نجيب محفوظ وليالى ألف ليلة
زينة الإنسان وحياة الروح
د. عزة بدر
نداء عجيب لا يقاوم، دفع سندباد إلى رحلاته وأسفاره، ودفع شهريار لأن يفكر، ويصغى لصوت العقل، ويسعى لحياة الروح.
.. نجيب محفوظ جعل شخصيات لياليه الألف، تتقاسم الرغبة فى تبادل الخبرات والمعارف، وتتبادل التأثير فى حراك فعّال دائم بين الملك والرعية، حيث تسمو الرغبة فى الإدراك والفهم على مآرب الذات وخطفات النظرات الضيقة ليطلوا على عالم وسيع جديد، وآفاق متفتحة.

الحركة بركة
عندما تمرد سندباد على حياته الرتيبة وتطلع إلى تجديدها، هنا بدأت لحظات التغيير التى ينشدها فإذا به يقول لأصدقائه: «لا أمل فى مشهد جديد، هناك حياة أخرى، يتصل النهر بالبحر، يتوغل البحر فى المجهول، يتمخض المجهول عن جزر، وجبال، وأحياء، وملائكة وشياطين، ثمة نداء عجيب لا يقاوم، قلت لنفسى: جرب حظك يا سندباد، وألق بذاتك فى أحضان الغيب، فسانده «نور الدين» بياع العطور: الحركة بركة، فرد السندباد: تحية جميلة من زميل الصبا».
ومن هذه الرحلات والأسفار التى غيرت حياة «سندباد»، استطاع أن يكون شخصية مؤثرة فى حياة شهريار، فلم يجعل محفوظ «شهرزاد» وحدها هى صاحبة التأثير الوحيد عليه، لكنه جعل شخصيات أخرى تملك هذا التأثير، ويبدو «سندباد» من أبرز هذه الشخصيات بتأملاته، وقدرته على تقديم خبراته من أسفاره لشهريار، الذى أصغى لحكمة التجربة، وغناها، وإن تظاهر بالكبرياء، وضجره من فضول القول أو التزيد فيه، فيقول للسندباد: «حدثنى قوم عن رحلاتك، فرغبت أن أسمع منك ما تعلمته منها إن كنت حظيت منها بعلم نافع، فلا تكرر إلا ما تقتضيه الضرورة».
ويحكى السندباد من رحلاته ما يستدعى به أهم القيم الروحية، والمعنوية التى من شأنها أن تسمو بالفرد، ومن جانب خفى يريد أن يقول للملك إنه لا يكفى أن يمتلك المرء القدرة والمعجزة، وإنما المهم أن يمضى فى طريقه مستهديًا بنور الله، وفى القلب ذلك الإيمان بقوة المعتقد وحب الوطن فيحكى السندباد لشهريار:
«غرقت السفينة كسابقاتها، ولدت أنا بجزيرة تستحق أن أدعوها جزيرة الأحلام، جزيرة غنية بالحسان من كل لون وشكل، مال قلبى إلى إحداهن فتزوجت منها، وسعدت بها، ولما اطمأن القوم إلىَّ، ركبوا تحت إبطى ريشًا، وأخبرونى بأننى أستطيع أن أطير وقتما أشاء، وسررت بذلك جدًا، وتوثبت لاقتحام التجربة، التى لم يجربها إنسان قبلى غير أن زوجتى قالت لى سرًا:
احذر أن تذكر اسم الله، وأنت فى الجو، وإلا احترقت، وفى الحال أدركت أن دم الشيطان يجرى فى دمائهم، فنفرت منهم وطرت مصممًا على الهرب، وسبحت فى الجو طويلاً، ولا هدف لى إلا مدينتى حتى بلغتها بعد أن آيست من ذلك، فالحمد لله رب العالمين».
ثم يقطر السندباد حكمته فى عبارات مكثفة، عميقة المعنى فيقول:
«تعلمت يا مولاى أن الإنسان قد تتاح له معجزة من المعجزات، لكن لا يكفى أن يمارسها، ويستعلى بها، وإنما عليه أن يقبل عليها مستهديًا بنور من الله يضىء قلبه».

فى ضوء الحقيقة
عمق التأمل، والتفكر كانا درسى السندباد وحصاده من أسفاره فيحكى عما أصابه من مقادير، وعن عزمه وتقديره للأمور من منظور العقل فيقول فى حكايته:
كان ما ظنناه أرضًا لم يكن إلا ظهر حوت كبير أزعجته حركتنا فوقه، فمضى إلى عالمه يحف به الجلال، وسبحت مسلمًا أمرى للمقادير حتى ارتطمت يداى بصخور، ومنها زحفت إلى جزيرة حقيقية، يجرى فيها الماء، وتكثر الفاكهة، عشت بها زمنًا حتى مرت بى سفينة فنجوت بها».
وهنا يمزج محفوظ بين سرد الحكاية، والرؤية كنتيجة أو كدلالة وعبرة، فيتراوح السرد بين مخيال الحكاية، وبين بلورة ما وراء النص فيقول السندباد: «تعلمت يا مولاى أول ما تعلمت أن الإنسان قد ينخدع بالوهم فيظنه حقيقة، وأنه لا نجاة لنا إلا إذا أقمنا فوق أرض صلبة، فإنه لما غرقت سفينتنا فى رحلتنا الأولى، سبحت متعلقًا بلوح من ألواحها حتى اهتديت إلى جزيرة سوداء، شكرنا الله أنا ومن معى، وجلنا فى أنحائها، نفتش عن ثمرة، ولما لم نجد تجمعنا على الشاطئ، متعلقة آمالنا بأى سفينة تعبر».
ثم ينتقل السرد من الحكاية، وبلورة الهدف منها، إلى الحوار والأسئلة حول الحكاية مما يستثير العقل، ومتعة التأمل، ويصبح الملك شهريار طرفًا مصغيًا لما طرح أمامه من رؤى، وما دار فى ذهنه من أسئلة، فيقول:
«وكيف تفرق بين الوهم والحقيقة؟
فقال السندباد بعد تردد: علينا أن نستعمل ما وهبنا الله من حواس وعقل.
فهز السلطان رأسه وقال:
- استمر يا سندباد
فقال: تعلمت أيضًا أن النوم لا يجوز إذا وجبت اليقظة، وأنه لا يأس مع الحياة».
لم تقف الحكايات عند تفاصيل رحلات السندباد، أو بلورة خلاصتها الفكرية أو المعنوية، لكن اهتم محفوظ برجع صداها أو «التغذية المرجعية» من قبل شهريار، وهو الأمر الذى يؤثر فى تطور الشخصية، ورصد تفاصيل تغيرها، والمؤثرات التى ساعدتها على التغيير، فعن سفرة أخرى يقول السندباد لشهريار: «تعلمت أيضًا يا مولاى أن الطعام غذاء عند الاعتدال، ومهلكة عند النهم، ويصدق على الشهوات ما يصدق عليه، فقد تحطمت السفينة كسابقتها، فوجدنا أنفسنا فى جزيرة يحكمها ملك عملاق، لكن كريم مضياف، رحب بنا ترحيبًا فاق جميع آمالنا، ولم يكن لنا فى كنفه إلا الاسترخاء والسمر، وقدم لنا صنوف الطعام وألوانه ما لا تخطر ببال فأقبلنا على الطعام كالمجانين».
.. ويتخلل السرد استشهاد من كلمات الشيخ عبدالله البلخى «خطاب شفاهى» مؤثر، يدخل فى نسيج الحكاية فيجعل لها تأثيرًا معززًا فيقول السندباد: «غير أن كلمات قديمة، تلقيتها فى صباى عن مولاى الشيخ عبدالله البلخى، صدتنى عن الإفراط، ويسرت لى وقتًا طويلًا طويلًا للعبادة، على حين أنفق أصحابى وقتهم فى التهام الطعام، والنوم الثقيل».
المظاهر خادعة
وتضمنت حكاية السندباد تلك المشاهد الغرائبية القاسية، والعجائب المريبة التى شافها فى رحلته فيقول: «وجاء الملك ذات يوم فتأملنا رجلاً رجلاً، ثم دعا أصحابى إلى قصره، والتفت إلىَّ قائلًا فى ازدراء: إنك كالأرض الصخرية لا تثمر فحزنت لذلك، وخطر لى أن أتسلل بليل لأرى ما يفعل أصحابى، فرأيت رجال الملك، وهم يذبحون الربّان، ويقدمونه للملك فالتهمه بوحشية، وتلذذ، فطنت فى الحال إلى سر كرمه، وهربت إلى الشاطئ حتى أنقذتنى سفينة».
وهنا يبرز رجع الصدى لحكاية السندباد، وتأثيرها على شهريار الملك الذى يدرك بعمق مغزى الحكاية، فقال:
- أبقاك تورعك يا سندباد، ثم قال وكأنما يحادث نفسه:
- ولكن الملك أيضًا فى حاجة إلى الورع».
وفى ليالى محفوظ أيضًا، حديث عن التقاليد وكيف ينبغى للحاكم أن يراجعها وللرعية أن تعيد النظر فى اتباعها وبالذات تلك التى تخص وضع المرأة الاجتماعى، الذى يعد دليلًا على حالة مجتمع، ونصيبه من العقل والإنسانية والتحضر، وفى الحكاية يتحدث سندباد عن إحدى سفراته، حيث تعرضت السفينة التى أبحرت به ونفر من المسافرين للغرق، فلاذ هو ومن معه إلى جزيرة غنية معتدلة الجو، يسودها السلام، ويحكمها ملك طيب، اعتبرهم من رعاياه، لهم ما لرعاياه، وعليهم ما عليهم، ففرحوا بذلك، وطابت لهم الحياة، وقد اتخذوا زوجات جميلات من جوارى الملك، لكن المفاجأة حدثت بعد وفاة إحدى الزوجات فتم تجهيزها للدفن، وجاء الملك وأخبر صاحبهم الأرمل بأن تقاليدهم تقضى بدفن الزوج حيًا مع زوجته المتوفاة، وهو أمر يجرى على الزوجة إذا سبقها الزوج إلى النهاية، فارتعب الرجل قائلًا للملك: ولكن ديننا لايكلفنا بذلك.
ولكن الملك قال له: لاشأن لنا بدينكم وتقاليدنا مقدسة.
وبالفعل دُفن الرجل حيًّا مع زوجته، فخاف السندباد، وراقب زوجته الجميلة مشفقًا، عندما جاءها المخاض، وساءت حالتها، فاضطر إلى الهرب، حتى عبرت سفينة ذات يوم قريبًا من الشاطئ فألقى بنفسه فى الماء، وسبح نحوها وهو يستغيث.

فما كان من الملك شهريار إلا أن أصبح ثائرًا على التقاليد البالية، وأصبح الملك الذى كان يقتل كل ليلة عذراء جميلة لأن زوجته خانته، يفكر بما اقترف فى حقوق العذارى البريئات، ودمائهن التى أراقها دون ذنب.
وبات ضميره هو الذى يتكلم فقال لنفسه:
التقاليد هى الماضى، ومن الماضى ما يجب أن يصبح فى خبر كان.
الحرية كنز الإنسانية
فى ليالى محفوظ، لم تكن شهرزاد هى التى تحكى عن الشخصيات، وتواصل السرد كل ليلة، لكن الشخصيات نفسها هى التى تحكى، وتتولى أمر سردها، فها هو شهريار يجد البديل، وها هو السندباد يواصل الحكى، وشهريار يأمره بالاستمرار فيه، قائلًا: استمر يا سندباد.
فيحكى قصته مع الحرية، التى هى حياة الروح فيقول فى حكايته:
سفينتنا عاصفة أودت بها فلم ينج من رجالها سواي، قذف بى الموج إلى جزيرة فيحاء، معتدلة الجو، غنية بالثمار والجداول، فشبعت وارتويت واغتسلت، ومضيت فى جنباتها مستطلعًا فصادفنى عجوز ملقى تحت شجرة لا حول له ولا قوة فتوسل إليّ قائلًا: إنى عاجز كما ترى فهلا حملتنى إلى كوخى.
وأشار بذقنه ناحيتى، فما ترددت عن حمله، ورفعته فوق منكبى، وسرت به إلى حيث أشار، فلم أعثر لكوخه على أثر فسألته:
- أين مأواك يا عم؟
فقال بصوت قوى غير الذى خاطبنى به أول مرة:
- الجزيرة مأواى، وهى جزيرتى ولكنى فى حاجة إلى من يحملنى.
فأردت إنزاله عن كاهلى، ولكنى عجزت عن زحزحة رجليه عن عنقى وضلوعى كأنما هو بناء مثبت بالحديد فتوسلت إليه بدورى:
- اتركنى وستجدنى عند الحاجة فى خدمتك.
ولكنه ضحك ساخرًا منى متجاهلًا لتوسلاتى.
ويصف سندباد تلك العبودية، التى لم يطب له معها صحو ولا منام، ولا لذيذ مأكل أو مشرب، حتى خطرت له فكرة أن يُسكره أو يجعله ثملًا فيستطيع عندما تتراخى عضلاته الفولاذية عن رقبته أن يهرب، فعصر عنبًا وتركه ليختمر فى حفرة وسقاه منه وعندما تراخت عضلاته ألقاه عن كاهله، وقضى عليه بحجر!!
هكذا حكى السندباد، فما كان من شهريار إلا أن أدرك المغزى فما معنى ما لذ وطاب من الطعام والشراب، والإنسان عبد شهواته جميعًا، فتنهد قائلًا:
ما أكثر ما يستعبدنا فى هذه الدنيا.. ومن هذه الحكاية يبرز سندباد قيمة الحرية فيقول:
تعلمت أيضًا يا مولاى أن الحرية حياة الروح، وأن الجنة نفسها لا تغنى عن الإنسان شيئًا إذا خسر حريته.
استيقظت فى نفس شهريار عذابات، وتوهج ضميره بالأسئلة، المدركات وغوامض الأشياء، الخبرات التى عرفها والمعارف التى اكتسبها كأنه هو الذى قام بالأسفار والارتحالات لكن داخل الذات، ويصف نجيب محفوظ ذلك فيقول: أطبقت على أذنيه أنّات العذارى، هدير المؤمنين، غناء المنافقين، نداءات اسمه من فوق المنابر، تجلى له زيف المجد الكاذب كقناع من ورق مهترئ لا يخفى ما وراءه من ثعابين القسوة، والظلم والنهب والدماء.
اعترافات شهريار
كل من قابلهم الملك شهريار من شخصيات فريدة، وما استمع إليه من حكايات مؤثرة جعلته يضطرم بمشاعر عميقة من عدم الرضا عن الذات، والضجر بما كان منه فى حياته السابقة، وفى حوار صاخب مع شهرزاد يكشف شهريار عن ذاته المجروحة بالذنوب فيقول:
أوشكت أن أضجر من كل شيء فقالت بإشفاق: الحكيم لا يضجر يا مولاى.
فتساءل بامتعاض: أنا، الحكمة مطلب عسير، إنها لا تورث كما يورث العرش.
- المدينة اليوم تنعم بحكمك الصالح.
- والماضى يا شهرزاد
- التوبة الصادقة تمحق الماضى.
- وإن حفل بقتل الفتيات البريئات، والأفذاذ من أهل الرأي؟
فقالت بصوت متهدج:
- التوبة الصادقة..
ولكنه قاطعها: لا تحاولى خداعى يا شهرزاد.
- ولكنى يا مولاى أقول الحق
وهنا يكاشفها شهريار بحقيقة مشاعرها نحوه، يكشف ما تستره من عواطف الغضب والحنق.
- الحق أن جسمك مقبل، وقلبك نافر.
فزعت كأنما تعرّت فى الظلام فهتفت محتجة: مولاى
- لست حكيمًا ولكنى لست أحمق أيضًا، طالما لامست احتقارك ونفورك تمزقت نبراتها وهى تقول:
- علم الله…
لكنه قاطعها.. لا تكذبى ولا تخافى، لقد عاشرت رجلًا غارقًا فى دماء الشهداء.
ويألم شهريار لكنه يفصح عن عذاباته المستترة وراء عنفه وجبروته، إنه يُعذّب نفسه. بنفور شهرزاد منه فيقول لها: أتدرين لم أبقيت عليك قريبًا مني؟
لأنى وجدت فى نفورك عذابًا متواصلًا أستحقه، أما ما يحزننى هو أننى أومن بأننى أستحق جزاءً أشد.
وعندما لم تتمالك شهرزاد نفسها، بكت فقال لها برقة: ابك يا شهرزاد، فالبكاء أفضل من الكذب.
نداء الخلاص
صارحها شهريار بأنه يجب أن يذهب حاملًا ماضيه الدامى، ويفصح عن معاناته.
على مدى عشر سنوات عشت ممزقًا بين الإغراء والواجب، أتذكر وأتناسى، أتأدب وأضجر، أمضى وأندم، أتقدم وأتأخر، أتعذب فى جميع الأحوال، آن لى أن أصغى إلى نداء الخلاص، نداء الحكمة.
ويدهشنا محفوظ ببداية أخرى جديدة وطاقة شعورية تتولد فى نفس شهرزاد فتقول له:
إنك تنبذنى وقلبى يتفتح لك.
فقال بصرامة: لم أعد أبحث عن قلوب البشر.
- إنه قضاء معاكس يعبث بنا.
- علينا أن نرضى بما قدر لنا.
فقالت بمرارة: مكانى الطبيعى هو ظلك.
فقال بهدوء لا يتأثر بالانفعالات:
السلطان يجب أن يذهب بما فقد من أهلية، أما الإنسان فعليه أن يجد خلاصه.
- إنك تُعرض المدينة لأهوال.
- بل إنى أفتح لها باب النقاء، وأهيم على وجهى باحثًا عن خلاصى.
بهذا الحوار العميق تكشف الشخصيتان عن أعماقهما كما لو كانتا على خشبة مسرح ونحن النظّارة نبصر ونسمع، وننصت برهافة إلى مشاعر تضطرم، وقلوب تتغير، ومصائر تكتب من جديد، فليس هذا هو شهريار الذى نعرفه، وقد تغير باحثًا عن ذاته الجديدة، وخلاصه.
وليست هذه هى شهرزاد التى نعرفها غاضبة متمردة على ظلمه وسطوته، تداهنه، وتصنع له الحكايات على بال هادئ، وخاطر دافئ، وقلبها مروع بالخوف، والرعب، والإشفاق على نفسها وعلى بنات جنسها من قسوته وظلمه، ويديه الملطختين بالدماء، إنها بالفعل قد لمست بشائر تغيره، تحس بما يولد فى قلبه من معان جديدة.
لكن مشهد الختام يبدو اللحظة الأقوى فى هذه الرواية، فيعترف شهريار بدور شهرزاد فى حياته، المرأة التى حولته من وحش إلى إنسان يبحث عن باب النقاء.
ويصور كاتبنا ذلك فيقول:
مدّت راحتها إلى راحته فى الظلام، لكنه سحب يده قائلًا:
انهضى لمهمتك، لقد أدبت الأب، وعليك أن تعدى الابن لمصير أفضل.
.. وبهذه الكلمات يكون «شهريار» قد سكت عن الكلام المباح، فاتحًا باب النقاء واسعًا لنفسه المعذبة.
ويكون محفوظ قد قدم لنا فى لياليه الألف مؤمنًا بأن خلاص الفرد يؤدى إلى خلاص المجموع، وأن الطريق طويلة فى البحث عن الذات لكى تهتدى النفس الإنسانية إلى فضائلها، وأن قيم الحرية، وإعمال العقل، والسعى فى ضوء الحقيقة لا الوهم، وقوة الإيمان والمعتقد هى القيم التى تجعل الإنسان إنسانًا.