هل لأبو الهول توءم مدفون!
نقلا عن إندبندنت عربية- مى إبراهيم
تفاصيل روايات متضاربة بعضها ينفى.. وأخرى تؤكد
مؤخرًا طرح الباحث الإيطالى فيليبو بيوندى دراسة أثارت جدلًا أثريًا تفترض أن هناك توءمًا لتمثال أبو الهول الشهير القابع أمام أهرامات الجيزة، باعتبار أنها إن صحت فهى تعيد كتابة جانب من التاريخ لواحد من أهم المواقع الأثرية وأكثرها شهرة فى العالم.
ونشرت صحيفة «ديلى ميل» البريطانية تقريرًا مطولًا أشار ضمنه الباحث الإيطالى إلى وجود بيانات تفيد بوجود بنية ضخمة مخفية يبلغ ارتفاعها 180 قدمًا، قال إنها تحت كومة من الرمال المتصلبة وليست صخورًا طبيعية، وأنه جرى الحصول على هذه المعلومات باستخدام تقنية رادار الأقمار الاصطناعية القادرة على رصد الاهتزازات الأرضية الدقيقة، لافتًا إلى أن عمليات المسح الأولية أظهرت وجود آبار وممرات رأسية تشبه إلى حد كبير تلك التى عثر عليها سابقًا أسفل تمثال أبو الهول الأصلى، مع خطوط رأسية كثيفة يعتقد بأنها تمثل جدرانًا صلبة لآبار تحت الأرض وليست فراغات.
وقال بيوندى إنه عندما رسم خطًا من مركز هرم خفرع إلى تمثال أبو الهول الحالى، ورسم الخط نفسه بصورة معكوسة من مركز الهرم الأكبر، فإنه وصل إلى نقطة ظهرت فى عمليات المسح بأن بها تلة، وهو الموقع المقترح لأن يكون أبو الهول الثانى مدفونًا فيه تحت كومة من الرمال المتصلبة، موضحًا أن عمليات المسح التى أُجريت على تمثال أبو الهول الأصلى كشفت أيضًا عن شبكة من الأنفاق والحجرات تحته، وهى سمات يعتقد بأنها تشبه ما جرى رصده فى الموقع الثانى المحتمل، ووصف ذلك بتناظر مذهل مما يزيد من أوجه التشابه بين الموقعين ويدعم الفرضية. مشيرًا إلى أنه على رغم هذه الدلالات المهمة، فإن هناك ضرورة لإجراء عمل ميدانى قبل التوصل إلى أية استنتاجات نهائية، وأن هناك ضرورة قصوى لدراسة المنطقة بعناية، وأنه وفريقه حددا بعض المداخل الخاصة التى يمكن أن تكون مدخلًا للبحث فى الموقع، وأوضح أنه جرى إعداد مقترح مشروع للبحث يمكن أن يقدم إلى مصر.
ليست هذه هى المرة الأولى التى يقدم فيها هذا الطرح، إنما سبق أن قدّمه منذ أواخر التسعينيات المتخصص فى المصريات بسّام الشماع الذى طرح فرضية وجود تمثال آخر لأبو الهول وجمع دلائله فى كتاب بعنوان «ترميم التاريخ ونظرية أبو الهول الثانى» لتثير الجدل بين أوساط علماء الآثار فى مصر على مدى أعوام، وأشارت إلى ذلك «ديلى ميل» مع الإعلان عن ادعاء الباحث الإيطالى أخيرًا.
وطوال أعوام أثيرت نقاشات بين كثير من علماء الآثار على فترات متلاحقة، بعضهم رفض هذا الطرح رفضًا قاطعًا، وبعضهم الآخر تحفظ، وآخرون أيّدوا الفكرة ووجدوا أنها ربما تحمل شيئًا من الصواب لا مانع من البناء عليه أيًا كانت النتيجة سواء وجد أبو الهول آخر أو لا.
ومن بين أشد المعارضين لهذا الحديث على مدى سنوات، عالم المصريات ووزير الآثار السابق زاهى حواس الذى أشار ضمن تصريحات إعلامية أخيرًا إلى أن وجود تمثال ثانٍ لأبو الهول أمر طرح منذ عقود، وأنه جرى عمل حفائر سابقة فى منطقة أهرامات الجيزة، ومن بينها الموقع المقترح، ولم تسفر عن شيء، ولا يوجد دليل على هذه الفرضية.
أدلة قابلة للدراسة
دلائل متعددة قدمها عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بسام الشماع لإثبات فرضيته التى تتوافق مع طرح الباحث الإيطالى وعنها يقول: «السيمترية أو التناظرية عند المصرى القديم هى أمر له دلالة وأهمية قصوى، فعلى أبواب المعابد تنفذ التماثيل الصرحية العملاقة على جانبى المدخل، وكذلك المسلات، ومواقع مثل طريق الكباش وغيره، فالمصرى القديم اعتمد السيمترية منهجًا، وفى العقيدة المصرية القديمة وجدت الآكر، وهما أسدان قد يكونان برأس إنسان أو أسد، رابضين فى المقابر بظهرين متقابلين، ينظران فى اتجاهين متعاكسين للشرق والغرب بهدف حماية المقبرة، وكذلك وجد الروتى وهو منظر مرسوم على البرديات والمقابر لأسدين وله علاقة بالشمس والأفق واستمرارية الحياة، والأسدان لبدة أحدهما أصغر من الأخرى، مما يرجح أنها أنثى».
ويضيف أن «أمام أبو الهول يوجد معبد كان مخصصًا لأن يتعبد فيه الناس لأبو الهول، وفى الوقت نفسه على الجانب الآخر هناك معبد يعرف بمعبد الوادى، والمعبدان لا يزالان قائمين بالفعل، فإذا لم يكُن هناك تمثال مطابق لأبى الهول فى الجانب الآخر فلماذا أُنشئ هذا المعبد؟ وماذا كان الهدف منه؟ وفى عصر الدولة الحديثة كان الاسم الذى يعرف به أبو الهول (حور - إم - آخت) بمعنى حورس فى الأفق، وحتى وقتنا هذا لا يوجد أى نص من عصور سابقة يقول لنا ماذا كان اسم أبو الهول خلال الحقب السابقة على الدولة الحديثة ولا يوجد تحديد دقيق للملك الذى قام ببنائه».

ويدعم الشماع فرضيته بدليل آخر، قائلًا: «هناك لوحة شهيرة من الحجر الجيرى تعرف بـ(لوحة الإحصاء) اكتشفت فى هضبة الجيزة ضمن منطقة لا تبعد من أبو الهول، وكانت معروضة فى المتحف المصرى بالتحرير وبها نص أشار إليه عالم الآثار الراحل سليم حسن مفاده بأن الملك خوفو توجه لمنطقة الجيزة لإعادة طلاء وترميم تمثال (حر- إم - آخت) الذى تعرض لصاعقة كقرار من رب السماء، فتحطمت قلنصوة النمس، وبالفعل خلف رأس أبو الهول هناك كسر فى القلنصوة، والشائع عند غالبية علماء المصريات هو أن أبو الهول بُنى خلال عهد خفرع، لكن هذا النص يفتح مجالًا جديدًا للبحث، وهو أن أبو الهول سابق على عهد خوفو، وهذا أمر جدير بالدراسة».
ويتساءل الشماع حاليًا عن موقع هذه اللوحة لأنها فى الوقت الحالى غير موجودة فى المتحف المصرى، فهل تغير موقعها أو يجرى ترميمها أو رفعت مع ترتيبات نقل كثير من القطع الأثرية إلى المتحف الكبير، ويأمل أن يُعاد عرضها باعتبارها قطعة أثرية مهمة وفريدة، ويدعو إلى أن تكون فرضية وجود تمثال ثانٍ لأبو الهول مثار دراسة وبحث ضمن مؤتمر علمى موسع لأن ذلك فى جميع الأحوال سيسفر عن إضافة إلى علم المصريات.
وفرضية أن أبو الهول سابق على عهد الملك خفرع طرحت سابقًا على يد عالم الجيولوجيا الأمريكى روبرت شوك الذى قدم طرحًا مفاده بأن بناء أبو الهول يسبق بزمن طويل بناء الأهرام، مستندًا إلى وجود شقوق عمودية، وتآكل ناتج من الأمطار الغزيرة فى محيط التمثال، ما يمثل تعارضًا مع طبيعة المناخ الصحراوى السائد منذ أكثر من 5 آلاف عام فى هذه المنطقة، ويشير أيضًا إلى أن رأس أبو الهول أصغر بكثير من جسمه، مما يدلل على أنه قد يكون أُعيد نحته خلال عهد الملك خفرع، بينما بناء الجسم يعود لحقبة أقدم بكثير.
لوحة الحلم
استند الباحث الإيطالى فيليبو بيوندى وفريقه إلى دليل آخر لإثبات فرضيتهما، وهو لوحة الحلم القائمة عند أقدام أبو الهول التى يظهر فيها تمثالان لأبو الهول ينظر كل منهما إلى جهة، مفترضًا بأن هناك جانبًا من الحقيقة وراء هذا، وأنها ليست مجرد رمز، ولكنها تقدم دليلًا على التصميم الذى كان قائمًا سابقًا بوجود تمثالين بالفعل كل منهما فى جانب.
وعن لوحة الحلم يقول مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية المتخصص فى المصريات حسين عبدالبصير إن «لوحة الحلم تعود لعصر تحتمس الرابع من الأسرة الـ 18 فى عصر الدولة الحديثة، وفى هذا الوقت كان هناك صراع على السلطة، وكان الأمير تحتمس قبل أن يصبح ملكًا يصطاد فى هضبة الجيزة وجاء له أبو الهول فى الحلم، قائلًا إنه لو رفع عنه الرمال فسيجعله ملكًا، مما قام به بالفعل واحتفالًا بهذه المناسبة صنعت هذه اللوحة من الجرانيت الوردى ووضعت بين مخلبى أبو الهول بعدما رُفعت أكوام الرمال عنه واللوحة تصور تمثالين لأبو الهول بالفعل، أحدهما على اليمين والآخر على اليسار».
ويضيف، «الملك فى مصر القديمة كان ينصب كملك لمصر العليا والسفلى وفى تقديرى أن هذا ما تعبر عنه لوحة الحلم، فهى تقدم تحتمس الرابع مرة كملك لمصر العليا وأخرى لمصر السفلى، وهناك احتمال آخر أن كلًا منهما ينظر فى اتجاه ارتباطًا بالدورة الشمسية، وفى تصورى أن لوحة الحلم لا تمثل دليلًا قاطعًا على وجود تمثال ثانٍ لأبو الهول مثل الفرضيات المطروحة منذ أعوام، فهى بالنهاية لم تُثبت بدليل قاطع ولم يُعثر على شيء فى الحفريات المتعددة التى أجريت فى هضبة الجيزة حتى الآن، وأثار حديث الباحث الإيطالى زخمًا حول هذا الأمر، وانتشر بقوة فى وسائل الإعلام العالمية لأن كل ما يتعلق بالمصريات يمثل اهتمامًا كبيرًا فى العالم كله، ويمثل عنصر جذب للناس وبالفعل يثير جدلًا كبيرًا».
ومن بين فرضيات متعددة لوجود تمثال ثان على شكل أبو الهول، ما جاء به الباحث فى المصريات رضا عبدالحليم مدير العلاقات العامة بمنطقة أهرامات الجيزة فى وزارة السياحة والآثار المصرية عام 2021 أن هناك صخرة فى منطقة هضبة الجيزة بمقاسات أبو الهول نفسها تأخذ الشكل ذاته، لكنها ليست مكتملة بشكلها النهائى، والفرضية هنا كانت تشير إلى أن الهيكل قائم على سطح الأرض وليس مدفونًا مثل الطرح السابق للمصرى بسام الشماع وأخيرًا للإيطالى فيليبو بيوندي.
وجوه متعددة لأبو الهول
ويعتقد بعض الناس بأن تمثال أبو الهول إلى جوار أهرامات الجيزة الذى يُثار الحديث عنه فى الفرضية المطروحة أخيرًا هو التمثال الوحيد، إلا أن هذا غير حقيقى، وأن هناك كثيرًا من التماثيل على هيئة أبو الهول من عصور مختلفة بدءًا من عصر مصر القديمة وحتى الحقبة اليونانية - الرومانية، وحتى الآن لا تزال تكتشف تماثيل بهيئة أبو الهول فى مواقع أثرية مختلفة.

مفتش الآثار والمتخصص فى المصريات أحمد عامر يوضح أن «تمثال أبو الهول كان يجسد رمزًا للقوة فى مصر القديمة، وحرص الملوك على أن تكون لهم تماثيل بهيئة أبو الهول وكان هذا سمة أساسية للدلالة على قوة الملك وعلاقته الوثيقة بالآلهة وحتى الملكات تمثلن بهيئة أبو الهول مثل حتشبسوت، وعلى رغم تعدد تماثيل أبو الهول، فإن التمثال القائم إلى جوار أهرامات الجيزة هو الأضخم والأشهر، فهو تمثال حجرى ضخم منحوت من قطعة واحدة من الحجر الجيرى، ويُعد أحد أكبر التماثيل فى العالم، ويبلغ طوله 73 مترًا ويصل ارتفاعه إلى 20 مترًا، وهو عبارة عن جسد أسد برأس بشرى مزين بغطاء رأس ملكي».
ويستكمل أن «ما يثار حاليًا وسابقًا عن وجود تمثال آخر لأبو الهول فرضية لا يمكن قبولها أو رفضها إلا فى حال وجود دليل قاطع يمكن البناء عليه، ولكن يمكن البحث وراء الادعاءات المطروحة جميعها وبناء على النتائج يتم إثبات الفرضية أو نفيها. فهناك أطروحات فى ما يتعلق بالمصريات عمومًا وبالأهرامات وأبو الهول بصورة خاصة ترفض من البداية لعدم منطقيتها أو معقوليتها مثل ما أثير أخيرًا عن وجود مدينة تحت موقع الأهرامات وغير ذلك الكثير، أما فى ما يتعلق بوجود تمثال ثانٍ لأبو الهول، فهذا أمر حتى الآن لا يمكن إثباته أو نفيه بصورة قاطعة، فكلها فرضيات قابلة للبحث».