حكايات جرت عند «نهر الجنة»!
عمرو محمد الغزالى
مسلم وسيخى وهندوسى فى محكمة «جورج السادس»
عاشت القلعة الحمراء، أكثر من حكم جاه شاه جهان، وأكثر من أحقاب الإمبراطورية المغولية التى احتضنها، وأكثر من أحلام تلك الحضارة التى سكنت جدرانه.
كانت قصيدة نقشها الزمن بحبر من الرخام والحجر الأحمر، قصة خلدها الفن والروح، شاهدة على أصوات الخطى الملكية، وصمت الحجارة التى شهدت أوج الفخامة وعبق التاريخ.
على ضفاف نهر يامونا فى الهند ارتفعت القلعة بين الغيوم فى دلهى عام 1648، كلوحةً معمارية تحكى قصة قوة السلطان وجمال الهند وأحلام المغول.
المهندس أحمد لاهورى، الذى صمم تاج محل هو الذى أبدع فى هندسة القلعة، مبتكرًا مزيجًا فريدًا بين العمارة الفارسية والهندية.
جاء قرار بناء القلعة من الإمبراطور المغولى شاه جهان، بعد أن قرر نقل عاصمته من أجرا إلى دلهى، لتأسيس مدينة شاهجهان آباد كمركز للحكم والإدارة ومقر للإمبراطورية المغولية.
بدأ البناء عام 1638م تحت إشراف عزت خان، ثم الله وردى خان، ثم مكرمات خان الذى أنهى القصر عام 1648م بحفل رائع.
بمخططها العمرانى المتنوع ووظائفها المتعددة، صُممت القلعة لتكون أيضًا المركز الثقافى والحضرى لمدينة شاهجهان آباد.

خلفية متقنة للمراسم الرسمية، ومركزًا إداريًا وسياسيًا، وفضاءً يضم الورش والأسواق وأماكن الترفيه والإقامة للخدم والجنود الموثوقين وكانت أشبه بمجمع للقصر الرئاسى والبرلمان والمستشفى العسكرى فى مكان واحد.
على طول أسوار القلعة الحمراء، التى تمتد لحوالى 4 كيلومترات، بطول 900 متر وعرض 550 مترًا، ترى جدرانًا ضخمة من الحجر الرملى الأحمر، صلبة كعراقة المكان وملتفة حول التاريخ الحاضر فى كل زاوية من زواياها.
تنهض هذه الأسوار بارتفاع متفاوت يصل إلى 33 مترًا عند جهة المدينة المفتوحة، وتتراجع إلى 18 مترًا عند جهة النهر.
كل متر فيها يحكى عن قدرة على الصمود وتصميم ذكى.
يحيط بها خندق مائى عميق، كخط دفاعى يحميها، بينما تتزين الجدران ببنى ضخمة دفاعية تُعرف بـ الأبراج، ومزاغل الرماة التى تسمح بإطلاق السهام، والبيشتاق، فى عنصر معمارى مهيب يُستخدم كواجهة بوابة مرتفعة تبرز هيبة المكان. التصميم غير المتماثل للأسوار أحيانًا لاستيعاب حصن سليم كره المجاور، ما يعكس عبقرية التخطيط الدفاعى للمغول.
عرفت القلعة الحمراء فى عهد شاه جهان بـ«القلعة المباركة»، ثم أُطلق عليها فى عهد بهادر شاه ظفر اسم «القلعة المعلّى»، فيما رسخ اسمها الأشهر «لال قلعة» فى الذاكرة الجمعية، فى إشارة إلى الحجر الرملى الأحمر الذى يزين جدرانها ويجعلها تحفة فنية فريدة من نوعها.
داخل القلعة، كان الطابع المهيب يلفّ كل ركن، حيث ظهر البلاط الإمبراطورى فى أبهى صورة.
كان رجال الحرس وكبار رجال الدولة يرتدون الجاما الطويل المصنوع من حرير أو موسلين فاخر، مزخرفًا بخيوط الذهب والفضة، ويشدّونه بحزام واسع (كمر بند) تتدلّى منه الخناجر أو تُعلّق به شارات الشرف.
على رؤوسهم عمائم ملفوفة بعناية، بعضها يزدان بالجواهر أو الريش، فى مظهر يشى بالهيبة والسلطان.
أما نساء القصر والملكات فكنَّ يرتدين أثوابًا فضفاضة مثل البشواز، وأحيانًا سراويل فاخرة من نوع الجرارا والشارارا، مصنوعة من حرير رقيق وموسلين دقيق النسج، ومطرزة بتقنية الزردوزى البديعة.
وكانت الحلى الثقيلة من الياقوت والزمرد واللؤلؤ تزيد مظهرهن إشراقًا، فتتلألأ تحت أضواء القناديل فى قاعات القصر. وقد عُرضت فى قاعات القلعة نفسها ملابس ومقتنيات ملكية، منها ملابس بهادر شاه ظفر فى متحف القلعة، كما احتضنت أسواقها الداخلية مثل تشاتا بازار أقمشة ومجوهرات نادرة صُمّمت خصيصًا للبلاط. وهكذا ظلّت الأزياء داخل القلعة الحمراء شاهدًا على عظمة البلاط المغولى ورمزيته، فهى لم تكن مجرد كسوة، بل خطابًا صامتًا للهيبة والسلطان.
يضم الحصن خمسة مداخل رئيسية، أبرزها بوابتا لاهور ودلهى. بوابة لاهور، هى المدخل الرئيسى المؤدى مباشرة إلى تشاتا تشوك، وصفه السائح الفرنسى فرانسوا برنير بأنه أول تجربة للسوق المسقفة، حيث تختلط الأصوات والروائح والزحام.
وتستقبلك بوابة بوابة دلهى فى الجنوب، بتماثيل ضخمة لفيلين عملاقين، يشيران إلى الهيبة والسيطرة، بينما بوابة خضر آباد فكانت حكرًا على دخول الإمبراطور وحده.
أما الديوان الخاص رمز الفخامة المطلقة، حيث قاعة مرصعة بالرخام الأبيض والفسيفساء الدقيقة، وموضع عرش الإمبراطور الشهير بعرش الطاووس المرصع بالياقوت والزمرد، أُدرجت فوقه أبيات الشاعر أمير خسرو؛ (لو كانت الجنة فى مكان على وجه الأرض، فليست إلا هاهنا وهاهنا وهاهنا).

خلف الديوان الخاص، تمتد الشقق الإمبراطورية المرتبطة بقناة مائية تُسمى نهر الجنة، حيث كان الماء يُسحب عبر (شاهى برج) لتوفير تبريد طبيعى، ما أتاح للمكان مناخًا مريحًا وسط حرارة شاه جهان أباد.
كان القصر الخاص مقر إقامة الإمبراطور، بينما جناحا الحريم، أحدهما قصر الألوان، مصممان بزخارف هندسية مذهلة وسقوف فضية وفق وصف المؤرخ سير سيد أحمد خان، وفى الجناح متاهة معروفة لو دخل أحد الجناح دون إذن.
توضح فعالية هذه المتاهة قصة روتها خادمة برتغالية لفرانسوا برنيه، المقيم الفرنسى خلال عهد أورانجزيب، عن شاب دخل أجنحة الأميرة روشنارا بيجوم، أخت أورانجزيب، ولم يتمكن من الخروج، فتجول طوال الليل دون مخرج، وعندما اكتشفه الحراس فى الصباح، عُوقب بإلقائه من الأسوار العالية المطلة على نهر يامونا.
لكن القلعة لم تكن محصنة بالجمال وحده، بل بحكايات الزمن التى تحمل الصراع والألم. ففى عام 1658م، انتهى حكم شاه جهان بعد أسره على يد ابنه أورنكزيب وحوّل القلعة إلى سجنٍ ملكى.
وفى عام 1739م، نهب نادر شاه عرش الطاووس، ومع سقوط المغول استخدم البريطانيون القلعة كثكنة عسكرية، وكانت القلعة مركزًا للتمرد خلال الثورة الهندية الكبرى عام 1857م، قبل أن يُؤسر آخر ملوك المغول، بهادر شاه ظفر، ويُنفى إلى رانجون، لتطوى صفحة الإمبراطورية المغولية إلى الأبد.
فى 10 مايو 1857 بدأت الثورة الهندية الكبرى من مدينة ميروت فى شمال الهند، على بعد نحو سبعين كيلومترًا من دلهى. هناك تمرد الجنود الهنود المعروفون باسم السيبوى، وهم جنود محليون كانوا يخدمون فى الجيش البريطانى التابع لشركة الهند الشرقية.
بعد أن ثار الجنود فى ميروت، تحركوا بسرعة نحو دلهى، ودخلوا القلعة الحمراء حيث أعلنوا ولاءهم للإمبراطور المغولى بهادر شاه ظفر، ليبدأ أول صراع كبير ضد الحكم البريطانى فى الهند.
اندلعت المواجهات داخل القلعة والمناطق المحيطة بها، وهاجم السيبوى الهنود الضباط البريطانيين والمبانى العسكرية والإدارية والسكنية، خصوصًا فى مناطق دارياجنج وبوابة كشميرى وشاندنى تشوك. أُغلقت مداخل القلعة ومدينة شاه جهان أباد، بينما تسببت الأمطار الموسمية فى انهيار الجسور فوق نهر يامونا، لتصبح الطرق شبه مسدودة.
وفى المقابل، وصلت قوات التعزيز البريطانية من الشمال الغربى عبر التلال، ما زاد من تعقيد المعركة.
خلال هذه الأحداث، أصاب الدمار الأجزاء الغربية والشمالية من المدينة، بينما بقيت القلعة محمية نسبيًا بفضل حصن سليم كره. بعد استعادة السيطرة، أعلن البريطانيون دلهى مدينة تابعة للتاج البريطانى، ونُقل الإمبراطور بهادر شاه ظفر لاحقًا للتحقيق قبل نفيه إلى رانجون.
فى أقل من عامين تغيرت ملامح القلعة بالكامل، إذ تحولت مساحاتها الواسعة ومبانيها المغولية إلى ثكنات عسكرية بريطانية. وظل البريطانيون يستخدمون القلعة بهذه الطريقة نحو تسعين عامًا، مع بعض الترميمات والمناسبات الاحتفالية، خاصة خلال زيارة الملك جورج الخامس عام 1911، لكن مع بناء نيودلهى الجديدة فى ثلاثينيات القرن العشرين تراجع دور القلعة وأصبحت مجرد أثر تاريخى يُشاهد ولا يُشارك فى الأحداث.
ثم جاء الخامس من نوفمبر عام 1945 ليمنح القلعة الحمراء دورًا رمزيًا جديدًا، حين تحولت إلى مسرح لمحاكمة تاريخية هزّت وجدان الشعب الهندى.
فقد عقد البريطانيون محكمة عسكرية علنية لثلاثة من كبار ضباط الجيش الوطنى الهندى: الكابتن شاه نواز خان المسلم، والكابتن بريم كومار سهجال الهندوسى، والملازم جربكش سنج دهيلون السيخى، ووجهت إليهم تهمة الخيانة العظمى وشن حرب ضد الملك جورج السادس، بعد انضمامهم إلى الجيش الوطنى الهندى بقيادة سوبهاس تشاندرا بوز المعروف بـ«نيتاجى»، الذى رفع شعار «شالو دلهى» أى «هيا إلى دلهى».
اختيار القلعة الحمراء مكانًا للمحاكمة خطوة مقصودة لاستعراض القوة، لكن النتيجة جاءت معاكسة؛ إذ تحولت المحاكمة إلى لحظة وحدة وطنية كبرى، خاصة أن المتهمين الثلاثة مثّلوا الديانات الكبرى فى الهند وكانوا من إقليم البنجاب الخزان الرئيسى للجيش البريطانى الهندى.
اشتعلت الاحتجاجات الشعبية، وتشكلت لجنة دفاع واسعة ضمت شخصيات بارزة مثل جواهر لال نهرو وبهولابهاى ديساى، اللذين أكدا أن هؤلاء الضباط ليسوا خونة بل جنودًا شرعيين يقاتلون من أجل تحرير وطنهم، وأن الجيش الوطنى الهندى منظمة قائمة بحد ذاتها تخضع لـ«الحكومة المؤقتة للهند الحرة» بما يتوافق مع القانون الدولى.

ورغم قوة هذه الحجج، أدانت المحكمة الضباط الثلاثة، غير أن القائد العام للقوات البريطانية فى الهند، الفيلد مارشال كلود أوشينليك، تدخل ليوقف تنفيذ الأحكام، مدركًا أن استمرار المحاكمات سيزعزع ولاء الجيش الهندى بأكمله، خاصة بعد تمرد البحرية الهندية فى فبراير 1946.
وفى الخامس عشر من أغسطس عام 1947، اعتلى رئيس الوزراء الهندى جواهر لال نهرو أسوار القلعة، ورفع العلم الهندى إيذانًا باستقلال البلاد.