السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

دمـاء على «مذبح الريادة الشعرية»!

لماذا لا يعتبر صلاح عبدالصبور والسياب ونازك الملائكة روادًا للشعر الحديث؟!



 

عندما يأتى الحديث حول شعر الحداثة العربية، أو ما يسمى عند البعض بشعر التفعيلة، يصبح هذا الحديث - بالطبع- ذا شجون وشئون؛ لأن ثمة فرقًا ومذاهب شتى تختلف وتتصارع فيما بينها حول من هو صاحب الريادة بالنسبة إلى هذا القالب الشعرى الذى غزا بقعتنا العربية فى نهاية الأربعينيات، وثبت أقدامه مع منتصف الستينيات من القرن المنقضى.

ولكننا لا نجد هذا الصراع مقتصرًا على المتابعين لهذا اللون من جمهور ونقاد، بل إنه ينسحب على أصحابه من الشعراء أنفسهم، فنجد كل واحد منهم يتبارى ليثبت للجميع أنه صاحب الريادة، وأنه المكتشف الأول لهذا اللون أو القالب، وأنه أول من تعاطاه فى عالمنا العربي؛ لذا فلا بد أن يكون فى طليعة الأسماء عندما تتناوله الأطروحات التى يقدمها السادة الناقدون، أو تلك الأدبيات التى يكتبها الأدباء المتذوقون لهذا اللون الشعرى المغاير.

 

 

 

وعندما نعود إلى المتناحرين من المتلقين والنقاد والقراء والكتّاب نجد بعضهم ينسب الريادة إلى الشاعر العراقى الراحل بدر شاكر السياب، وبعضهم ينسبها إلى مواطنته الشاعرة الراحلة نازك الملائكة، بينما نجد البعض يقول بالريادة للعظيم الراحل صلاح عبدالصبور بوصفه أول من رسّخ وجود هذا الشعر وجعله أمرًا واقعًا ومفروضًا؛ لا سيما فى الأرض المصرية التى ينطلق من خلالها كل المبدعين فى عالمنا العربى.

لكنّ نفرًا آخر كان أكثر اطلاعًا وأكثر قراءة وأقل كتابة وأشد تمردًا، أرجع الريادة إلى الفلسطينى الأصل جبرا إبراهيم جبرا الذى جلب هذا اللون من أوروبا حينما كان يتعلم الأدب هناك، وهو التوجه نفسه الذى تبناه أنصار الناقد الكبير لويس عوض، حيث قدموا دليلاً دامغًا على أحقيته بالريادة المتمثلة فى ديوانه «بولوتولاند»، بينما نجد أصحابنا من أنصار الشعر التقليدى الرومانسى ينحازون كل الانحياز إلى كل من عبدالرحمن الشرقاوى ومحمود حسن إسماعيل وعلى محمود طه وفوزى العنتيل مستدلين فى ذلك بقصائد متفرقة لهم مكتوبة فى الثلاثينيات ومطالع الأربعينيات انطوت على ذلك الشكل التفعيلى وكانت إرهاصات أولية له.

لكنّ هناك نفرًا من القراء الجبارين - الذين لا يكتبون أبدًا- يرجعون الريادة إلى صادق الرافعى الذى كتب مقطوعات شعرية تعبر عن هذا المسلك، وبعضهم أرجعها إلى خليل شيبوب الذى نشر قصيدتين من هذا اللون فى مجلة أبوللو فى مطالع الثلاثينيات... ونفر آخر أقر بأسبقية كل من اللبنانى غنطوس الرامى الذى نشر أولى محاولاته التفعيلية من خلال ديوانه الوحيد «سمر» الصادر فى مطالع الأربعينيات، ثم جاء من سبق كل هؤلاء فقدم اسم السعودى الرائد محمد حسن عواد الذى نشر عدة قصائد تفعيلية بصحيفة «القبلة» فى العام 1921. 

ورغم احترامنا وتقديرنا الشديد لكل هؤلاء المتناحرين من النقاد والشعراء والمتلقين والقراء، فإننا نقول لهم: استرحوا جميعًا أيها الناس، فلا يوجد واحد ممن ذكرتم يعد صاحب ريادة بالنسبة إلى شعر الحداثة العربية، ولا يوجد من بينكم ولا من خلفكم مكتشف أول لهذا الشعر، وذلك يرجع لسبب بسيط وهو أنه شكل أوروبى بالدرجة الأولى أخذوه عن شعراء أوروبيين ظهروا قبلهم بعقود عدة.. تمامًا مثلما ظهر الذكاء الاصطناعى بأمريكا منذ خمسة وسبعين عامًا على يد جون ماكارثى.

 

 

 

تأثير إليوت

لو رجعنا إلى بعض الكتب التى تناولت تأثر شعر الحداثة العربية بشعراء أوروبيين فلسوف نحظى بمعلومات لها خطورتها ووجاهتها، هذه المعلومات سوف تضع النقاط فوق الحروف إزاء هذه القضية الشائكة، لنكتشف بما لا يدع مجالًا للشك أنه لا توجد ريادة لأحد بالنسبة إلى شعر الحداثة العربية كله.

من هذه الكتب الكثيرة نجد كتابًا مهمًّا صدر بالقاهرة عن دار آفاق للأستاذ الأكاديمى محمد شاهين والذى يحمل عنوان «إليوت وأثره فى الشعر العربى» وهو يقدم نموذجًا تطبيقيًّا بثلاثة من الشعراء العرب وهم: بدر شاكر السياب وصلاح عبدالصبور ومحمود درويش، حيث يؤكد أن إليوت عندما نشر ديوانه المرعب «الأرض الخراب» ألقى بظلاله على كل الشعراء العرب الذين يكتبون قصيدة التفعيلة الحداثية، وربما لم يفلت من تأثيراته شاعر واحد حتى من يكتبون قصيدة النثر كأدونيس وأنسى الحاج ومحمد الماغوط ووديع سعادة، حيث قدم كاتبنا نماذج تطبيقية من شعر السيّاب وبخاصة قصيدته «أنشودة المطر» التى تأثر فيها كثيرًا بإليوت، سواء من خلال قصيدة الأرض الخراب أو فى قصائد أخرى، بينما كانت قصيدة «لحن» لصلاح عبدالصبور هى النموذج التطبيقى الذى اختاره الناقد ليثبت علاقة التأثير والتأثر بين الشاعرين. 

أما محمود درويش فربما كانت قصيدة «جدارية» صورة طبق الأصل من قصيدة «أغنية حب لألفرد بروفروك»، وإن كنا نراها تتماس أحيانًا مع قصيدة إليوت البديعة «الرجال الجوف».

وفى الحقيقة فإن هذا الكتاب يستفزنا لما هو أشمل وأوسع من تلك النماذج التى يقدمها ناقدنا الأكاديمى، فشعرنا الحديث مأخوذ فى معظمه من عدة شعراء أوروبيين وليس إليوت وحده، فثمة شعراء عرب كثر نحلوا معظم شعراء أوروبا وغطسوا حتى آذانهم فى تراكيبهم وأفكارهم ومعانيهم، فشاعر شهير كنزار قبانى أخذ كثيرًا عن الشاعر الفرنسى جاك بريفير؛ لا سيما فى قصيدة قهوة الصباح، ومن الطريف أن يأخذ منه شاعر يكتب باللهجة العامية وهو عبدالرحمن الأبنودى وذلك من خلال قصيدته المشهورة «الخواجة لامبو».

ثم نجد بعد ذلك التأثيرات الواضحة للشاعر الإسبانى المغدور لوركا، وبخاصة عند أحمد عبدالمعطى حجازى ولا سيما فى قصيدته «مقتل صبى» الموجودة بديوانه الأول «مدينة بلا قلب»، فإننا نجد قصيدة للوركا تحمل الاسم نفسه، وتتناول حادثة مقتل صبى مجهول تحوم على جثته ذبابة زرقاء فى طرقات المدينة الواسعة التى يصفها حجازى بأنها «مدينة بلا قلب».

كما أننا نجد أصداء واسعة لشعر بايرون ورامبو وكيتس وعزرا باوند وبول فاليرى، حاضرة بقوة فى أشعار كل من أمل دنقل، ومحمد عفيفى مطر، فقد تأثر أمل وبشكل غير مباشر بإليوت، وذلك من خلال صلاح عبدالصبور الذى أخذ من إليوت - كما ذكرنا- حيث كان هذا التأثر صارخًا بقوة فى قصائد أمل ذات الطابع القصصى مثل «مارى» و«الوقوف على قدم واحدة» و«فصول من كتاب الصيف والشتاء»، وغيرها. أما عفيفى مطر فقد كان لديه تماس مع بعض قصائد هؤلاء الشعراء، وبخاصة فى قصيدته «أغنية الجلاد» ولا نستطيع فى الوقت نفسه أن نغفل تلاقيه التام مع لوركا فى قصيدته «غرناطة».

أما الشاعر الذى ألقى بظلاله على جميع شعراء الحداثة، فهو الشاعر الأمريكى الأشهر والت ويتمان، شاعر البحر وصاحب الديوان الوحيد المفرد المتفرد «أوراق العشب» الذى طبعت منه أكثر من عشر طبعات فى حياة ويتمان، حيث وضع عصارة حياته التى امتدت إلى أربعة وسبعين عامًا فى هذا الديوان والذى نستطيع أن نقول إنه اكتشف أمريكا من خلاله وقدمها للعالم فى صورة جديدة لم تألفها عين من قبل، وهو الديوان الشعرى الوحيد الذى استطاع أن يناطح الرواية الأيقونة «موبى ديك» لمواطنه العبقرى الداهية هرمان ملفيل.

 

 

 

من هذا المنطلق يظهر لنا بصورة جلية مدى أكذوبة الريادة فى شعر الحداثة العربية. ومن هنا نقول إنه لا توجد ريادة فى شعرنا التفعيلى الحداثى، وهو فى معظمه منقول لنا من مدارس أوروبية، شأنه فى ذلك شأن النظريات النقدية الكثيرة التى نقلها بعض نقادنا من خلال الترجمة، ثم راحوا يستخدمون مناهجها، ونستطيع أن نلمس ذلك فى الكثير من الكتابات النقدية.