ومختبئة بين التضاريس الجبلية لجنوب لبنان».
القناة 12 الإسرائيلية أكدت أيضًا فى تقرير لها أن «سلاح المسيرات الانتحارية» يمثل التهديد الأكثر إزعاجًا واستعصاءً على الحل على الجبهة الشمالية، وأن قدرة هذه الطائرات على جمع المعلومات الانقضاضية حولت كل موقع ثابت للجيش لهدف مرئى ومستهدف».
قاعدة سرية!
يأتى ذلك بالتزامن مع فضيحة الكشف عن قاعدة عسكرية إسرائيلية فى العراق، والتصدى لها من قبل الجيش العراقى ومحاولة تدميرها، التى كشفتها صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية زاعمة وجود «قاعدة عسكرية لوجيستية سرية» أقامها جيش الاحتلال الإسرائيلى فى عمق الأراضى العراقية (وتحديدًا فى بادية النجف) أثناء ذروة المواجهات المباشرة بين إسرائيل وإيران.
هذه الحادثة لا تكشف فقط عن جرأة العمليات الإسرائيلية، بل تسلط الضوء على تكتيكات «العلم المزيف» التى تُستخدم لإشعال الفتن الإقليمية وتوجيه أصابع الاتهام لجهات بعينها.
وحسب الجريدة الأمريكية،بدأت الخيوط الأولى لانكشاف هذه المنشأة السرية بالصدفة البحتة، حيث لاحظ راعى غنم عراقى فى بادية النجف تحركات غير مألوفة ومروحيات عسكرية تحلق على ارتفاع منخفض فى منطقة صحراوية نائية تخلو تمامًا من أى قواعد عسكرية معلنة للجيش العراقى أو قوات التحالف. قام الراعى بإبلاغ الجهات الأمنية، وأرسل الجيش العراقى دورية استطلاعية مجهزة بآليات «هامفى» للتحقق من الموقع. وقبل وصول القوة العراقية إلى الإحداثيات المحددة بنحو 15 كيلومترًا، تعرض الرتل العسكرى لغارة جوية مجهولة ومباغتة، أسفرت عن استشهاد جندى عراقى وإصابة آخرين، ما أجبر القوة على التراجع مؤقتًا لغياب الغطاء الجوى.

وفقًا لما نقلته وول ستريت عن مسئولين عسكريين واستخباريين (أمريكيين وإسرائيليين)، فإن هذه النقطة لم تكن مجرد مخيم عابر، بل مركز دعم لوجيستى وعملياتى متقدم أقامته قوات خاصة إسرائيلية بعلم وتنسيق غير معلن مع بعض الدوائر الأمريكية فى المنطقة.
أبرز مهام القاعدة ومحتوياتها بحسب التقارير المنشورة هى إنفاذ قتالى متقدم (CSAR) محطة مجهزة بفرق كوماندوز ومروحيات لإجلاء الطيارين الإسرائيليين فى حال إسقاط مقاتلاتهم أثناء عبورها الأجواء العراقية لضرب العمق الإيرانى. وتعمل كمحطة حرب إلكترونية وتوجيه مجهزة بأنظمة اتصالات متطورة لربط الطائرات بدون طيار ومقاتلات الـ F-35 بمركز القيادة فى تل أبيب.
بعد الغارة التى استهدفت الجيش العراقى، أدرك الجانب الإسرائيلى أن أمر القاعدة قد كُشف، فتم تفعيل خطة إخلاء طارئة وسريعة جدًا. وعندما عادت القوات العراقية بتعزيزات كبرى، وجدت المكان مهجورًا تمامًا، ولم تترك القوة المغادرة سوى آثار إطارات وهبوط مروحيات تدل على حجم النشاط الذى كان قائمًا.
الشق الأخطر فى هذا الاختراق يتعلق بالهدف العملياتى من وجود القاعدة. يرى محللون سياسيون وعسكريون أن هذه القواعد السرية تُستخدم كمنصات لإطلاق طائرات مسيّرة انتحارية مصممة هندسيًا لتبدو متطابقة تمامًا مع مسيّرات «شاهد 136» الإيرانية الصنع.
وتشير التقارير العسكرية الأمريكية إلى أن البنتاجون والـ CIA نجحا فى وقت سابق فى استنساخ وهندسة عكسية لمسيرات إيرانية بدقة متناهية تحت اسم مشروع «لوكاس»، وتم استخدام هذه النسخ المطابقة من قواعد قريبة مثل صحراء العراق يتيح لإسرائيل ضرب أهداف مدنية أو حيوية فى دول عربية وإقليمية، ومن ثم توجيه أصابع الاتهام تلقائيًا إلى إيران أو الفصائل الموالية لها، مما يمنح شرعية دولية لضربها ويزرع الفتنة بين الدول العربية وجيرانها.