د.سمية عسلة
هل اقتربت نهاية الهيمنة الأمريكية؟
بينما تشتعل النيران فى بندر عباس الإيرانية وسط تحركات تهدف لجر القوى الإقليمية الفاعلة إلى فخ المواجهة المباشرة، يشهد النظام المالى العالمى «انقلابًا صامتًا» تقوده عواصم غربية كباريس وأوتاوا؛ حيث يهرب الحلفاء من عباءة الدولار المثقل بالديون إلى ملاذات الذهب والصناديق السيادية المستقلة. نحن أمام مشهد معقد، تُستخدم فيه الطائرات المسيرة لتفجير التحالفات السياسية، بينما تُستخدم سبائك الذهب لتفكيك الهيمنة الأحادية، فى سباق مع الزمن بين انفجار عسكرى وشيك وانهيار مالى يلوح فى الأفق.
وشهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا دراماتيكيًا أعاد قرع طبول الحرب فى منطقة الخليج العربى، حيث تحولت مياه مضيق هرمز وموانئ جنوب إيران إلى ساحة لاشتباكات عنيفة، تزامن توقيتها مع تحركات دبلوماسية وعسكرية عربية رفيعة المستوى، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول «هوية المهاجم» والأهداف الخفية من وراء هذا التوقيت الحساس.
وانفجر الموقف الميدانى بسلسلة من الانفجارات التى استهدفت البنية التحتية البحرية الإيرانية. وبحسب التقارير الواردة تم استهداف رصيف «بهمن» فى مدينة «بندر عباس»، كما أعلنت وكالة «فارس» الإيرانية وقوع أضرار فى جزيرة قشم الاستراتيجية، حيث قامت إيران بتفعيل الدفاعات الجوية لإسقاط طائرات مسيرة فى سماء ميناء «بندر عباس»، وهو الشريان الاقتصادى والعسكرى الأهم لإيران على الخليج، فضلًا عن تقارير استهداف القوات الأمريكية لناقلة نفط إيرانية، تلاه رد صاروخى إيرانى على وحدات بحرية أمريكية فى المضيق.

لغز الفاعل!
الجزء الأكثر إثارة للجدل لم يكن الانفجارات بحد ذاتها، بل فى «توجيه أصابع الاتهام». فقد سارعت القناة 12 العبرية وعن مصادر إعلامية إسرائيلية للتلميح بأن الإمارات هى من نفذت الهجوم، وهو ما تلقفه الإعلام الإيرانى (وكالة تسنيم تحديدًا) سريعًا، مدعيًا أن المسيرات انطلقت من اتجاه السواحل العربية.
وبتحليل سياسى للموقف يبدو أن النفى الإسرائيلى الرسمى لأى علاقة بالهجوم، بالتزامن مع تسريب إعلامهم لخبر «تورط الإمارات»، يضعنا أمام استراتيجية «رمى الكرة فى ملعب الآخرين» لإشعال فتيل مواجهة مباشرة بين ضفتى الخليج.
وتبدو الفرضية الأولى لفرضيات التحليل هى الردع الإماراتى المباشر، أن تكون أبوظبى قد قررت تغيير قواعد الاشتباك والرد على استهداف مصفاة الفجيرة والتهديدات المستمرة بضربة استباقية لفرض معادلة ردع جديدة. لكن هذا الاحتمال يواجه عقبة الرغبة الإماراتية المعلنة دائمًا فى خفض التصعيد وتغليب الدبلوماسية الاقتصادية.
أما الفرضية الثانية وهى الأرجح وتسمى «الراية المزيفة»، وهىأن تكون إسرائيل (أو أطراف تسعى لتفجير المنطقة) قد نفذت العملية بأسلوب يحاكى البصمة العسكرية لدول المنطقة، والهدف هو المواجهة المباشرة للدول العربية مع إيران بمجرد تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك حال ردت طهران على الإمارات، بهدف ضرب أى محاولات تهدئة إقليمية وإجبار الإدارة الأمريكية على الدخول فى صراع مفتوح، أو تصدير الأزمة عبر نقل الضغط العسكرى من الجبهات الشمالية لإسرائيل إلى عمق الخليج العربى.
والواضح أننا أمام مشهد «شطرنج» معقد؛ حيث تُستخدم الطائرات المسيرة كأدوات سياسية بقدر ما هى أدوات عسكرية.
الحقيقة الثابتة الآن هى أن هناك رغبة «طرف ما» فى تحويل التواجد العسكرى المصرى الدفاعى فى الخليج إلى ذريعة لاشتعال حريق إقليمى.
يبقى السؤال الأهم: هل تبتلع طهران الطعم وتوجه ضربة انتقامية تؤدى لتوسيع الصراع، أم أن الدبلوماسية الصامتة خلف الكواليس ستنجح فى تفكيك لغم «بندر عباس» قبل الانفجار الكبير؟ وهل ستستمر أمريكا فى دعم المخطط الإسرائيلى فى ظل الأزمة الاقتصادية الأمريكية؟

حيث يشهد النظام المالى العالمى تحولات راديكالية قد تنهى عقودًا من الأحادية القطبية التى تسيطر عليها واشنطن، فلم تعد الأزمة مجرد «أرقام» فى دفاتر الديون، بل تحولت إلى «أزمة ثقة» تضرب قلب التحالفات التاريخية للولايات المتحدة. ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، يجد الاقتصاد الأمريكى نفسه أمام معادلة صفرية: ديون تتجاوز حجم الناتج المحلى الإجمالى، وحلفاء يبحثون عن «طوق نجاة» بعيدًا عن الدولار.
الطلاق الهادئ!
ففى خطوة غير مسبوقة، أعلن رئيس الوزراء الكندى (والرئيس السابق لبنك إنجلترا وبنك كندا) مارك كارنى عن تدشين صندوق سيادى بقيمة 25 مليار دولار كندى. ورغم أن الصناديق السيادية أمر شائع، فإن توقيت وأهداف هذا الصندوق يحملان أبعادًا جيوسياسية خطيرة.
الواضح أن كندا، التى يعد اقتصادها «توءمًا» للاقتصاد الأمريكى، تبحث اليوم عن استقلالية هيكلية. تصريحات كارنى تلمح إلى ضرورة تحصين كندا ضد التقلبات السياسية فى واشنطن، خاصة مع صعود النزعات القومية الحمائية (مثل سياسات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب) التى وصلت إلى حد التلويح بضم أجزاء من كندا أو فرض تعريفات جمركية مدمرة عليها.
ويرى مراقبون أن تحرك كارنى يمثل «عقيدة اقتصادية جديدة» تسعى لفك الارتباط العضوى بسلاسل التوريد الأمريكية التى باتت مسيسة وغير مستقرة.
فى المقابل أعاد البنك المركزى الفرنسى تموضع احتياطياته من الذهب فى خطوة استراتيجية أعادت للأذهان حقبة الستينيات من القرن الماضى، فتم سحب 129 طنًا من الذهب من بنك الاحتياطى الفيدرالى فى نيويورك، وهو ليس تصرفًا مختلفًا وليس مجرد إجراء لوجيستى، بل هو إعلان عن نهاية حقبة «الأمان المالى» فى الأراضى الأمريكية.
ما وراء الخبر أن فرنسا لم تكتفِ بالسحب، بل قامت بتحديث معايير سبائكها وتخزينها فى مخبأ «لا سوتيرين» الحصين بباريس. هذه الخطوة حققت أرباحًا دفترية ضخمة (حوالى 15 مليار دولار)، لكن رسالتها السياسية كانت أقوى: «الثقة فى قدرة واشنطن على حماية أصول الحلفاء تآكلت».
واليوم، تسير ألمانيا وهولندا والنمسا على نفس الخطى، ما يشير إلى «هجرة جماعية» للذهب من الخزائن الأمريكية.
سلاح العقوبات
لسنوات، استخدمت واشنطن الدولار كأداة للضغط السياسى (Financial Weaponization)، فقامت بتجميد الأصول الروسية ومنع دول من نظام «سويفت» الحاكم للبنوك الدولية كرسالة واضحة لكل عواصم العالم:
«أموالكم ليست فى أمان إذا اختلفتم معنا سياسيًا». والأرقام هنا تتحدث حيث تراجعت حصة الدولار فى الاحتياطيات العالمية من %71 فى 1999 إلى نحو %57 حاليًا. هذا الهروب البطيء ليس انهيارًا مفاجئًا، بل هو «تنويع استراتيجى» تقوم به حتى أكثر الدول قربًا من واشنطن.
ووصلت الديون السيادية الأمريكية إلى حاجز 31.27 تريليون دولار، متخطية إجمالى حجم الاقتصاد الأمريكى (31.22 تريليون دولار). هذا الاختلال الهيكلى يضع الإدارة الأمريكية فى مأزق، خاصة مع تخفيض التصنيف الائتمانى وقيام وكالات ائتمان مثل «فيتش» و«موديز» بخفض النظرة المستقبلية للائتمان الأمريكى بما يعكس قلقًا عالميًا من غياب الإدارة المالية المنضبطة وإلغاء المحكمة العليا لبعض الرسوم الجمركية التى كانت تعتمد عليها الخزانة لسد العجز وبما يضيف عبئًا بقيمة 1.7 تريليون دولار.

ومن الواضح أننا لا نراقب مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل نراقب «تحلل العقد المالى العالمى» الذى صاغته أمريكا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية 1945. عندما يبدأ الحلفاء «الخلص» مثل كندا وفرنسا فى بناء جدران عازلة واكتناز الذهب داخل حدودهم، فهذا يعنى أن اليقين بخلود الهيمنة الأمريكية قد انتهى.
وبينما تنشغل واشنطن بصراعاتها الداخلية وتوسيع ديونها، يتحرك العالم (بقيادة تكتلات ناشئة وتحالفات صينية روسية) لبناء نظام مالى بديل، حيث الإمبراطوريات لا تسقط دائمًا بالحروب، بل تسقط أحيانًا حين يتوقف العالم عن تصديق وعودها المالية.
إن ما يحدث اليوم فى مياه الخليج العربى، من ضربات غامضة فى بندر عباس وتحرشات عسكرية متبادلة، ليس مجرد حادث حدودى عابر، بل هو انعكاس لزلزال أكبر يضرب أركان النظام العالمى. فبينما تحاول أطراف دولية -على رأسها إسرائيل- نصب «فخ عسكرى» يجر القوى العربية الصاعدة لمواجهة استنزافية مع إيران، نجد أن الحلفاء التاريخيين لواشنطن بدأوا بالفعل رحلة «الطلاق المالى»؛ ففرنسا التى تستعيد ذهبها وكندا التى تبنى حصونها المالية، تدركان يقينًا أن زمن الاحتماء بمظلة الدولار قد ولى.