د.سمية عسلة
هل تلجأ إيران لسلاح «النوبة القلبية»؟!
يمر العالم والمنطقة بلحظة فارقة تجاوزت حدود المناوشات المحدودة لتدخل طور «الاستعداد العملياتى الشامل»، حيث تتقاطع الجسور الجوية الأمريكية لتعزيز الترسانة العسكرية مع تحذيرات إيرانية بضربات صاروخية غير مسبوقة.
تشير التحركات العسكرية والدبلوماسية خلال الساعات الماضية إلى أن المنطقة تجاوزت مرحلة «التحرش العسكرى» المحدود ودخلت فى طور «الاستعداد العملياتى للهجوم الشامل». هذا التحول يرتكز على خمس ركائز أساسية أولها الجسر الجوى الأمريكى وعقيدة «المخازن المفتوحة» والذى تبلور فى إعلان وزارة الدفاع الإسرائيلية عن استقبال 6500 طن من الذخائر والمعدات عبر جسر جوى وبحرى ليس مجرد دعم لوجيستى، بل مؤشر تقنى على التحضير لعملية «كثافة نارية»، حيث أشارت تقارير صحيفة Times of Israel إلى أن هذه الشحنات تضم قنابل مخترقة للتحصينات وصواريخ اعتراضية لتعويض النقص الذى خلفته جولات القتال السابقة، فضلًا عن البعد السياسى، حيث إن عرض بنك الأهداف الجديد على إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يعكس تنسيقًا لضمان «غطاء سياسى» دولى لأى ضربة استباقية قد تستهدف منشآت نووية أو حيوية إيرانية.
ونشرت الولايات المتحدة صواريخ النسر المظلم الفرط الصوتية (Hypersonic) والذى يغير قواعد اللعبة.
فبالأرقام تتجاوز سرعة الصاروخ «5 ماخ»، ما يجعل اعتراضه من قبل منظومات (S-300) الإيرانية أمرًا صعبًا.
وبحسب تقارير ABC News الأمريكية الهدف هو ضرب منصات الصواريخ الإيرانية المحصنة التى نُقلت إلى أعماق جغرافية بعيدة، حيث توفر هذه الصواريخ قدرة «الضربة الخاطفة» التى لا تعطى الخصم وقتًا للاستعداد.
فى المقابل لم تقف إيران موقف المتفرج، بل انتقلت إلى استراتيجية «الردع بالمجهول» باستعراض سلاح النوبة القلبية، حيث تشير التقديرات العسكرية إلى أن السلاح الذى لوّح به قائد البحرية الإيرانية قد يكون الصاروخ الصينى CM-302 (وهو النسخة التصديرية من YJ-12)، الذى يطلق عليه «قاتل حاملات الطائرات»، وهو ما يهدد الوجود البحرى الأمريكى فى مضيق هرمز.
وجود مقاتلات Su-35 بعد صفقة الـ6.5 مليار دولار مع روسيا يعنى أن إيران تسعى لسد ثغرة «التفوق الجوى» التقليدى للغرب، ما يجعل أى هجوم جوى على إيران عملية مكلفة جدًا وغير مضمونة النتائج.
تقاطعت محاولات استهداف رأس الهرم السياسى الأمريكى مع انسداد كامل فى قنوات الدبلوماسية الخلفية بين واشنطن وطهران، حيث تثير محاولة استهداف الرئيس ترامب خلال «عشاء مراسلى البيت الأبيض» تساؤلات حادة حول الثغرات الأمنية المتكررة فى جهاز الخدمة السرية.
ويأتى الحادث فى وقت تشير فيه استطلاعات الرأى إلى تراجع ملحوظ فى شعبية ترامب. ومن منظور التحليل السياسى، غالبًا ما تُستخدم «نظرية المظلومية» لإعادة حشد القواعد الشعبية وتصدير صورة الزعيم المستهدف من «الدولة العميقة»، وهو ما قد يستغله ترامب لتعزيز موقفه الانتخابى والسياسى.
ويبدو أن الدبلوماسية السرية بين واشنطن وطهران قد انهارت تمامًا، ما ينذر بمواجهة مباشرة، فقد لوحظ إحراج الوزير الإيرانى «عباس عراقجى» للوفد الأمريكى المبعوثين «ديفيد كوشنر وويتكوف» عبر تقديم ورقة مطالب ومغادرة باكستان على الفور، وهو ما يعكس قناعة إيرانية بأن إدارة ترامب لا تقدم تنازلات حقيقية، ما دفع ترامب لفرض معادلة الحصار مقابل الصواريخ بانتقال التهديد من «مقر خاتم الأنبياء» التابع للحرس الثورى، و«السفارة الإيرانية فى جنوب أفريقيا» إلى التلويح بـ«أكبر هجوم صاروخى فى التاريخ» ما يضع القواعد الأمريكية فى المرمى بشكل صريح. حيث تتبنى إيران الآن عقيدة «الدفاع الهجومي»؛ ردًا على ما تصفه بالحصار البحرى الأمريكى.
الواضح أننا أمام مشهد من «السيولة الأمنية الشاملة»؛ حيث يسعى ترامب لترميم الداخل الأمريكى فى حين تقترب المنطقة من نقطة «الصدام المباشر» فى حال تنفيذ إيران تهديداتها الصاروخية، أو حال أقدمت إسرائيل على استغلال حالة الانشغال الأمريكى بالداخل لتنفيذ ضربة استباقية.