«مشاريب» صالح مرسى
منير مطاوع
ماذا قال عن المنتقدين من على القهوة؟!
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
الصحافة ليست أخبارًا ومقالات وتحقيقات.. إنها أيضا مغامرات..
وقبل أن ألتحق بـ«صباح الخير» بسنوات أتيحت لى فرصة التعرّف على المغامرات الصحفية التى كنت أتابعها فى الصحف التى تدخل بيتنا وأنا تلميذ صغير.. فمثلا اندهشت من مغامرة صحفية قام بها أحد محررى مجلة «آخر ساعة» فى منتصف الخمسينيات من القرن الماضى، واسمه الذى أذكره جيدًا رغم كل هذه السنين هو عبدالعاطى حامد. وكان قد قرر أن يدرس ميول الناس تجاه انتشار ظاهرة التسول.
تسعفنى الذاكرة والحمد لله باسم هذا الصحفى العجيب الذى وجدته يبدّل ملابسه المعتادة ويرتدى ملابس أخرى هى جلباب رخيص وعمة قديمة رثة ومركوب متهالك..
لماذا؟
لأنه قرّر أن يتحوّل إلى «شحاذ»!
وكانت المغامرة تقتضى أن يتولى مصور المجلة متابعته وتصويره طوال النهار.. ويبدو أن الصحفى صاحب هذه المغامرة غير المسبوقة، لجأ إلى عملية «ماكياج» لتبديل بعض ملامح وجهه بما يتناسب مع الشخصية الجديدة التى تقمصها.. فبدت عليه علامات الفقر و«الغُلب» التى تهز عواطف المارة فى الركن الذى اختاره بمعاونة المشرفين على هذه المغامرة من أصحاب المجلة ورئيس تحريرها.. وقام صاحبنا بنشر تفاصيل مغامرته هذه على حلقات زادت من رواج المجلة وأثارت دهشة القراء والصحفيين الآخرين.. بين مرحب بالفكرة ومعترض عليها.

لا تسعفنى الذاكرة للأسف بتفاصيل كافية حول هذه المغامرة إلا أنها بهرتنى عموما، مع أننى لا أذكر الآن ماذا كانت نتيجتها، هل توصّلت إلى ما يفيد فى التخلّص من ظاهرة التسول، والنهوض بالمجتمع، أم كانت مجرد عملية إثارة صحفية فارغة الهدف والمضمون كتلك العمليات التى كانت تلجأ إليها صحافة الإثارة فى تلك الأيام؟
أدهشنى بعد ذلك بسنوات طويلة أن أعلم ما كشف عنه المصور الذى أصبح من المشاهير فاروق إبراهيم من أن كل ما كان يقوم به عبدالعاطى وقتها لم يكن مغامرة مدهشة كما كنت أظن بل هو مجرد عملية خداع.. ونصب واحتيال علينا نحن جمهور القراء، فقد كان يطلب من فاروق تصويره فى لقطات عديدة وهو يتسول ثم وهو يعمل كماسح أحذية أو بواب عمارة أو حتى خادم فى منزل ــ وهى المغامرات التى خاضها ــ ولم يتيسر لى متابعتها، وكانت كلها تقوم ــ كما اعترف المصور- على خدعة، فبعد التصوير يذهب المحرر إلى اللوكاندة التى يسكنها ليكتب تفاصيل مغامراته المزيفة.
وهكذا كانت صحافة الإثارة والتهريج والاستخفاف بالقراء والمبادئ، تعمل، ولا هدف لها سوى زيادة التوزيع وامتلاء جيوب أصحاب هذا النوع من الصحف والمجلات بالمال.
مغامرة صالح مرسى
مغامرة صحفية أخرى ــ لكنها حقيقية هذه المرة ــ وقعت بينما كنت محررًا جديدًا فى «صباح الخير» قام بها زميل قديم فى المجلة هو صالح مرسى.. الذى اختفى فجأة ولم يعد يحضر إلى العمل.. وتصوّرنا أنه ربما عاد لحياته السابقة كبحار يعيش معظم الوقت على ظهر سفينة فى البحار المترامية الأطراف.. أو ربما وجد لنفسه مجلة تنشر قصصه القصيرة وتعامله كأديب وليس كصحفى.. مع أن «صباح الخير» نشرت له كل القصص التى ضمتها أول مجموعة قصصية بعنوان «الخوف»..
وذكر بعض الزملاء الكبار أن مشكلة وقعت بين صالح مرسى والناقد رجاء النقاش عندما كتب الناقد وهو من أوائل من التحقوا بـ«صباح الخير» فى بدايتها، مقالًا نقديًا قال فيه إن قصص صالح مرسى ليست أدبًا!
فما كان منه إلا أن كتب مقالًا هائجًا ردًا على رجاء النقاش وصفه فيه بأنه من النقاد الذين لا يقرءون ما يكتبون عنه ولا علاقة لهم بفن النقد الأدبى وأصوله!
هل دفعه الإحباط للاختفاء؟
فهل يكون صالح مرسى قد تأثر بالمقال الذى اتهمه بأنه ليس أديبًا وأن ما يكتبه ليس أدبًا، وأصابته مشاعر إحباط وهزيمة دفعت به إلى الاختفاء من المجلة وترك العمل؟!
لم يكن هذا مؤكدًا.. فصالح مرسى نشر قصصًا وروايات فى أكثر من مجلة ولا نميل إلى الاعتقاد بأن مقالًا نقديًا واحدًا قد يحطمه ويجعله يتوقف عن الإبداع..
لكن أين هو؟
تبخر السؤال بعد فترة.. وانشغلنا فى المجلة بأمور وحكايات أخرى..
وفجأة ظهر زميلنا الذى حيرّنا باختفائه.. وعلمنا أنه كان يخوض مغامرة صحفية أدبية لم تكن لتخطر على بال أحد منا ونحن نحاول فك لغز اختفائه المفاجئ الذى لم يكن يعلم سببه أحد.
مغامرة فعلا.. فقد قرر الأديب والصحفى صالح مرسى أن يترك العمل فى المجلة ويلتحق بعمل آخر.. قرر أن يخوض تجربة العمل فى مقهى بلدى فى حى الحلمية المجاور فى السيدة زينب.. فى وظيفة «قهوجى»! مع أنه أديب وبحار سابق وصحفى حاليا.. ودرس فى الجامعة (بالانتساب) وقرأ ما لا حصر له من الكتب والروايات وكانت رواية «بداية ونهاية» وراء انغماسه فى كتابة القصص والروايات منذ صغر سنه، فكيف يترك كل هذا ليعمل فى مقهى؟!
لا أحد يفهم.. لا أحد لديه تفسير لما جرى لهذا الزميل القديم..
وكان لا بد للغموض أن ينكشف ونعرف له تفسيرًا، وما حدث بعد ذلك هو أن صاحب المغامرة غير المفهومة لنا وغيابه المفاجئ وعودته المفاجئة أيضا فسّر لنا كل شيء بنفسه، قال إنه فكّر أن يتقمص الشخصية الرئيسية التى يرسمها فى روايته الجديدة حتى تأتى نابضة بالحياة، وهى شخصية صحفى يتحوّل إلى «قهوجى» هو بطل الرواية التى كتبها ونشرت مسلسلة بعد ذلك فى «صباح الخير» بعنوان «الكداب» وحققت نجاحًا كبيرًا، وتحوّلت فيما بعد إلى فيلم سينمائى قام ببطولة محمود ياسين وميرفت أمين ومديحة كامل من إخراج صلاح أبوسيف سنة 1975.

والرواية التى نُشرت مسلسلة فى المجلة يقوم بطلها الصحفى بالتخفى فى مهنة «قهوجي» حتى يتمكّن من رصد تفاصيل تكشف جرائم يتم ارتكابها وتحيطها السرية والغموض!
لكن صالح مرسى اختفى مرة أخرى لأسباب لا أعرفها وربما يعرفها غيرى، ليظهر بعد فترة فى مجلة «المصور» الصادرة عن دار الهلال..
وبعد ذلك بفترة طويلة وجدناه يحقق شهرة واسعة من خلال كتابة قصص سينمائية وتليفزيونية ومسلسلات شهيرة استمد وقائعها وشخصياتها من وقائع حقيقية رصدتها ملفات المخابرات، وكان أولها فيلم «الصعود إلى الهاوية» ثم مسلسلات «رأفت الهجان» وغيرهما.
فضيحة «الهواء الأسود»
وهناك مغامرة صحفية شهيرة لا أنساها، قام بها أحمد رجب وكان وقتها محررا فى مجلة «الكواكب» قبل أن ينتقل إلى دار «أخبار اليوم» ويلمع اسمه فيها بوصفه أشهر كاتب صحفى ساخر.
أما مغامرة أحمد رجب فكانت تنطوى على عملية فضح سافر لادعاءات بعض نقاد الأدب وكشف لجهلهم.
وقد أقدم على ذلك بحيلة مدهشة حيث كتب بنفسه رواية قصيرة بعنوان «الهواء الأسود» وادعى أنه ترجمها وأنها من تأليف الكاتب التشيكى الشهير فرانز كافكا.. وقام بعرضها على عدد من النقاد وحصل على تعليقاتهم وآرائهم النقدية حول هذه الرواية، فإذا بهم يستغرقون فى تمجيدها كعمل متميز من أعمال الكاتب الذى اشتهر برواياته الكئيبة التى لا مثيل لها فى الأدب العالمى.
وامتلأت مقالات وتعليقات هؤلاء النقاد بالتعبيرات والمصطلحات والفذلكات التى توهم أى قارئ بأنهم متبحرون فى فنون الأدب والنقد ومتابعون لكل جديد فيه، إلى أن كشف هذا الصحفى المغامر عن الحقيقة وهى أنه المؤلف وليس كافكا.. وكتب تحقيقه المثير تحت عنوان «فضيحة الهواء الأسود» ناشرا نصوص وتعليقات وتنظيرات هؤلاء النقاد ومعها توقيعاتهم، وأثارت هذه المغامرة الصحفية ضجة كبيرة وقتها.
وفى الأسبوع المقبل نواصل