حارس الذاكرة
عمرو محمد الغزالى
لماذا لم تجد أسئلة أشرف البولاقى الإجابات؟!
كان الشاعر والكاتب الراحل أشرف البولاقى يكتب كما لو أنه يعاند الزمن ذاته، لا يهادنه ولا يساومه، يراه خصمًا جديرًا بالمنازلة، فينحاز للإنسان وهو يثقل بخساراته، وينحاز للوطن وهو يتشقق تحت وطأة الأسئلة الكبرى. فالكلمة عنده أداة حفر، فأسٌ تضرب فى صخر لتستخرج منه ما يستحق البقاء.
جاء من صعيدٍ يعرف كيف يخبئ وجعه فى صمته، وكيف يمد للنيل يدًا تشرب الصبر، وللجبل عينًا تتعلم الشموخ، فخرج بنبرة لا تشبه إلا نفسها، نبرة تمسك بالتراث دون أن تسجنها قدسيته، وتفتح للحداثة بابًا دون أن تذوب فى ضجيجها، تجربة تسعى لالتقاط لحظة هاربة وإعادة صياغتها نصًا يقاوم الفناء.
ولا يقف عند حدود الشاعر الذى يطوّع اللغة فتطاوعه، ولا عند الناقد الذى يقتحم المناطق الوعرة فى الفكر والدين والسياسة دون وجل، ولا عند الباحث الذى ينقّب فى الذاكرة الشعبية ليعيد للعدودة وبكائيات الصعيد صوتها الغائر، ولا عند الإدارى الثقافى الذى يحوّل المنصب إلى جسر، يعبر عليه المبدعون من الهامش إلى الضوء.
يتجاوز ذلك كله إلى صورة المثقف الذى يرى فى تعدد أدواره ضرورة لا ترفًا، كتابة تتوزع على أكثر من هيئة وصوت ومقام.
ولد أشرف خليل، أغسطس 1968 بمدينة قنا، مدينة تضرب جذورها فى عمق التاريخ المصري، لكن جذوره تمتد إلى قرية برديس بمحافظة سوهاج، قرية تحمل ثقل المكانة وعمق الذاكرة، فصار الانتماء بين قنا وسوهاج مكونًا حيًا فى وعيه، لا تفصيلًا عابرًا، يتشكل منه إحساسه بالمجتمع وباللغة وبالإنسان.
الصعيد فى تجربته ليس جغرافيا صلبة، هو خزان حكايات وأساطير وطقوس، تمتد من أزمنة سحيقة حتى اللحظة الراهنة، تتجاور فيها طبقات التاريخ، وتتشابك فيها الأصوات، فتمنح الذاكرة طاقة لا تنفد.
نشأ فى بيئة تمنح الكلمة مكانتها، وتحتفى بالشعر كجزء من الحياة اليومية، حيث المربع والسيرة الهلالية والعدودة حضور دائم، ينساب فى الوجدان ويصوغ الحس والإيقاع.
هذا المناخ المبكر صاغ أذنه الموسيقية، وفتح أمامه دروب اللغة، فصار يدرك أن الكلمة تتجاوز حدود التواصل، تحمل قدرة على السحر، وتملك طاقة على التغيير، وتنهض بوظيفة مقاومة تظل مفتوحة على زمن لا ينتهي.
بدأت الحكاية مبكرًا، من مقاعد الثانوية بقنا، حيث انفتح وعيه على ميراث الشعر العربي، ينهل من دواوين الكبار بنهم واضح، يجاور المتنبى فى كبريائه واتساع أفقه، ويقترب من أبى نواس فى خفة الروح وجرأة العبارة، ويصغى إلى البحترى فى صفاء النسج وجزالة الإيقاع، ثم يلتفت إلى أحمد شوقى فيرى نموذج الشاعر القادر على تطويع اللغة لروح العصر.
تكوّن مبكر منح لغته صلابة، وأكسب أدواته دقة، فظهرت قصائده الأولى فى هيئة عمودية صارمة، تحمل أثر هذا التكوين العميق.
تتسع الرؤية مع دخول الجامعة، وتنفتح أبواب جديدة على تجارب مغايرة، فيقرأ لصلاح عبد الصبور، ويصغى إلى صوت أمل دنقل الخارج من قنا، ويتابع محمود درويش وأدونيس، فتتحرك البنية من داخلها، ويتبدل الإيقاع، وتدرك القصيدة ضرورة أن تعيش زمنها، وأن يكون شكلها قادرًا على احتواء قلق التجربة وانكساراتها. لحظة تحول تعيد ترتيب العلاقة مع اللغة، وتدفعها إلى مساحات أكثر مرونة واتساعًا.
عاش سنواته فى قنا قريبًا من نبض الناس، يلتقط تفاصيل الحياة اليومية فى المقاهى والحقول، ينصت للحكايات الصغيرة التى تحمل جوهر التجربة، فصار الالتحام بالواقع جزءًا من تكوينه، بعيدًا عن عزلة المثقف، قريبًا من حرارة الشارع. التحق بفرع ثقافة قنا.
تمضى التجربة الشعرية عند البولاقى فى خط متصاعد من التحول، مسار طويل يمتد عبر أكثر من ربع قرن، تتبدل فيه الرؤية، وتتعمق فيه الأداة، وتتسع فيه مساحة السؤال.
تبدأ الرحلة بديوان «جسدى وأشياء تقلقنى كثيرًا».
عمل يكشف عن صوت يعلن حضوره بثقة، صوت ينظر إلى الجسد بوصفه ساحة صراع وجودي، ومرآة تعكس توتر العلاقة مع الزمن والموتً.
يتقدم المسار مع «سلوى ورد الغواية»، حيث تتجه القصيدة نحو عوالم العاطفة، رؤية تتعامل مع الرمز كبابٍ للمعرفة والجمال.
تصل التجربة إلى منعطف حاسم مع «واحد يمشى بلا أسطورة» الذى يقترب من جوهر الإنسان الفرد، ويطرح مصيره فى صورته العارية، قصيدة تتخفف من يقينيات كبرى، وتتجه نحو التفاصيل اليومية، تمنحها معنى أوسع، بناء شعرى أكثر تحررًا.
ذروة التجربة ونضجها فى قصائده المتأخرة، حيث تميل اللغة إلى أقصى درجات التكثيف، وتتجه الصورة إلى عمقها الذهني، فتغدو القصيدة مساحة مشحونة بالتوتر، مفتوحة على سؤال الوجود.
فى قصيدته «أحتاج ذاكرة»، تتكشف روح تبحث عن خلاص جذري، وتحاول إعادة ترتيب علاقتها بالعالم من نقطة الصفر، بعيدًا عن أثقال الذاكرة الجماعية المنهكة، كتب:
«سَيمُر وقتٌ
قبْلَ أن أتبيّن الأشياءَ حولِى
ربّما أغمَضتُ عينِى
أو رَمانى إخوتى فى البئرِ»
حالة من الزهد العاطفى والتصالح مع الوحدة، يتبدل فيها «الحنين التقليدى» للماضى بوعيٍ أكثر صدقًا.
تواصل التجربة مسارها نحو مناطق أكثر جرأة، مع ديوان «والتين والزيتونة الكبرى وهند»، فتنفتح القصيدة على لعبة الرموز، وتستدعى المقدس، وتضعه فى تماس مباشر مع اليومى.
يتقدم المسار فى الأعمال اللاحقة نحو درجة أعلى من الصفاء.
تتحول القصيدة إلى أداة مواجهة، خطاب يحمل حساسية نقدية، يرصد ما يتسلل إلى المشهد من قبح وزيف، ويعيد صياغته فى صورة دامغة.
كانت «العدودة» نصًا مكثفًا، يقوم على إيقاع داخلي، وعلى مجاز قادر على حمل الحزن إلى مستوى التعبير الفنى. يجوب القرى والنجوع فى قنا وسوهاج والأقصر، ينصت إلى أصوات مسنة تحمل الذاكرة، يجمع نصوصًا توشك على الغياب تحت ضغط التحولات الاجتماعية، ويعيد تثبيتها فى سجل الكتابة، حفاظًا على تراث شفاهى يقترب من حافة النسيان.
فى تحليله تتكشف العدودة كامتدادٍ عميقٍ لبكائيات قديمة، حضور للموت كرحلة لا تنتهى عند الغياب.
يلتقط الفروق الدقيقة بين بيئات متعددة.
تظهر العدودة فنًا بصوت المرأة يخرج من الهامش إلى مركز التعبير، يحكى القهر، ويبوح بما يتراكم فى الداخل.
لم يتوقف أشرف البولاقى عند حدود الإبداع الشعرى أو السردي، وانفتح على النقد كمساحة مواجهة، وعلى الفكر كساحة اختبار دائم للمسلّمات، فظهر صوتًا مشاكسًا داخل المشهد الثقافى، يقترب من مناطق حساسة دون تردد، ويعيد طرح الأسئلة التى اعتادت اللغة الرسمية تجاوزها.
فى كتابه «تحولات الشعر والشعراء» قدم قراءة حادة للواقع الشعرى العربي، رصد فيها ما يراه من هيمنة المجاملات والشللية على الجوائز والمنابر، وما يترتب على ذلك من تراجع فى القيمة الفنية للنصوص.
وفى «حوار مع صديقى المؤمن» يستمر النهج الحواري، ويتجه الخطاب نحو صيغة أكثر هدوءًا، تعيد قراءة النص الدينى فى ضوء دعوته المستمرة إلى التدبر والتأمل، بعيدًا عن القراءة المغلقة التى تحصر المعنى فى اتجاه واحد.
فى رواية «فى غرفة الشيخ» يتجه البولاقى إلى عوالم الصوفية والتدين الشعبى فى صعيد مصر، حيث تتداخل الأسئلة الكبرى حول المقدس والدنيوي، واليقين والشك، والسلطة الروحية وحرية الفرد.
تحتفظ الرواية بنَفَس شعرى واضح، دون أن تفقد صلابتها السردية، فتتوازن اللغة بين التكثيف الجمالى وبناء الشخصيات ومسار الأحداث، ما يمنح العمل طابعًا تأمليًا يفتح أسئلة الهوية والإيمان والزمن فى آن واحد، ويضع القارئ أمام عالم متشظٍ يبحث عن مركز لا يستقر.
وفى مجموعة «خدش حياء»، ينتقل السرد إلى مساحة أكثر حدّة، وينكشف المسكوت عنه فى المجتمع المصرى المعاصر، من خلال نصوص تلامس قضايا السلطة، وتكشف الفجوة بين الظاهر والباطن.
لم تكن قضية المرأة عند أشرف البولاقى ملفًا اجتماعيًا أو خطابًا حقوقيًا عابرًا، كانت جزءًا بنيويًا من مشروعه الثقافى.

فى «عذابات الأنثى»» و«المرأة فى العقل العربى» قدّم قراءة نقدية لبنية التفكير الذكورى التى تشكلت عبر قرون، وما أنتجته من إقصاء رمزى ونفسى واجتماعى للمرأة.
ينتقل التحليل إلى مساحة التطبيق، حيث يتوقف عند تجارب كاتبات مصريات مثل سعاد سليمان وسناء مصطفى وابتهال الشايب، فيرصد كيف تتشكل كتابة نسوية مختلفة فى حساسيتها ولغتها، كتابة تقترب من الجسد والعاطفة والذاكرة دون وسائط جاهزة.
هو يرى أن الأزمة تبدأ من اللغة، ومن بنيتها فحملت أثرًا تاريخيًا جعل التعبير النسوى محكومًا بوسيط لغوى، ما يفتح سؤال الكتابة باعتباره سؤال حرية، وسؤال تمثيل فى آن واحد، حيث يصبح خلق لغة موازية ضرورة وجودية لا مجرد خيار جمالى.
فى الثالث والعشرين من أبريل العام الجارى، يغادر أشرف البولاقى المشهد فجأة عن عمر ناهز الثامنة والخمسين. لحظة بدت أقرب إلى انقطاع صوت داخل جملة لم تكتمل.
خبر الرحيل يمر كصدمة فى الوسط الثقافى المصرى والعربى، ويعيد ترتيب ذاكرة مشهد كامل ارتبط باسمه حضورًا ونقاشًا وموقفًا.