حروب الاقتصاد OnLine
تحقيق: كريم عبدالكريم
لماذا يخشى الخبراء من العشوائية الرقمية؟!
لم يعد الاقتصاد الرقمى مجرد خيار أو رفاهية تكنولوجية.
بل هو واقع يفرض نفسه بقوة على العالم، ويعيد تشكيل مفاهيم العمل والإنتاج والتواصل، من تطبيقات الهاتف المحمول إلى الذكاء الاصطناعى.
ومن التجارة الإلكترونية إلى العمل الحر عبر الإنترنت.
يبدو المشهد وكأنه يحمل فرصًا لا حدود لها.
لكن خلف هذه الصورة المبهرة، تختبئ تحديات ومخاطر معقدة، قد تهدد التوازن الاقتصادى والاجتماعى إذا لم يتم التعامل معها بحذر.
فى هذا التحقيق، تستعرض مجلة صباح الخير آراء الخبراء فى الاقتصاد، لرصد مخاطر ومساوئ الاقتصاد الرقمى.

وفى البداية تناولت د.هدى الملاح، مدير عام المركز الدولى للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، مجموعة المخاطر والمساوئ المرتبطة بهذا التحول، مؤكدة أن الاقتصاد الرقمى رغم كونه نقلة نوعية فى عالم الأعمال والإنتاج والخدمات؛ فإنه فى الوقت نفسه يفرض تحديات كبيرة على المستويين الاقتصادى والاجتماعى والأمنى، قد تؤثر بشكل مباشر على استقرار المجتمعات إذا لم يتم التعامل معها بوعى وتنظيم.
أول وأبرز المخاطر فى فقدان الوظائف التقليدية نتيجة الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى، حيث أشارت إلى أن العديد من المهن التقليدية أصبحت مهددة بالاختفاء أو التقلص. هذا التحول يؤدى إلى زيادة معدلات البطالة، ولكن الأخطر أنه يخلق نوعًا من البطالة الهيكلية، أى بطالة ناتجة عن عدم توافق مهارات العمالة مع متطلبات سوق العمل الجديدة، وبالتالى يصبح الحل ليس فقط فى توفير فرص عمل؛ بل فى إعادة تأهيل وتدريب العمالة لتتناسب مع الاقتصاد الرقمى.
تشير الملاح إلى أن الاقتصاد الرقمى بطبيعته يميل إلى تركيز الثروة والقوة فى يد عدد محدود من الشركات التكنولوجية العملاقة، وهو ما يخلق ما يشبه الاحتكار أو الهيمنة السوقية، هذه الشركات تمتلك القدرة على السيطرة على البيانات والمنصات والخدمات الرقمية، ما يقلل من فرص المنافسة العادلة فى السوق.
وأكدت أن توسع الاقتصاد غير الرسمى هو الآن أحد المخاطر الناتجة عن الاقتصاد الرقمى، حيث أصبح العمل عبر الإنترنت ومنصات العمل الحر يتم فى كثير من الأحيان خارج الأطر القانونية والتنظيمية التقليدية.
ورغم أن هذا النوع من العمل يوفر فرصًا مرنة؛ فإنه فى كثير من الحالات يفتقر إلى الحماية القانونية والتأمينات الاجتماعية، ما يعرض العاملين لمخاطر فقدان الدخل وعدم الاستقرار الوظيفى.
وتوسع هذا النوع من الاقتصاد الموازى يجعل من الصعب الرقابة أو التنظيم أو حتى إدماج هذه الأنشطة داخل الاقتصاد الرسمى.

من أبرز التحديات أيضًا الفجوة الرقمية فى المجتمع، فليس الجميع لديهم نفس القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا أو استخدامها.
انتهاك الخصوصية والابتزاز
المخاطر الأمنية تعتبر من أخطر جوانب الاقتصاد الرقمى، حيث تشمل انتهاك الخصوصية الرقمية بشكل واسع، وأصبح من السهل سرقة الصور أو البيانات الشخصية وإعادة استخدامها أو التلاعب بها.
ضف إلى ذلك ظاهرة جمع البيانات الشخصية للمستخدمين بشكل مفرط وغير منظم، واستخدام هذه البيانات لأغراض تجارية أو إعلانية دون وعى كامل من الأفراد، ما يفتح الباب أمام استغلال هذه المعلومات بشكل غير مشروع.
ومع التصاعد المستمر فى الهجمات الإلكترونية واختراق الحسابات الشخصية والبنكية، فإن الخبراء يتحسبون مما يمثله هذا من تهديد مباشر للأمن.
فى الواقع فإن طبيعة الاقتصاد الرقمى تجعل من الصعب فرض رقابة كاملة على الأنشطة الاقتصادية، نظرًا لاعتماده على منصات عالمية عابرة للحدود، لذلك، فإن الاعتماد الكبير على منصات تكنولوجية أجنبية يخلق نوعًا من التبعية، وهو ما قد يؤثر على الأمن الاقتصادى للدول فى حال حدوث أزمات أو تغييرات فى سياسات هذه الشركات.

تؤكد د.هدى الملاح أن الاقتصاد الرقمى ليس مجرد تطور تكنولوجى؛ بل هو تحول شامل يعيد تشكيل بنية الاقتصاد العالمى وتوزيع الثروة والقوة داخل المجتمعات، وخطورة هذا التحول لا تكمن فى التكنولوجيا نفسها، وإنما فى طريقة إدارتها وتنظيمها، لذلك قد يتحول الاقتصاد الرقمى من أداة للنمو والتقدم إلى مصدر لزيادة الفجوات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وبالتالى، فهو يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين تطوير المهارات البشرية، وتعزيز الحماية القانونية، وتقليل الفجوة الرقمية، وضبط استخدام البيانات، بما يضمن تحقيق التوازن بين التطور التكنولوجى والحفاظ على استقرار المجتمعات.
من جانبه، يرى الدكتور وائل النحاس، المستشار الاقتصادى وخبير أسواق المال، أن الاقتصاد الرقمى فى صورته الحالية لا يمكن النظر إليه باعتباره نظامًا مثاليًا خاليًا من المخاطر، خصوصا لأنه أعاد تشكيل مفاهيم العمل والدخل والوظيفة والأمان المهنى.
فبينما وفر فرصًا غير مسبوقة لخلق مصادر دخل جديدة، وتقليل الحواجز أمام الدخول إلى سوق العمل، إلا أنه فى المقابل ألغى كثيرًا من مفاهيم الاستقرار الوظيفى التقليدى.
وأبرز المخاطر، يلفت النحاس إلى الاحتمالات المرتفعة لاتساع الفجوة بين من يمتلكون المهارات الرقمية ومن لا يمتلكونها.
فبينما يتيح الاقتصاد الرقمى فرصًا كبيرة لأصحاب الكفاءات، فإنه فى الوقت ذاته قد يهمّش فئات أخرى غير قادرة على مواكبة التطور السريع، ما يخلق نوعًا جديدًا من التفاوت الاجتماعى قائمًا على «القدرة الرقمية» وليس فقط على الدخل أو رأس المال التقليدى.
ويشير إلى جانب آخر لا يقل خطورة، وهو ما يمكن وصفه بـ«العشوائيات الرقمية»، وهى حالة الفوضى التى قد تنتج عن دخول عدد كبير من الأفراد إلى السوق الرقمية دون خبرة كافية أو ضوابط تنظيمية واضحة.
هذه العشوائية تتحول إلى بيئة خصبة لانتشار النصب والاحتيال الإلكترونى، سواء عبر منصات غير موثوقة أو تطبيقات مجهولة المصدر، أو حتى عبر وعود استثمارية وهمية تستهدف المستخدمين البسطاء.
وفى مستوى أكثر خطورة، يشير د.وائل النحاس إلى قدرة الفضاء الرقمى على تشكيل الوعى الاقتصادى وتوجيه الأفكار.
خطورة هذا التأثير تتضاعف بسبب طبيعة الاستخدام لوسائل التواصل الاجتماعى، حيث يتم استهلاك المحتوى بسرعة ودون فحص خصوصًا فى مجالات المال والأعمال، ما يجعل عملية إعادة تشكيل الوعى الاقتصادى أكثر سهولة مما كانت عليه فى وسائل الإعلام التقليدية، وهو ما يسهل فرص خداع أصحاب الأموال أو الراغبين فى الاستثمار من المبتدئين.

ويختتم حديثه بالتأكيد على أن العالم يتجه بشكل لا رجعة فيه نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى، لكن الفارق الحقيقى سوف يكون بين الدول فى القدرة على التكيف مع هذا التحول.
فالمستقبل، بحسب رؤيته، لن يكون لمن يرفض التغيير أو يقف عند الأنماط التقليدية، بل لمن يمتلك المهارة والوعى على استخدام الأدوات الرقمية بشكل آمن وفعّال، دون أن يقع فريسة لمخاطرها أو فوضاها.
ويعود محمد الحارثى، استشارى تطوير الأعمال والاقتصاد الرقمى، إلى قدرات الشركات الكبرى العاملة فى مجال التكنولوجية الرقمية، حيث قال إن الاقتصاد «أون لاين» خلق واقعًا جديدًا مكّن تلك الشركات من تأثير مالى وسوقى قد يوازى قدرات الدول، وشكل نوعًا من «الاحتكار الناعم» القائم على بناء منظومات مغلقة تدفع المستخدمين والشركات للاعتماد الكامل على تقنيات هذه الكيانات، حيث لا تبيع مجرد خدمات بل تفرض بيئات تشغيل كاملة تجعل الانتقال إلى بدائل أخرى مكلفًا ومعقدًا.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعى حاسم فى هذا الموضوع، إذ يُستخدم لتوجيه السوق وتعزيز الاعتماد على هذه التقنيات بشكل يعمّق الاحتكار، ومع السيطرة على البيانات والبنية التحتية والخوارزميات، تتمكن هذه الشركات من التأثير غير المباشر على الأسعار والسلوك الاستهلاكى؛ ويبرز هذا بوضوح فى الهيمنة على سلاسل الإمداد الحيوية مثل سوق الرقاقات الإلكترونية، حيث تتركز القدرات التصنيعية والتكنولوجية فى أيدى عدد محدود من اللاعبين، ما يعزز فجوة القوة ويضع حواجز دخول مرتفعة أمام المنافسين.

التحدى الأكبر
قال الدكتور حسام الغايش، خبير أسواق المال ودراسات الجدوى الاقتصادية، إن أبرز التحديات التى تواجه الاقتصاد الرقمى تتمثل بشكل أساسى فى قضايا الأمن السيبرانى، موضحًا أن أى محاولات اختراق أو هجمات إلكترونية تستهدف الأنظمة الرقمية يمكن أن تُحدث أضرارًا جسيمة، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات أو حتى الدول.
أما بشأن استفادة الشركات العالمية من الأسواق المحلية، وعدم خضوعها أحيانًا لنفس الأعباء الضريبية المفروضة على الشركات الوطنية، أشار إلى أن الاقتصاد العالمى أصبح أشبه بقرية صغيرة مترابطة، مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن فقط فى الشركات العالمية، بل أيضًا فى مدى قدرة الدول على فرض رقابة وتشريعات فعالة تضمن تحقيق العدالة والاستفادة المتوازنة.
بعض الشركات العالمية تستفيد بالفعل من الأسواق المصرية باعتبارها سوقًا استهلاكية كبيرة، وهو ما يتطلب مزيدًا من أطر تنظيمية تسمح للدولة بمزيد من متابعة هذه الأنشطة وتحديد ما يمكن الاستفادة منه وما يجب مزيدا من ضبطه.
واختتم حديثه موضحًا أن المنافسة العالمية ما زالت مفتوحة بين القوى الاقتصادية الكبرى، وأكد أن الشركات القادرة على التطور السريع والابتكار يمكن أن تقترب من مراكز الهيمنة أو الاحتكار فى بعض القطاعات.