كواليس أخطر مغامرة فى الصحافة المصرية
منير مطاوع
يوميات «إبراهيم عزت» متنكرًا فى قلب إسرائيل!
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
لا يصح الحديث عن «المغامرة» كأحد فنون الصحافة، نادرة الحدوث، دون ذكر أخطر مغامرة عرفتها الصحافة المصرية..
خاصة أنها من إنجازات مدرسة «روزاليوسف» التى تتسم بالشجاعة والمسئولية والوطنية.
وقام بها واحد من أبرز أبناء هذه المدرسة وهو الكاتب الصحفى طيب الذكر إبراهيم عزت.
ونشرت تفاصيلها فى حلقات على صفحات مجلتى «روز اليوسف» و«صباح الخير»..
ولأن وقائع هذه المغامرة جرت منذ 70 عاما بالتمام، فهى جديرة بأن تُروى لتتذاكرها الأجيال الجديدة من الصحفيين والقراء..
ومع أن هذه المغامرة جرت قبل دخولى المؤسسة بثمانى سنوات، إلا أن أصداءها ظلت قائمة لوقت طويل وبطلها كان موجودا عندما التحقت محررا تحت التمرين فى «صباح الخير» وتعرّفت عليه وعلى سمير عزت، المحرر وسيد عزت، المدير الفنى..
والمغامرة الخطيرة التى قام بها المحرر السياسى إبراهيم عزت، كان يمكن أن تعرّض حياته لخطر الموت. لكنه بشجاعة يحسد عليها، أقدم وقام بها متحديا كل المخاطر.. وبذكاء وصبر وجَلَد وحرص شديد، وبلباقة وقدرة على تجاوز المواقف الصعبة.. نجح، ونالت مغامرته الصحفية شهرة لا مثيل لها مع أى عمل صحفى.
فقد تناولتها وكالات الأنباء العالمية ومحطات الإذاعة والتليفزيون والمجلات العالمية.. عدا الصحافة المصرية والعربية.
ويكفى أن مجلة «لايف» العالمية الشهيرة بعثت إليه وقتها بمصور يلازمه فى بيته وفى مكتبه.. ويقدّمه على صفحاتها.. ويطلب منه شراء نص المغامرة لتنشرها «لايف» مقابل 25 ألف دولار!
فما هى هذه المغامرة الصحفية التى نصفها بـ«أخطر مغامرة فى تاريخ الصحافة المصرية»؟
إنها عملية اختراق إسرائيل سنة 1956 فى ذروة العداء.
فقد فكّر إبراهيم عزت فى محاولة استكشاف حقيقة إسرائيل من داخلها.. فقادته الفكرة إلى القيام بمغامرة يدخلها من خلالها.

كيف يتحقق له ذلك؟
يتخفى فى شخصية ينتحلها.
يسمى نفسه «جورج إبراهيم حبيب» ويستخرج جواز سفر مزورًا بهذا الاسم ويحمل الجنسية البرازيلية!.. مدعيا أنه صحفى برازيلى من أصول عربية.
يرحب رئيس التحرير الكاتب الصحفى الرائد إحسان عبدالقدوس بالفكرة ويقترح عليه أن يعرض أمر هذه المغامرة على صلاح نصر مدير المخابرات الذى يفرح بها ويصحب إبراهيم عزت لزيارة الرئيس جمال عبدالناصر الذى يعتمد مشروع المغامرة.. وينصحه بأن يتوخى الحذر الشديد.
واقتضت العملية أن يذهب الصحفى المغامر إلى لندن ليتقدم لسفارة إسرائيل بطلب الزيارة.
بداية المغامرة حينما أقنع السفارة بأنه كصحفى فى طريقه إلى جولة فى الشرق الأوسط سيزور خلالها بعض الدول العربية وأنه يشعر بالقلق من أن ترفض هذه الدول دخوله حينما ترى التأشيرة الإسرائيلية.
فقررت السفارة التصريح له بدخول إسرائيل على ورقة بيضاء، والغريب أن السفارة تحمست وحصلت له على دعوة لمقابلة وزير الخارجية «موشى شاريت».
وفى 26 أبريل 1956 يصل إبراهيم عزت باسم «جورج إبراهيم حبيب» إلى مطار اللد، فى تل أبيب.
وفور خروجه من الطائرة وصف حاله - على صفحات المجلة - هكذا:
«وجدت فى انتظارى مدير المطار نفسه ومندوبا من وزارة الخارجية الإسرائيلية.. وكانت هيئتهما تخلع القلب»!
فهل كشفت إسرائيل حقيقة شخصيته فجاء رجالها لاعتقاله؟!
زالت مخاوفه عندما تلقياه بترحيب واهتمام ورتبا له موعد لقاء الوزير.
أمضى عزت 11 يوما فى إسرائيل توزعت بين تل أبيب وحيفا والقدس وبئر سبع.
مع بن جوريون
وقال: «خلال إقامتى فى إسرائيل قابلت كل رجالها.. كل أعدائنا.
قابلت بن جوريون وموشى شاريت وجولدا مائير والجنرال يادين (القائد العام للقوات الإسرائيلية فى حرب فلسطين) 1948..و..و.. قابلتهم كلهم.. وتركتهم وأنا مقتنع أن المعركة طويلة الأمد».
نُشرت تفاصيل هذه المغامرة المثيرة فى أعداد «روزاليوسف» شهر مايو ويونيو ونشر إبراهيم عزت بعض المقابلات كذلك فى «صباح الخير».
وفى الحلقة الأولى أشار إلى لقائه برئيس الوزراء بن جوريون، الذى خاطبه بوصفه الصحفى البرازيلى «جورج إبراهيم حبيب» قائلا: «إذا ذهبت إلى مصر واستطعت أن تقابل الرئيس جمال عبدالناصر، قل لسيادته إنى على استعداد لمقابلته فى أى وقت وفى أى مكان يحدده هو لمناقشة أى مسألة يحب أن يثيرها، قل له إننى على استعداد لمقابلته ولو فى القاهرة».
وهكذا طلب كل من التقاهم من قيادات إسرائيل أن يلتقوا بعبدالناصر.
ويكشف الصحفى الشجاع انطباعه عن هؤلاء بأنهم يعتبرون مصر هى الدولة العربية الوحيدة التى تخيفهم.
وطبعا لا يتسع المجال لنشر كل ما تجمّع لدى كاتبنا صاحب أخطر مغامرة صحفية، من معلومات وحقائق بعيدا عن الدعايات المزيفة لكن يمكن الإشارة إلى ملاحظاته عن الانشقاق السياسى وتفسخ الأسرة والانهيار الأخلاقى والابتذال الذى جعل شوارع مدن مثل تل أبيب تبدو كساحات للانحلال والدعارة.

ومن أخطر ما نشره، حديث «ناحوم جولد مان» رئيس المنظمة الصهيونية العالمية يكشف انتهازية وزيف الصهيونية إذ يقول: «لا يهمنا نحن اليهود أن نكون فى جانب واحد من التيارات السياسية العالمية.. لا يهمنا أن نكون رأسماليين أو شيوعيين أو اشتراكيين... فإذا دعت روسيا دعوتها ضد أمريكا كان اليهود أسبق الناس إلى تعضيد الشيوعية.. وإذا دعت أمريكا دعوتها ضد روسيا كان يهود أمريكا أسبق الأمريكيين إلى الدعوة ضد الشيوعية.. وهكذا سيبقى مركزنا كيهود سليمًا إلى الأبد»!
ورصد إبراهيم عزت المزيد فى كتاب تضمن تفاصيل أكثر عن المغامرة الجريئة بعنوان «كنت فى إسرائيل». وما يهمنا الإشارة إليه بوضوح أن ما قام به يضعه فى مقام رفيع فى عالم الصحافة الوطنية الشجاعة، فهو بتحقيقه الصحفى هذا غيّر مفهوم الصحافة مرتقيا به إلى قمة رفيعة.
إحسان راعى المغامرة
لعل من المفيد رصد بعض ما كتبه الأستاذ إحسان عبدالقدوس راعى هذه العملية الصحفية التى تفخر بها «روزاليوسف» كمؤسسة صحفية مخلصة للحقيقة والحق: «قام إبرهيم عزت بمغامرة صحفية محضة لحساب «روزاليوسف».. ولم يكن له هدف إلا خدمة القارئ عن طريق صحافته»..
هكذا قدم إحسان مغامرة إبراهيم عزت التى كان شاهدًا عليها كواحدة من أخطر وأصدق المغامرات فى تاريخ الصحافة المصرية.
مضيفا أن مجلة «روزاليوسف» لم تكن تنشر مجرد سلسلة تحقيقات خطيرة؛ بل تفجر قضية..
ويكتب تعليقًا على الموضوع أنه شهادة على لحظة اخترقت فيها الصحافة المصرية كل حدود المستحيل: «إن التحقيق الصحفى الذى تنشره «روزاليوسف» عن إسرائيل، أثار ضجة عالمية.. كل صحف العالم، وكل إذاعات العالم تتحدث عنه.. حتى مستر «دالاس» وزير خارجية الولايات المتحدة، اضطر فى المؤتمر الأسبوعى الذى يجتمع فيه بالصحفيين، أن يتحدث عن «روزاليوسف»..
تلك كلمات إحسان عبدالقدوس، تعليقًا على الضجة العالمية التى أثارها نشر الحلقة الأولى فقط.
وكتب إحسان مقدمة كتاب إبراهيم عزت «كنت فى إسرائيل» الذى ضم تفاصيل المغامرة.. وهو الكتاب الذى نشر فى بيروت سنة 1957 بعد مشاركة بن جوريون وإسرائيل بريطانيا وفرنسا فى مؤامرة فاشلة للعدوان على مصر.
وفى لندن وبعد 27 عاما فوجئت بإحدى المجلات السياسية العربية عام 1983 تستعيد وقائع هذه المغامرة المثيرة.. ما جعل كاتبنا الصحفى الشجاع يخرج عن صمته ويسترجع بعض ذكريات مغامرته..
روى إبراهيم عزت بفخر زيارته للرئيس عبدالناصر فى بيته فى منشية البكرى لأكثر من 6 ساعات: «وأكلت معه شطائر الجبنة البيضاء والفول المدمس وكانت أمامه كل الصور التى التقطتها أثناء الأحد عشر يومًا التى قضيتها فى إسرائيل، وكان يسألنى بدقة عن موضوعات معينة وعن آرائى فى بعض الشخصيات التى قابلتها فى إسرائيل». وفى الأسبوع المقبل نواصل