الجمعة 5 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
مفاوضات «حافة الهاوية»

مفاوضات «حافة الهاوية»

بينما تتهاوى الهيبة الأمريكية أمام «دبلوماسية حافة الهاوية» الإيرانية، تلوح فى الأفق ملامح صفقة مريبة قد تجعل من أراضى الخليج «جبهة بديلة» ومسرحًا لنصر وهمى يمنح الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» لقب «المحرر» ويضمن لإيران بقاء نظامها ونوويها. وفى خضم هذا المخاض، يبدو أن ترامب مستعد للتضحية حتى بحليفه الإسرائيلى لتجنب «فيتنام جديدة»، تاركًا المنطقة أمام معادلة صفرية: إما اتفاق «اللحظة الأخيرة» أو انفجار شامل يغير خارطة النفوذ من مضيق هرمز إلى القرن الأفريقى.



 

ويشهد المسرح السياسى الدولى فصلًا غير مسبوق من فصول تآكل الردع الأمريكى، حيث تتجاوز الأحداث الأخيرة مجرد «فشل دبلوماسي» لتصل إلى مرحلة الإهانة الجيوسياسية المتعمدة. إن انسحاب الوفد الإيرانى من مفاوضات باكستان رغم تحرك طائرة نائب الرئيس الأمريكى يمثل ذروة «الدبلوماسية الخشنة» التى تنتهجها طهران لإحراج إدارة ترامب. ولكنها لا تنفى حدوث سيناريوهات تسوية بين الطرفين قد يكون الخليج العربى ضحيتها، وكخطوة تسبق إنهاء الحرب الأمريكية - الإيرانية. وقد يبيع ترامب حليفه الإسرائيلى إذا ما استمر فى الضغط عليه لاقتحام إيران بريًا وذلك بالإعلان عن العدد الحقيقى للقتلى الإسرائيليين فى عملية اجتياح إيران بريًا إن حدثت.

​تكمن المفارقة الكبرى فى سلوك الرئيس دونالد ترامب؛ فبينما تُبنى صورته السياسية على «الحسم» و«الضربات الاستباقية»، جاء قراره بمد الهدنة بدلًا من الرد العسكرى على تجاهل إيران للمفاوضات، فقد اختار ترامب الهروب إلى الأمام بمد التهدئة، ملقيًا بالكرة فى ملعب الوساطة الباكستانية لتجنب الاعتراف بالفشل.

وفى المقابل كان الرد الإيرانى البارد حيث تعاملت طهران مع التمديد الأمريكى كـ«إجراء أحادى» غير ملزم، مما يعكس قدرة على إدارة حافة الهاوية دون تقديم تنازلات مجانية.

​تؤكد التسريبات الصحفية الأمريكية الأخيرة أن المشهد خلف الكواليس يختلف تمامًا عن «التغريدات» التهديدية، حيث يخشى الجانب الأمريكى من تكرار سيناريو 1979 «أزمة رهائن السفارة الأمريكية» فى طهران؛ حيث يدرك أن أى خسائر بشرية كبرى أو وقوع أسرى أمريكيين سيعنى نهاية مستقبله السياسى.

حيث كشفت المصادر أن التهديدات بـ«إنهاء الحضارة الإيرانية» كانت مجرد محاولات دعائية لجس النبض (Seeking Reach) وليست جزءًا من خطة عسكرية متكاملة، وعلى عكس الشائع، كان ترامب هو العائق أمام أى توغل برى فى جزيرة «خرج»، خوفًا من الانزلاق فى مستنقع بشرى وتكلفة اقتصادية لا يمكن تحملها.

 سيناريوهات محتملة

نحن الآن أمام اثنين من السيناريوهات إما أن يحدث اتفاق «اللحظة الأخيرة» وتضطر واشنطن لتقديم «تجميد جزئي» للحصار مقابل عودة إيران للطاولة، وهو انتصار صريح للمحور الإيراني.

أو يصنع «فخ الغدر» المتمثل فى التحذيرات الروسية من «غدر أمريكى» محتمل؛ فربما يكون الهدوء الحالى هو «الهدوء الذى يسبق العاصفة» فى حال قرر ترامب استعادة الزمام بضربة غادرة غير محسوبة النتائج.

وفى الأثناء تبدو الخطوة الإسرائيلية بالاعتراف بـ«أرض الصومال» وتعيين مبعوث دبلوماسى تحولًا خطيرًا فى استراتيجية «تطويق الخصوم»: عن طريق قاعدة بربرة وبناء قاعدة عسكرية (إسرائيلية-أمريكية) مشتركة هناك يهدف لانتزاع السيطرة على مضيق باب المندب، وتحويله إلى ورقة ضغط.

وجاء القرار الصومالى «من الحكومة الشرعية» بحظر مرور السفن الإسرائيلية من باب المندب كصدمة دبلوماسية ذات أثر معنوى وقانونى برغم ضعف القدرات العسكرية الصومالية مقارنة بإسرائيل، إلا أن هذا الحظر يرفع تكاليف التأمين والمخاطر القانونية لشركات الشحن العالمية، ويخلق حالة من «الحصار الدبلوماسي» حول التحركات الإسرائيلية فى المنطقة.

 

 

 

و​الواضح أننا أمام «حالة إنكار» تمارسها الإدارة الأمريكية؛ فبينما يتحدث ترامب عن سلام وشيك وتدمير لقدرات الخصوم، تظهر الحقائق أن إسرائيل عالقة فى استنزاف برى فى جنوب لبنان لا تجد له مخرجًا سياسيًا. وإيران تفرض سيادتها إلى حد كبير على مضيق هرمز، والبحر الأحمر يتحول إلى ساحة صراع دولى بفتح جبهة «صوماليلاند»، مما قد يدفع الصومال للارتماء أكثر فى أحضان محاور منافسة لواشنطن.

​النتيجة أن ترامب يواجه مأزقًا بين رغبته فى الظهور بمظهر المنتصر أمام الناخب الأمريكى مع اقتراب الانتخابات النصفية، وبين واقع ميدانى يزداد تعقيدًا ويُنذر بانفجار شامل قد يطيح بفرصه فى نوفمبر المقبل.

 الجبهة البديلة

​فى علوم السياسة، عندما تصل القوى العظمى إلى «طريق مسدود» (Deadlock) فى صراع صفرى، يصبح البحث عن «جبهة بديلة» هو الخيار الأذكى لتغيير قواعد اللعبة. وما يحدث الآن بين إدارة ترامب وطهران من استعصاء عسكرى فى مضيق هرمز وفشل فى فرض إرادة كاملة، يفتح الباب أمام سيناريوهات «مؤامرة الضرورة» التى قد تكون دول الخليج مسرحًا لها.

ويبدو ذلك مما يتسرب من محاولات السماح لإيران أو ميليشياتها (وتحديدًا الحشد الشعبى فى العراق) بالقيام بـ«تحرك محدود» فى أى دولة خليجية ليكون الهدف الأمريكى من ذلك هو التدخل السريع لـ «تحرير» هذه المناطق، مما يبرر الوجود العسكرى الأمريكى الدائم.

وهنا يتبلور التغيير فى أرض المعركة وبدلًا من انتظار غزو برى أمريكى لجزيرة «خرج»، قد تبادر إيران بنقل المعركة لأرض «رخوة» عسكريًا، ثم الانسحاب منها ضمن اتفاق دولى يضمن بقاء النظام الإيرانى، وعدم المساس ببرنامجه النووى، ورفع العقوبات تحت مسمى «ثمن السلام».. وهكذا تنسحب إيران بـ«بياض وجه» أمام شعبها ووكلائها فى المنطقة.

لذا، فإن خلق «أزمة جانبية» فى الخليج قد يكون هو «سلم النزول» الذى يحتاجه الطرفان، واشنطن لتستعيد دور «الشرطى الضرورى» وتضمن تدفق الأموال والأصوات. وطهران لتحافظ على كيانها النووى وتخرج من عزلتها عبر «اتفاق انسحاب» يحفظ كرامتها.