«قانون الأسرة» ينتظر الحسم تحت قبة البرلمان
إبراهيم جاب الله
مناقشات ساخنة لمشروع القانون فى اللجان المختصة بعد معارك «السوشيال ميديا»
مع ظهور مشروع قانون الأسرة الجديد بشكل رسمى بعد أن قدمته الحكومة لمجلس النواب لمناقشته وإقراره، شهدت وسائل التواصل الإجتماعى حالة من الجدل المتصاعد حول مشروع القانون بجانب تباين واسع فى الآراء، وبالتبعية ينتقل هذا الجدل الواسع إلى قاعات مجلس النواب مع بدء اللجان المختصة مناقشات موسعة قد تكون من بين الأكثر سخونة خلال دور الانعقاد الحالى نظرا لارتباط القانون المباشر بحياة ملايين الأسر المصرية.
يأتى ذلك بعد أن أحال المستشار هشام بدوى رئيس مجلس النواب مشروعات قوانين مقدمة من الحكومة بإصدار قانون الأسرة، بجانب مشروع قانون بإصدار قانون الأسرة للمصريين المسيحيين، إلى لجنة مشتركة من لجنة الشئون الدستورية والتشريعية ومكاتب لجان التضامن الاجتماعى والأسرة والأشخاص ذوى الإعاقة، الشئون الدينية والأوقاف وحقوق الإنسان
وتستعد لجان مجلس النواب لمناقشات ساخنة تستهدف إعادة صياغة منظومة الأحوال الشخصية بشكل شامل للمسلمين أو للمسيحيين فى محاولة لتحقيق توازن دقيق بين الحقوق والواجبات داخل الأسرة ومواكبة التحولات الاجتماعية المتسارعة، وما يزيد التوقعات بمناقشات أكثر سخونة هو ما يدور حول حساسية القضايا التى يتناولها القانون، وعلى رأسها الطلاق والحضانة والنفقة إلى جانب تنظيم العلاقات المالية بين الزوجين مع الاهتمام بشكل خاص بحماية حقوق المرأة والطفل والحد من النزاعات التى غالبا ما تتصاعد بعد الانفصال.
أبرز البنود
يطرح المشروع رؤية متكاملة لتوحيد وتنظيم الأحكام المتفرقة التى حكمت مسائل الأحوال الشخصية لعقود، حيث يجمع بين تبسيط الصياغات القانونية واستحداث قواعد جديدة تتلاءم مع الواقع المعاصر دون التقيد بمذهب فقهى واحد مع الاستفادة من اجتهادات القضاء وأحكام المحكمة الدستورية، ويغطى القانون مختلف جوانب الحياة الأسرية بداية من الخطبة مرورا بعقد الزواج وشروطه وصولا إلى الطلاق وآثاره، بالإضافة إلى قضايا النسب والولاية والحضانة والرؤية والميراث بما يحقق تنظيما أكثر دقة وشمولا.
ويتعامل المشروع مع الخطبة باعتبارها وعدا بالزواج لا يترتب عليه آثار قانونية كاملة، لكنه فى الوقت نفسه يضع ضوابط واضحة لمسألة العدول عنها خاصة فيما يتعلق برد الهدايا والمهر، وأكد أن فسخ الخطبة لا يستوجب تعويضا إلا إذا ارتبط بسلوك تسبب فى ضرر مادى أو أدبى لأحد الطرفين، وهو ما يعكس توجها لتقليل النزاعات المرتبطة بهذه المرحلة.
كما يعرف المشروع الزواج باعتباره ميثاقا شرعيا يقوم على المودة والرحمة ويشترط لإتمامه توافر الإيجاب والقبول بحضور شاهدين مع التأكيد على ضرورة الشفافية الكاملة بين الطرفين، وفى هذه النقطة بالتحديد يمنح القانون الزوجة الحق فى فسخ العقد خلال فترة محددة إذا ثبت تعرضها للتضليل بشأن بيانات جوهرية تتعلق بالزوج، كما يتيح للزوجين الاتفاق على شروط خاصة ضمن عقد الزواج مثل حق الزوجة فى العمل أو الاحتفاظ بمسكن الزوجية أو حتى اشتراط عدم زواج الزوج بأخرى إلا بموافقتها الكتابية، وهو ما يمثل تحولا مهما فى تنظيم العلاقة التعاقدية بين الطرفين.

ومن أبرز المستحدثات، هو إقرار ملحق قانونى يرفق بوثيقة الزواج أو الطلاق يتضمن كافة الحقوق والالتزامات المالية مثل النفقة وأجور الحضانة ومصاريف التعليم وحق الانتفاع بمسكن الزوجية ويكتسب هذا الملحق قوة تنفيذية مباشرة بما يضمن سرعة حصول الأطراف على حقوقهم دون تعقيدات التقاضي... كما ينص المشروع صراحة على إمكانية الاتفاق على عدم زواج الزوج بأخرى إلا بإذن كتابى من الزوجة مع منحها الحق فى طلب الطلاق حال مخالفة هذا الشرط، وهو ما أثار اهتماما واسعا باعتباره من أبرز البنود المثيرة للنقاش خاصة على وسائل التواصل الاجتماعى.
وأكد القانون استقلال الذمة المالية لكل من الزوجين مع إتاحة إمكانية المطالبة بنصيب من الأموال المشتركة حال ثبوت المساهمة الفعلية فى تنميتها فى خطوة تستهدف تحقيق قدر أكبر من العدالة الاقتصادية داخل الأسرة، وفى محاولة للحد من ارتفاع معدلات الطلاق خاصة فى السنوات الأولى من الزواج يفرض المشروع إجراءات إضافية قبل إتمام الطلاق.
مصلحة الطفل أولًا
من أهم البنود التى ركز عليها مشروع القانون هى أنه يولى أهمية كبيرة لمصلحة الطفل حيث يحدد سن الحضانة بما يتيح بقاء الطفل مع أمه حتى مرحلة متقدمة قبل أن يمنح حق الاختيار كما يأتى الأب فى المرتبة الثانية مباشرة بما يعزز صلته بأبنائه ويعالج المشكلات الناتجة عن ضعف التواصل الأسرى، كما يمنح القضاء سلطة تقديرية لتجاوز ترتيب الحضانة إذا اقتضت مصلحة الطفل ذلك، فى تأكيد واضح على أن المعيار الأساسى هو تحقيق الاستقرار النفسى والاجتماعى للصغير.
ومن بين التعديلات المهمة فى مشروع القانون الجديد التوسع فى نظام الاستضافة الذى يسمح للطرف غير الحاضن بقضاء وقت أطول مع الطفل بدلا من الاكتفاء بالرؤية التقليدية، كما يتيح استخدام وسائل إلكترونية فى حال تعذر اللقاء المباشر مع وضع ضوابط دقيقة تضمن عدم الإضرار بالطفل، وينظم المشروع مسألة الولاية التعليمية بحيث تكون للحاضن مع تدخل القضاء عند الخلاف بينما يظل الأب ملزما بتحمل تكاليف التعليم بما فى ذلك التعليم الجامعى طالما تسمح قدرته المالية بذلك.
بجانب مراعاة مصلحة الطفل أولا يتوسع المشروع فى وسائل إثبات النسب من خلال الجمع بين الطرق التقليدية والأدلة العلمية الحديثة بما يسهم فى حسم النزاعات بشكل أكثر دقة وعدالة، ومن بين الأدوات الجديدة إنشاء صندوق لدعم الأسرة يتولى صرف النفقات بشكل عاجل للمطلقات والأبناء لتقليل آثار تأخر الأحكام القضائية وتخفيف الأعباء المعيشية عن الأسر.
قانون للمسيحيين
بالتوازى مع ذلك قدمت الحكومة مشروع قانون لتنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين يراعى خصوصية الطوائف المختلفة ويشمل تنظيم مسائل الزواج والطلاق والحضانة والنسب والميراث، بما يتفق مع العقائد الدينية لكل طائفة.
ولن يكون مشروع قانون الأسرة الجديد مجرد تعديل تشريعى تقليدى، بل خطوة مفصلية فى إعادة تشكيل العلاقات الأسرية فى المجتمع المصرى بما يوازن بين ثوابت الشريعة ومتطلبات الواقع ويضع مصلحة الأسرة فى صدارة الأولويات.
فى الوقت ذاته أصدرت لجنة التضامن الاجتماعى والأسرة والأشخاص ذوى الإعاقة بمجلس النواب برئاسة النائبة الدكتورة راندا مصطفى عدة توصيات برلمانية مهمة بعد أولى جلسات الاستماع الموسعة واجتماعاتها بحضور المختصين والمسئولين لمناقشة ملف الأسرة، وشملت التوصيات التوسع فى تدريب الإخصائيين الاجتماعيين والنفسيين داخل المدارس وإعداد دراسات ميدانية دقيقة لرصد أسباب الطلاق وتداعياته إلى جانب تنظيم برامج للإرشاد الأسرى قبل الزواج وقبل الطلاق وتعزيز مناهج المواطنة وحقوق الإنسان بما يدعم استقرار الأسرة بجانب تطوير مكاتب تسوية المنازعات الأسرية.
حوار مجتمعى
وأكدت الدكتورة راندا مصطفى رئيس لجنة التضامن الاجتماعى والأسرة والأشخاص ذوى الإعاقة بمجلس النواب، أن الهدف من مناقشة ملف الأسرة المصرية يتمثل فى تحقيق التوازن بين حقوق جميع الأطراف، موضحة أن الطفل يظل المتضرر الأكبر من حالات النزاع والانفصال وأن اللجنة لا تنحاز إلى طرف على حساب آخر وإنما تستهدف الوصول إلى حلول متكاملة تحافظ على كيان الأسرة المصرية وتدعم استقرارها، كما شددت رئيس اللجنة على استمرار عقد جلسات الاستماع والحوار المجتمعى مع مختلف الجهات المعنية وصولا إلى صياغة تشريعية متوازنة تسهم فى حماية الأسرة المصرية وتعزيز تماسكها.
من جهتها قالت النائبة نشوى الشريف عضو مجلس النواب فى تصريحات خاصة إنه بعد إحالة مشروع القانون رسميا إلى اللجان النوعية المختصة وفى مقدمتها لجنتا التضامن الاجتماعى والشئون التشريعية والدستورية تمهيدا لفحص مواده ومناقشتها خلال الفترة المقبلة. سوف تشهد الفترة المقبلة مناقشات موسعة حول مشروع القانون وحوارا مجتمعيا للتوصل لأفضل صيغة للقانون.

وأوضحت أن المسودة الحالية قابلة للتعديل والحذف والإضافة داخل اللجان المختصة، فى إطار فلسفة العمل البرلمانى القائمة على مراجعة المواد وتنقيحها للوصول إلى أفضل صيغة تشريعية ممكنة قبل عرضها على الجلسات العامة، مشيرة إلى وجود توجيهات واضحة من القيادة السياسية بضرورة منح هذا الملف أولوية قصوى والإسراع فى وتيرة إنجازه نظرا لارتباطه المباشر باستقرار الأسرة المصرية، كما أكدت أن حالة الجدل والنقاش المثارة حاليا داخل البرلمان وعبر منصات التواصل الاجتماعى تعكس الأهمية الكبيرة التى يمثلها هذا القانون لكل أسرة.