موازنة الخير
إبراهيم جاب الله
«رضا المواطن».. «كلمة سر» الحكومة أمام البرلمان
تشهد لجان مجلس النواب، خاصة لجنة الخطة والموازنة، اجتماعات مكثفة خلال الأيام المقبلة لدراسة مشروع الموازنة العامة الجديدة للدولة وخطة التنمية الاقتصادية للدولة، وذلك بعد أن أحال المستشار هشام بدوى رئيس مجلس النواب خلال الجلسة العامة الأسبوع الماضى بيان وزير المالية «أحمد كجوك» حول الموازنة العامة للدولة للعام المالى 2026 /2027 وموازنات الهيئات الاقتصادية إلى لجنة الخطة والموازنة، مطالبًا الأعضاء بضرورة المشاركة فى مناقشات الموازنة العامة والإدلاء بآرائهم فيها.
وتأتى هذه الاجتماعات فى توقيت دقيق يمر به الاقتصاد العالمى، وبما له من تأثير على الاقتصاد المصرى، لكن الحكومة حرصت على أن تتصدر عبارة «رضا المواطن» فلسفة الموازنة العامة الجديدة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالى 2026/2027، فى تأكيد واضح على أن السياسات المالية لم تعد تقاس فقط بالأرقام والمؤشرات؛ بل بمدى انعكاسها الحقيقى على حياة المواطنين. وكما حرصت الحكومة على صياغة موازنة تستجيب لتطلعات الشارع جاءت مناقشات مجلس النواب لتؤكد أن رضا المواطن بات أيضا معيارًا أساسيًا لنيل ثقة البرلمان خاصة بعد فترة من الشد والجذب بين الحكومة والنواب خلال الفترة الماضية لكنها هدأت بإلقاء رئيس الوزراء د.مصطفى مدبولى بيانًا أمام البرلمان الثلاثاء الماضى عن سيناريوهات وتعامل الحكومة مع الأزمة العالمية حاليا لتقريب وجهات النظر بين البرلمان والحكومة.

أرقام ومؤشرات
وخلال الجلسة العامة لمجلس النواب عرض وزير المالية أحمد كجوك ملامح مشروع الموازنة الجديدة، مؤكدًا أنها تستهدف تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين وتحسين الخدمات فى إطار رؤية متكاملة تقوم على تحقيق التوازن بين دعم النمو الاقتصادى وتعزيز الحماية الاجتماعية، عبر 4 ركائز رئيسية تشمل ترسيخ الثقة مع مجتمع الأعمال، والحفاظ على الانضباط المالى، وتحفيز النشاط الاقتصادى، وخفض معدلات الدين العام.
وتعكس المؤشرات المالية للموازنة توجه الحكومة نحو تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطن، حيث تستهدف تحقيق إيرادات عامة تبلغ نحو 4 تريليونات جنيه بمعدل نمو 30%، مقابل مصروفات متوقعة تصل إلى 5.1 تريليون جنيه بزيادة 13.2%، بما يعكس السعى لإدارة التوازن بين زيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية والحفاظ على الاستقرار المالى.
وفى صدارة أولويات الإنفاق تأتى زيادة الأجور والمعاشات، حيث تم تخصيص نحو 821 مليار جنيه لأجور العاملين بالدولة ضمن حزمة زيادات تستهدف تحسين دخول المواطنين إلى جانب تخصيص 832.3 مليار جنيه للدعم والحماية الاجتماعية تشمل 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية و55.3 مليار جنيه لبرامج «تكافل وكرامة» والضمان الاجتماعى ومعاش الطفل بما يعزز شبكات الأمان الاجتماعى للفئات الأكثر احتياجًا.
كما تعزز الموازنة الإنفاق على القطاعات الحيوية، حيث تم تخصيص 90.5 مليار جنيه لهيئة الشراء الموحد لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية بمعدل نمو سنوى كبير إلى جانب 7.8 مليار جنيه لطباعة الكتب الدراسية و7 مليارات جنيه للتغذية المدرسية فى انعكاس واضح لأولوية الاستثمار فى الإنسان.
وفى إطار دعم الاقتصاد خصصت الحكومة نحو 80 مليار جنيه لبرامج مساندة الإنتاج والتصنيع وريادة الأعمال منها 48 مليار جنيه لرد الأعباء التصديرية و6.7 مليار جنيه لدعم السياحة، و6 مليارات جنيه لتيسيرات تمويلية للقطاعات الإنتاجية بما يعزز من تنافسية الاقتصاد ويدعم معدلات النمو المستهدفة، كما شملت المخصصات 120 مليار جنيه لدعم الطاقة وضمان استقرار الخدمات، و13 مليار جنيه للإسكان، و4.3 مليار جنيه لتطوير المناطق العشوائية، فضلا عن 69.1 مليار جنيه لشراء القمح المحلى فى خطوة تستهدف دعم الأمن الغذائى وتحفيز الإنتاج الزراعى.
أما على صعيد الانضباط المالى فتستهدف الموازنة تحقيق فائض أولى بنسبة 5% من الناتج المحلى الإجمالى وخفض العجز الكلى إلى 4.9% مع العمل على تقليص الدين العام إلى نحو 78% بحلول يونيو 2027 إلى جانب خفض الدين الخارجى بنحو 1 إلى 2 مليار دولار سنويا وتقليل الاحتياجات التمويلية وأعباء خدمة الدين على المدى المتوسط.
وفى سياق متصل أكدت الحكومة أنها تتعامل بمرونة مع التحديات الاقتصادية العالمية عبر تعزيز الاحتياطيات العامة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بما يضمن استدامة الاستقرار المالى دون الإخلال بالالتزامات الاجتماعية.
فلسفة التخطيط
فى السياق ذاته، عرض د. أحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية ملامح خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية التى تعكس تحولًا نوعيًا فى فلسفة التخطيط حيث لم يعد النمو هدفًا فى حد ذاته؛ بل وسيلة لتحسين جودة الحياة، فى ترجمة حقيقية وعملية لشعار «رضا المواطن».
وتستهدف الخطة تحقيق معدل نمو اقتصادى يبلغ 5.4% خلال العام المالى المقبل، يرتفع تدريجيًا إلى 6.8% على المدى المتوسط مع توجيه استثمارات تقدر بنحو 3.7 تريليون جنيه يقود القطاع الخاص نحو 59% منها فى إطار توجه استراتيجى لتعزيز دوره فى الاقتصاد.
كما تركز الخطة على قطاعات الصناعة والسياحة والزراعة والتجارة باعتبارها محركات رئيسية للنمو إلى جانب الاستمرار فى تنفيذ المبادرات القومية، وعلى رأسها «حياة كريمة»، بما يسهم فى تحسين مستوى المعيشة وخلق فرص عمل حقيقية.
ومع إحالة مشروع الموازنة وخطة التنمية إلى لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، تظل المعادلة الأهم هى تحقيق التوازن بين الأرقام والطموحات وبين المؤشرات الاقتصادية وواقع الحياة اليومية للمواطن.
وتعكس هذه التوجهات أن الموازنات لم تعد مجرد أرقام على الورق؛ بل أصبحت تعبيرًا عن تعاقد اجتماعى جديد عنوانه الأبرز «رضا المواطن» وهو ما سيتم التركيز عليه خلال مناقشات لجان مجلس النواب لمشروع الموازنة الجديد وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
من جانبه أكد النائب ممدوح عبدالسميع جاب الله عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن مشروع الموازنة العامة للدولة الذى قدمته الحكومة للبرلمان سوف يتم دراسته بصورة متأنية ودقيقة من لجان مجلس النواب وخاصة لجنة الخطة والموازنة المعنية بدراسة مشروع الموازنة وخطة التنمية الاقتصادية الشاملة وبرامج الحماية الاجتماعية المقدمة من الحكومة لمحدودى الدخل بصفة خاصة.
وأضاف أن مشروع الموازنة الجديد يأتى فى ظل ظروف اقتصادية وتحديات إقليمية صعبة تواجهها منطقة الشرق الأوسط ويواجهها العالم بصفة عامة وأثرت بشكل سلبى على سلاسل الإمداد والتموين، ما أدى إلى مضاعفة تكلفة فاتورة استيراد المشتقات البترولية فى هذا التوقيت الدقيق والظروف الإقليمية والجيوسياسية المعقدة والمحيطة بنا والتى أثرت سلبًا اقتصاديًا وسياسيًا على الدولة المصرية فى الوقت الذى بدأت فيه مؤشرات الاقتصاد المصرى بالتحسن بنهاية عام 2025، مشددًا على ضرورة تعظيم الموارد الحكومية وحوكمة وترشيد النفقات والمصروفات لمواجهة خسائر بعض الهيئات الاقتصادية.
وأوضح فى تصريحات خاصة لـ«صباح الخير» أن الموازنة تحمل مؤشرات إيجابية منها تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وتحسين الخدمات فى إطار رؤية متكاملة تقوم على تحقيق التوازن بين دعم النمو الاقتصادى وتعزيز الحماية الاجتماعية للمواطنين.
وأكمل أن مصر تواجه تحديات كبيرة فى المرحلة المقبلة تتطلب رؤية استباقية لمواجهة التداعيات الاقتصادية العالمية والإقليمية، وأن الحكومة عرضت سيناريوهات للتعامل مع الأزمة الحالية ومواجهة تأثير اضطرابات أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

كما دعا إلى ضرورة العمل على سياسات اقتصادية غير تقليدية تستهدف تنمية الموارد وتعزيز تحويلات المصريين بالخارج ودعم الصناعة والزراعة إلى جانب مواكبة التطور فى مجالات الذكاء الاصطناعى واستثمار طاقات الشباب.
وتابع: الحكومة أعلنت عن حزمة تيسيرات ضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية من خلال إدخال شرائح جديدة ضمن المنظومة الضريبية مع الإبقاء على ثبات الأسعار دون تحميل الممولين أعباء جديدة، مشيرا إلى أن التوجه يتسق مع سياسات وزارة المالية فى إطار الحزمة الثانية من التيسيرات الضريبية والتى شملت بالفعل تعديلات فى ملف الضرائب العقارية وتبسيط إجراءاتها، إلى جانب العمل على إنهاء المنازعات الضريبية وغيرها من التيسيرات الضريبية.