السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
الطيران العمودى!

الطيران العمودى!

قبل أن تصبح الطائرات العمودية - كما تُعرف أيضًا بالمروحيات أو الهليكوبتر - رمزًا للإنقاذ، كانت حلم طفل لا يعرف المستحيل. ومن هذا الحلم بزغ اسم رائد تطوير الطائرات العمودية الحديثة، «إيجور إيفانوفيتش سيكورسكى»، الذى ساهم بإيمانٍ وصبرٍ كبيرين فى نقل حلم التحليق العمودى إلى واقع عملى، بعد رحلة طويلة من البحث والتطوير عبر القارات.



عندما وُلد سيكورسكى عام 1889، كانت مدينة «كييف» لا تزال جزءًا من الإمبراطورية الروسية، وهى الآن العاصمة الأوكرانية. فقد تميزت تلك الحقبة بالمزج بين المعرفة العلمية والفنون. وكنتيجة لذلك تأثر سيكورسكى بشكل خاص برسومات «ليوناردو دافنشى» حول الطيران، بفضل والدته الطبيبة التى تركت مهنتها لتتفرغ لتعليم أبنائها. ومن هنا بدأ حلم طفولته وإلهامه المبكر. 

وخلافًا لتخصص والده الذى كان أستاذًا فى علم النفس، اختار الابن طريقًا آخر، حيث تنقل خلال مسيرته الأكاديمية بين الالتحاق بالأكاديمية البحرية الإمبراطورية فى «سانت بطرسبرج» والتى قرر مغادرتها لقناعته بعدم توافقها مع تطلعاته، ومن ثم متابعة دراسته فى باريس حيث بدأ أولى خطواته فى عالم هندسة الطيران، فقد اطلع لفترة وجيزة على أحدث التطورات فى مجال الطيران الأوروبى الناشئ. وبعدها، عاد إلى كييف لاستكمال تعليمه فى المعهد «البوليتكنيك»، حيث تخصص فى دراسة الرياضيات والميكانيكا ونظريات الطيران الحديثة. 

وأدرك أن تحقيق طموحاته يتطلب تخطيطًا دقيقًا ومعرفة علمية. ورغم مواجهته صعوبات وفشله فى محاولاته الأولى لتصميم طائرة هليكوبتر والتى بدأها بتجربة بسيطة فى سن الثانية عشرة؛ فإنه لم يتخلَّ عن الفكرة، بل أجّلها فقط.

وجه سيكورسكى جهوده نحو الطائرات ذات الأجنحة الثابتة، وهناك صمم طائرات متتالية، تعلم فيها من الخطأ بقدر ما تعلم من النجاح.

وفى عام 1913، بلغ ذروة إنجازه مع طائرة «لو جراند»، أول طائرة ناجحة فى العالم بأربعة محركات، والنموذج الأول للعديد من القاذفات الحديثة وطائرات النقل التجارية، حينها كان ذلك إنجازًا هندسيًا غير مسبوق. 

ثم جاءت الثورة الروسية التى أطاحت بكل ما عرفه سيكورسكى. وبالتالى أجبرته الأحداث على الرحيل، حاملًا معه علمه وإيمانه، لا غير. تنقل بين بعض الدول الأوروبية، قبل أن يصل إلى الولايات المتحدة فى عام 1919، حيث تحول من اسم لامع إلى مهاجرٍ مجهول، ومستقبلٍ لا يضمن شيئًا.

فى تلك السنوات الأولى فى أمريكا، اختار أن يكون معلمًا. درس الرياضيات والهندسة، فلم يكن التدريس هروبًا من أحلامه؛ بل كان جسرًا يحفظ  الاستمرارية حتى تنضج الفرصة.

وبعد عدة سنوات عجاف، وبدعم مجموعة صغيرة من المهاجرين الروس المؤمنين برؤيته، أسس شركته التى ستعرف لاحقًا باسم «سيكورسكى لهندسة الطيران». 

وفى عام 1928، حصل على الجنسية الأمريكية. وبعدها بعام أصبحت شركته قسمًا من شركة «يونايتد إيركرافت». حيث بدأ بتصميم الطائرات البرمائية التى خدمت النقل الجوى والاحتياجات العسكرية. وحققت هذه الطائرات نجاحًا تجاريًا وأعادت له الاستقرار والاعتراف، لكنها ظلت فى نظره وسيلة لا غاية.

وبعد نجاحه الأخير، أصبح المشروع المؤجل جاهزًا للتنفيذ، وذلك مع التقدم الملحوظ فى التكنولوجيا، ما أتاح فرصة البدء بمرحلة الانطلاق العمودى.

وبالفعل فى عام 1939، وبعد ما يقرب من ثلاثين عامًا من محاولاته، حلقت طائرته الأولى العمودية «فى إس 300»، حيث كانت طائرة بمروحة رئيسية واحدة ومروحة خلفية لمعادلة العزم، وبذلك استطاعت أن تحلق عموديًا بتحكم واستقرار. 

لقد كان ذلك التصميم بسيطًا إلى حد العبقرية، حيث لا يزال هذا النموذج الهندسى يشكل الأساس التقنى الذى تقوم عليه مروحيات حديثة، مثل «الأباتشي» القتالية والـ«بلاك هوك» التى تخدم فى المجالين المدنى والعسكرى. 

وبذلك تحولت الطائرات العمودية من مجرد تجربة إلى أداة للإنقاذ والوصول إلى الأماكن التى لا يمكن الوصول إليها بالطرق العادية.

فما اعتبره الآخرون مستحيلًا، جعله سيكورسكى واقعًا ملموسًا.