الجمعة 5 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

توسيع مظلة الحماية الاجتماعية

نقاشات ساخنة «تحت القبة» لتعديل قانون التأمينات والمعاشات بالتزامن مع عيد العمال



 

فى شهر مايو، ومع الاحتفالات بعيد العمال وحرص الدولة على توفير الحماية الاجتماعية للعاملين، شهد البرلمان بغرفيته «النواب والشيوخ» مناقشات حادة وساخنة حول تعديل قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، وفى توقيت يحمل دلالات رمزية واجتماعية مهمة كخطوة تعكس توجه الدولة نحو تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية وضمان حقوق العاملين وأصحاب المعاشات باعتبارهم أحد أعمدة الاستقرار المجتمعى.

 

وجاءت المناقشات داخل البرلمان بغرفتيه، لتؤكد أهمية هذا الملف الحيوى الذى يمس ملايين المواطنين، حيث شهدت الاجتماعات جدلًا واسعًا بين التأييد والدعوة لمزيد من الدراسة حول التعديلات، وسط تأكيد حكومى على أن التعديلات تستند إلى أسس مالية واكتوارية دقيقة تستهدف تحقيق الاستدامة للنظام التأمينى.

وتم عرض التعديلات الجديدة لمشروع القانون على الجلسة العامة لمجلس النواب أمس، وسط مناقشات ساخنة باعتبار هذا الملف يتعلق بملايين المواطنين، كما تمثل تعديلات قانون التأمينات والمعاشات محطة مهمة فى مسار تطوير منظومة الحماية الاجتماعية فى مصر، حيث تسعى الدولة من خلالها إلى تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.

وخلال الاجتماعات التى تمت الأسبوع الماضى لمناقشة تعديلات القانون، وافقت لجنة القوى العاملة بمجلس النواب برئاسة الوزير السابق د.محمد سعفان، نهائيا على مشروع القانون المقدم من الحكومة، بعد مناقشات موسعة شارك فيها عدد من المسئولين من بينهم المستشار هانى حنا عازر وزير شئون المجالس النيابية واللواء جمال عوض رئيس الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية والمستشار محمد عبدالعليم كفافى المستشار القانونى لرئيس مجلس النواب.

 

 

 

وشهدت الاجتماعات تنسيقًا واضحًا بين الحكومة والبرلمان، ما يعكس حرص المؤسستين على الخروج بتشريع متوازن يحقق الصالح العام حيث أكدت اللجنة أن موافقتها جاءت انطلاقًا من تحقيق مشروع القانون للتوازن المالى الذى يقوم عليه النظام التأمينى وضمان قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات.

 أبرز التعديلات

فى الوقت ذاته أقر مجلس الشيوخ خلال جلساته مشروع القانون نهائيًا بعد مراجعة تقرير اللجنة المشتركة من لجان الطاقة والبيئة والقوى العاملة والتضامن الاجتماعى مع إدخال تعديلات جوهرية، أبرزها الاكتفاء بتعديل المادة (111) فقط وحذف مادتين من مشروع الحكومة بعد التوافق، ويعد تعديل المادة (111) جوهر التعديلات المطروحة حيث يستهدف إعادة هيكلة التزامات الخزانة العامة تجاه الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى من خلال رفع قيمة القسط السنوى الذى تسدده الدولة، وبموجب التعديل يرتفع القسط السنوى إلى نحو 238.55 مليار جنيه خلال العام المالى 2025/2026 مقارنة بنحو 227 مليار جنيه وفق التقديرات السابقة بزيادة تقدر بنحو 11 مليار جنيه، فى خطوة تعكس التزام الدولة بتعزيز الموارد المالية للنظام التأمينى.

كما نص التعديل على إعادة تنظيم آلية زيادة هذا القسط، بحيث يبدأ بمعدل نمو سنوى مركب قدره 6.4% اعتبارا من يوليو 2026 على أن ترتفع هذه النسبة تدريجيا بواقع 0.2% سنويا لتصل إلى 7% بحلول يوليو 2029، إضافة إلى إدراج مبلغ ثابت قدره مليار جنيه سنويا لمدة 5 سنوات، ويمتد سداد هذه الأقساط على مدار 50 عامًا، وهو ما يعكس رؤية طويلة الأجل لإدارة الالتزامات المالية وضمان استقرار النظام التأميني.

ولا يقتصر التعديل على زيادة القسط السنوى فقط، بل يشمل أيضا إعادة تنظيم العلاقة المالية بين الخزانة العامة وصناديق التأمين الاجتماعى من خلال إدراج عدد من البنود التى تهدف إلى تسوية التشابكات المالية التاريخية، وتشمل هذه الالتزامات المديونيات المستحقة على الخزانة العامة والعجز الاكتوارى للنظام والأرصدة المودعة لدى بنك الاستثمار القومى، بالإضافة إلى الصكوك والسندات الحكومية، وديون مستحقة على جهات حكومية أخرى.

ويؤكد هذا التوجه سعى الدولة إلى إغلاق الملفات المالية العالقة ووضع إطار واضح ومستقر لإدارة أموال التأمينات بما يعزز من قدرة الهيئة على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.

فى المقابل قررت اللجنة المشتركة حذف المادتين (22) و(156) من مشروع القانون، موضحة أن قواعد تسوية الأجور والمعاشات تحتاج إلى معالجة شاملة فى إطار متكامل يرتبط بالتمويل والتوازن المالى للنظام، وأكدت اللجنة أن أى تعديل فى هذه القواعد يجب أن يستند إلى دراسات اكتوارية دقيقة لضمان تحقيق التوازن بين الاشتراكات والمزايا والحفاظ على استقرار النظام التأمينى وهو ما تم التوافق عليه مع الحكومة.

 جدل نيابى

ورغم التوافق النسبى حول مشروع القانون شهدت المناقشات داخل لجنة القوى العاملة حالة من الجدل خاصة فيما يتعلق بآليات إعداد مشروعات القوانين ومدى إشراك النواب فيها، وأثار النائب عبدالمنعم إمام نقاشًا واسعًا حول ضرورة إعطاء مشروعات القوانين المقدمة من النواب حقها الكامل فى الدراسة، منتقدًا ما وصفه بتأخر مناقشة بعض هذه المشروعات.

كما شهدت الجلسات اعتراضات من بعض النواب ومطالبات بضرورة توضيح الأسس الاكتوارية التى بنيت عليها الأرقام الواردة فى مشروع القانون، مؤكدًا أهمية الشفافية فى هذا الملف الحيوى، ودعا عدد من النواب إلى ضرورة استغلال هذه التعديلات لتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل فئات جديدة خاصة العمالة غير المنتظمة وأصحاب الحرف والمصريين بالخارج، وأكدوا أهمية تشديد الرقابة على القطاع الخاص لضمان الالتزام بسداد الاشتراكات التأمينية والتصدى لبعض الممارسات السلبية التى قد تؤثر على حقوق العمال.

وتم طرح بعض المقترحات بإنشاء صناديق تأمينية جديدة تستوعب مختلف الشرائح الاجتماعية بما يعزز من منظومة الأمان الاجتماعى فى مصر، بينما رفض النائب إيهاب منصور وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب هذا المقترح خلال اجتماع اللجنة، وشهدت الجلسة اعتراض محمد سعفان رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب على كلمة «بصمجى» التى ذكرها النائب إيهاب منصور وطلب حذفها من «المضبطة»، حيث قال منصور: «أنا أرفض مشروع القانون المقدم من الحكومة أين الدراسات الاكتوارية التى بنيت على أساسها هذه الأرقام الأمور غير واضحة وأنا مش بصمجى ومقدرش أوافق وخلاص».

مشروعات قوانين 

بالتوازى مع مشروع الحكومة تقدم عدد من النواب بمشروعات قوانين بديلة من بينها مشروع النائب عبدالمنعم إمام رئيس حزب العدل ووكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب والذى يتضمن 22 مادة يستهدف إدخال إصلاحات أوسع على منظومة التأمينات.

وتشمل هذه المقترحات رفع نسبة الزيادة السنوية للمعاشات، ومنح مزايا إضافية للمستفيدين من عوائد استثمار أموال التأمينات، وتحسين آليات احتساب المعاش، بالإضافة إلى تعزيز استقلالية الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى، كما تضمنت المقترحات تخفيف القيود على المعاش المبكر وتقديم تعويضات إضافية للمؤمن عليهم عن سنوات الخدمة الزائدة فى إطار تحقيق قدر أكبر من العدالة التأمينية.

فيما أكد وزير شئون المجالس النيابية أن المشروع المقدم من النائب عبدالمنعم إمام تم إرساله بالفعل إلى الجهات المختصة لدراسته وفق الإجراءات المتبعة، وشدد على حرص الحكومة على التعامل مع جميع المقترحات التشريعية بجدية، وأكدت الحكومة أن التعديلات تستهدف بالأساس دعم النظام التأمينى وتمكينه من الوفاء بالتزاماته تجاه المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات فى ظل التحديات الاقتصادية المتغيرة.

وأوضح رئيس لجنة القوى العاملة أن جميع الأرقام الواردة فى المشروع تستند إلى دراسات اكتوارية أعدتها الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية بما يضمن تحقيق الاستدامة المالية للنظام، كما شدد على التزام الهيئة بتقديم كافة الخدمات للمؤمن عليهم، والعمل على تطوير منظومة التأمينات بما يتماشى مع أفضل الممارسات.

وتعكس المناقشات الدائرة حول قانون التأمينات والمعاشات حالة من التفاعل الإيجابى بين الحكومة والبرلمان، فى محاولة للوصول إلى صيغة تشريعية تحقق التوازن بين الاستدامة المالية وتحسين مستوى المعيشة، ورغم اختلاف وجهات النظر، يتفق الجميع على أهمية تطوير هذا النظام الحيوى، بما يضمن حماية حقوق ملايين المواطنين، خاصة فى ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.

من جهته، أشاد النائب محمد أبوالنصر عضو مجلس الشيوخ عن حزب حماة الوطن بمشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن تعديل بعض أحكام قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، مؤكدًا أن هذه التعديلات تمثل خطوة مهمة على طريق تطوير منظومة الحماية الاجتماعية فى مصر وتعزيز قدرتها على مواكبة المتغيرات الاقتصادية الراهنة بما يضمن استدامة النظام التأمينى وتحسين كفاءته المالية والإدارية، موضحا أن مشروع القانون يستهدف إعادة تنظيم عدد من الآليات المرتبطة بتمويل منظومة التأمينات الاجتماعية، بما يسهم فى دعم استقرارها المالى على المدى الطويل ويعزز من قدرتها على الوفاء بالالتزامات المستقبلية تجاه أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم إلى جانب إدخال معالجات تشريعية أكثر تطورًا لتسوية الحقوق التأمينية بشكل يحقق قدرا أكبر من العدالة والكفاءة.

 

 

 

وأكد أبوالنصر أن الدولة تمضى بخطى واضحة نحو إحداث نقلة نوعية فى نظام التأمينات الاجتماعية، مشددًا على أهمية توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل جميع الفئات وخاصة الفئات الأولى بالرعاية التى لا تمتلك دخلًا ثابتًا مثل العمالة غير المنتظمة وأصحاب الحرف إلى جانب المصريين العاملين بالخارج بما يضمن تحقيق شمول تأمينى حقيقى.

وتابع: المرحلة الحالية تعد من أنسب الفترات لتنفيذ إصلاحات جذرية فى ملف التأمينات الاجتماعية، فى ظل حالة من الالتفاف الشعبى حول الدولة وما تشهده من نهج قائم على الشفافية والمكاشفة بما يعزز فرص نجاح هذه السياسات وتحقيق أهدافها لصالح المواطن.