الأوراق السرية لـ«نور الشريف»
استعرض المسيرة فى ذكرى الرحيل: د. هانى حجاج
مشروع نجم بدأ من «بنباقادن» لشخصيات نجيب محفوظ
فى عام واحد فقدت السينما العربية شريفيها، والمفارقة هنا أن النجم الذى رحل أمام عينى فى مستشفى الصفا، قد صمَّم اسمه الفنى من بطل الأفلام الوسيم (عمر الشريف) وأحد أعمدة الدراما التليفزيونية (نور الدمرداش).
وكان هذا الميل لعالمى السينما والتلفاز فى وقت مبكر جدًا فى الواقع، كان تلميذ مدرسة حى السيدة زينب الشعبى (محمد جابر) يكتب اسمه على كراسات المدرسة: نور الشريف.
وفيما بعد سوف يقرأ ما لا حصر له من كتب فن التمثيل والفلسفة الوجودية والنظريات الاجتماعية والدينية وكل حرف كتبه نجيب محفوظ ويضع قوله المأثور نبراسًا للطريق (كما تحب، تكون).
سيكون له نصيب الأسد فى تجسيد شخصيات الأديب العظيم: كامل رؤبه لاظ، الشاب الخجول المتردد بين تسلُّط الأم وتحدى الزوجة فى الرواية النفسية المهمة (السراب) من إخراج أنور الشناوى.
شطا الحجري، الحالم بالفتونة لكن المعلم موجود الدينارى يُلقى على عاتقه مهمة عجيبة لم تخطر له على بال فى فيلم (الشيطان يعظ) بالرغم من أن الحكاية تنتمى لقصة أخرى فى المجموعة هى (الرجل الثاني).

إسماعيل الشيخ، طالب الطب الذى يؤمن بالثورة لكن رجالها يلقون به فى المعتقل لخلاف إيديولوجى متزمت فى (الكرنك).
جعفر الراوى فى (قلب الليل)، الرجل الحائر الدائر بين كافة المذاهب حتى يهتدى إلى وضع فلسفة جديدة فريدة تضم كل شيء فى قبضة واحدة لكن النهاية عبارة عن مأساة عنيفة.
نور طائفة من قصص ملحمة الحرافيش، كفيلم (المطارد) والمشروع التليفزيونى الذى حمل عنوان الرواية العملاقة. وفى فيلم (فتوات بولاق) يجسد شخصية شبيهة بشخصية شطا فى (الشيطان يعظ)، ابن الحارة الذى يحلم بالفتونة، لكنه يجسدها بثوب مختلف تمامًا، بوعى تام للفارق بينهما، فالأول يجذبه عالم السطوة ومجد القوة، أما الثانى فيحمل على كتفه هدفًا إنسانيًا وتقريرًا عاطفيًا.
ويُبهر كاتب نوبل العظيم بشخصية (زعتر النوري) فى فيلم على بدرخان (أهل القمة) عن قصة لمحفوظ بنفس الاسم، كيف تمكَّن هذا الفتى الساحر من تمثيل أدوار هلفوت الحارة والوجودى المزيَّف واللص الانفتاحى وكان مقنعًا فيها جميعًا؟
فى المقابل يقدم شخصية الرأسمالى البارد عديم الرحمة فى (زمن حاتم زهران)، انفتاحى كبير يحترمه المجتمع وتصبح سرقاته الكبرى شرعية لا غبار عليها كاشفًا عورات انفتاح السبعينات ضمن جملة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التى دمَّرت بنية الشعب المصرى ومسخت هويته. انظر كيف يتحكَّم فى حركات رأسه ونبرة صوته بين زعتر وزهران، النشال التافه واللص الكبير.
نور مدرسة كاملة فى الأداء المتقن لا عن تقمُّص واستغراق بل عن دراسة شاملة لدقائق الشخصية وسكناتها، ومن آى ذلك تحضيره لكراسات كاملة لتدوين ملاحظاته عن الشخصية المكتوبة فى النص السينمائى ورؤيته الخاصة لها وكيف سيخرج بها على الناس.
هكذا تراه فى دور (كمال) ابن العطار الكبير والشقيق الأكبر فى الأيقونة السينمائية (العار)، شعر أكرت وشارب فظ ونظرات حادة راضية ثابتة تعكس قناعته التامة بسلامة تجارة المخدرات، المتصالح مع ذاته لأبعد الحدود ولا يفهم لماذا يشعر أخوته بالذعر!
سوف تراه يكتسب أريحية جسدية مطلقة وهو فى الجلباب وعلى البساط مع زوجته السرية (روقة) لكنه يمد عنقة طيلة الوقت كالسلحفاة فى بدلة خانقة تمثل ثوب الوجاهة الاجتماعية المزيف الذى لا يفهمه ولا يحبه.

الفنان المثقف يراقب أهل بلده ويستخدم حصيلة تأملاته فى فنه، فهو يرتدى الجاكت الرخيص الذى يباع فى أسواق الموسكى والعتبة وهو يمثل دور (سواق الأتوبيس) فيلم بشير الديك وعاطف الطيب، الذى يتضح فيه التمصير عن (سائق التاكسي) لسكورسيزى وروبرت دى نيرو، أزمة المحارب القديم الذى أنهى النضال فى ساحة الحرب وعاد لبلده ليكافح من جديد فى أوضاع أكثر تأزمًا وارتباكًا، وسوف تتسلل روح الشخصية لدوره كسائق تاكسى فى فيلم عاطف الطيب (ليلة ساخنة) يرصد تشوُّه المجتمع والأنماط الاجتماعية الممسوخة المستجدة على الواقع المعاش.
ينقل للمشاهد صورة بصرية تترجم روح الشخصية عملًا بملاحظة دافنشى (العين تخطئ أقل مما يخطئ العقل)، لهذا ترى قمصانه التى تتدلى عن الأكتاف دلالة على الانهزامية والخنوع فى (كتيبة الإعدام)، وملابس (ناجى العلي) الضيقة المزررة حتى العنق لأنه مُحاصر مخنوق مطحون، وثيابه وأداؤه الخاص فى (الصعاليك) لداوود عبد السيد فى مرحلة الجوع والصعلكة ثم اللعب مع الكبار والضياع فى غابة المال والأعمال، واختياره لملابس شاب عصرى سريع الحركة خفيف الظل فى المعالجة المميزة لقصة بوليسية تقليدية (ضربة شمس)، هى ذات الملابس فى (دائرة الانتقام) لكن الأخيرة كانت ملتصقة عليه حتى لا تفلت منه الرغبة فى القصاص.
والطبيب الرومانسى رقيق الحال فى (حبيبى دائمًا)، بالرغم من ذلك سوف تجد ملابسه البسيطة أنيقة زاهية بألوان السبعينات، درجة معقولة تناسب الشاطئ والحدائق وأحلام الحب وليست زاعقة كما فى أفلامه المرحة الصاخبة فى الفترة ذاتها، وقيل إنه من تأليف رفيق الصبان عن قصة حقيقية لكنه مقتبس عن فيلم (الحب وحده)، بيد أن موضوع الفيلم حدث لنور فعلًا عندما تقدَّم لخطبة فتاة أحلامه صافيناز قدرى (الاسم الحقيقى للفنانة بوسي) فرفضه والدها التركى المتجبّر فى بادئ الأمر!
كما قام بتمثيل شخصية المخرج يوسف شاهين فى (حدوتة مصرية)، رحلة إبحار فى الذات وجرعة دسمة من المكاشفة وعصف الأفكار وجذب تلابيب المشاهد وإقحامه فى خضم معركة الفنان والكاتب.
ولشاهين أيضًا يرتدى عباءة فيلسوف العقلانية الكبير ابن رشد فى الفيلم المهم (المصير)، وفى الميلودراما النفسية العظيمة (زوجتى والكلب) لسعيد مرزوق، ولسوف يشترك مع نفس المخرج والبطلة (سعيد مرزوق وسعاد حسني) فى (الخوف) وكلاهما لم يشعر به الجمهور للأسف فى تلك الفترة الصعبة بالرغم من التكنيك الفنى الرفيع.
حتى فى وقوفه إلى جانب مخرجين فى بداية حياتهم الفنية كان النتاج لا يُنسى؛ (ضربة شمس) لمحمد خان و(دائرة الانتقام) لسمير سيف، وقصص كُتّاب السينما الكبار عندما قام بدور الأستاذ فرجانى فى رواية (وحيد حامد) السينمائية (آخر الرجال المحترمين) يبحث فيها عن طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة من خلال حادث مفاجئ، واختار لنفسه بدلة واحدة وثيابًا تجمع بين الأناقة
وقلة التكاليف كما يتناسب مع وضع مدرس عادى لكنه معتد بنفسه وصاحب مبدأ.
ليس من الغريب إذن أن يجيء فى حيثيات منحة الدكتوراة الفخرية من أمريكا، ثم من ويلز البريطانية أنه (ارتفع بمستوى الأداء التمثيلى إلى نوع من الأدب).
المسكوت عنه!
عندما تبحث عن سيرة الفنان الراحل فلن تكتشف فقط الترتيب المغلوط لأفلامه ودمج المسلسلات مع مشواره السينمائي، بل سوف تلاحظ أن عدد أعماله المسرحية لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ومن المحزن أن أرشيف التليفزيون خال بالفعل من أعماله على خشبة المسرح إلا فيما ندر، والأدهى أن أغلبها لم يتم تصويره من الأصل! إن أول اشتغاله بالفن كان صعوده على خشبة مسرح بنباقادن الإعدادية، بتدريب الممثل الكبير عدلى كاسب قبل أن تسحره أضواء السينما فى دور عرض حى السيدة زينب، الهلال والشرق وإيزيس، شاهد كل الأفلام الأجنبية المعروضة وتسللت إلى وجدانه، وحلم بالنجومية كما فهم أهمية ما يراه، حتى خالف رأى أسرته والتحق بالمعهد العالى للفنون المسرحية، الذى سوف يكون أول دفعته بتقدير امتياز عندما يتخرج فيه، ويحصل على دور صغير فى مسرحية (وابور الطحين) عام 1965 مع فرقة مسرح الحكيم للكاتب نعمان عاشور والمخرج نجيب سرور، تسبقها محاولة واعدة فى مسرحية (الشوارع الخلفية) عام 1963 التى أعدتها الفنانة نعيمة وصفى عن مسرحية لعبد الرحمن الشرقاوي، وإخراج سعد أردش، ورأى فيه المخرج الموهوب (كمال عيد) طاقة غير عادية وهو يمثل هاملت، فأسند إليه دور روميو فى مسرحية شكسبير المعروفة بعد اعتذار كرم مطاوع، لكن المشروع لم يكتمل.
وفى 1968 يقدم أول عمل لمسرح الطفل بتكنيك المسرح الأسود، مسرحية (الأمير الطائر) المعروفة للكاتب الهندى ملك راج، ثم قدم للمسرح القومى (شمشون ودليلة) للكاتب الفلسطينى معين بسيسو وإخراج نبيل الألفى 1971، و(بعد أن يموت الملك) لصلاح عبد الصبور 1974، وست الملك 1978، والفارس والأسيرة 1979 للدكتور فوزى فهمى وإخراج عوض محمد عوض زميل دفعته، و(لعبة السلطان) عام 1982 إخراج نبيل الألفى.
ولأكاديمية الفنون قدَّم عام 1991 (كاليجولا) لألبير كامى من إخراج سعد أردش، ولن تسقط القدس 2002، ياغولة عينك حمرا 2004 لكرم النجار وحسن عبد السلام، ثم (يا مسافر وحدك) التى مصّرها هانى مطاوع عن (كل إنسان).
بخلاف الهم الوطنى والقومى يقدم للمسرح الخاص عام 1972 (العيال الطيبين) لعلى سالم والمخرج حسن عبد السلام، و(بكالوريوس فى حكم الشعوب) 1978 أمام الوجوه الجديدة وقتها، يحيى الفخرانى وليلى علوى وأحمد بدير، ثم مسرحية (المليم بأربعة) 1991 تأليف أبو العلا السلامونى وإخراج جلال الشرقاوى وأمام نورا قبل اعتزالها.
كما قدم المسرحية الغنائية الاستعراضية (كنت فين يا علي) عام 1992 للكاتب الساخر يوسف عوف وإخراج عصام السيد، أمام بوسى ونجم الكوميديا الراحل محمد عوض. كما قام بإخراج ثلاث مسرحيات هى (المتفائل)، (المؤلف فى شهر العسل) لعلى سالم 1982، و(الأميرة والصعلوك) لألفريد فرج 2005.

بطل الحرافيش
فاز بدوره الأول على الشاشة عندما كان المخرج حسن الإمام يبحث عن وجه جديد يجمع بين رهافة الروح وقلة الوسامة لتجسيد شخصية (كمال أحمد عبد الجواد) بطل الجزء الثانى من ثلاثية محفوظ (قصر الشوق) الحائر بين الحرام والحلال والباحث عن المطلق واليقين، ثم نفس الدور بعد أن يصوغه النجم الفنان فى هيئة (كمال) الكهل الخجول الذى فقد القيمة والشغف فى (السكرية).
وتوالت أفلام النجم الشاب بعد ذلك متنقلاً بين أفلام يمكن اعتبارها تجارية، وهى قليلة فى المجمل، وأخرى جادة وأكثر رصانة، وتحمل همًا اجتماعيًا أو سياسيًا.
ومساهماته الدرامية فى التليفزيون: مارد الجبل، ثمن الخوف، الحرافيش، القاهرة والناس، هارون الرشيد، عمرو بن عبد العزيز، لن أعيش فى جلباب أبي، الثمن، الثعلب، الرجل الآخر، عائلة الحاج متولي، العطار والسبع بنات.
وفى تحية ليوسف شاهين يحمل نور الشريف فى آخر أفلامه (بتوقيت القاهرة)، اسم (يحيى شكري) الذى لازمه فى سيرة شاهين الذاتية السينمائية. الرجل يعيش مع ابنته المحبة أميرة لكنه يقاسى سطوة ابنه المتعصب دينيًا، ويفقد أمامه كل حزم بعد إصابته بالزهايمر فيقرر الرحيل إلى الإسكندرية لا يحمل سوى ذكريات زوجته الراحلة ويبدأ رحلة البحث عن حب قديم مفقود وقصة من الماضى لم تتم.
أما فتاة الأحلام فهى نجمة سينمائية معتزلة تمر بتجربة زوجية بالغة الطرافة فى الفيلم، وبالغة المرارة فى الواقع، إنها تجتر الذكريات بدورها مع المجد الغابر والرومانسيات القديمة بعد أن صارت ربة منزل تقليدية خادمة لزوج وابن وابنة، لا حب ولا حنان ولا يحزنون، ومما زاد الأمر سوءًا الحياة الزوجية المتزمتة دينيًا التى تجبرها على ارتداء ثوب زفاف من جديد والذهاب إلى زميل تمثيل سابق من أيام الشباب ليطلقها لأنه كان قد تزوجها فى أحد الأفلام، وقد أفتى أحد الشيوخ لزوجها بأن هذا الزواج جائز شرعًا!
حالة من الارتباك المُر تعكس واقعًا مؤسفًا يخلط الدين بالفن والحياة بالتمثيل والخيال المنطلق بالخيال المريض! يتحامل نور على نفسه وعلى صحته فى مرضه الأخير لتقديم ذكرى أخيرة لزمن السينما الكلاسيكية.