الجمعة 5 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

كيف غزا سحر الـ K.Drama وهوس B.T.S عقول GEN.Z

تسونامى «الهاليو» يجتاح الشباب!

لم يعد الاحتفاء بالثقافة الكورية لدى أطياف كثيرة من الشباب المصري مجرد صيحة عابرة، بل صارت الثقافة الكورية تحديدًا نمط حياة يسكن بيوت كثير من الشباب ويشكل وجدان جيل كامل.



يظهر هذا التأثير بوضوح من خلال ما يعرف بـ«موجة الهاليو» (Hallyu) وهو مصطلح صينى الأصل ظهر فى أواخر التسعينيات ليعنى حرفيًا «الموجة الكورية» ويشير إلى الانتشار الكاسح للثقافة الشعبية لجنوب كوريا فى العالم.

بدأت هذه الموجة رحلتها من سيول عام 1990 من خلال تصدير الدراما الكورية إلى الصين وجنوب شرق آسيا، ثم انطلقت لغزو العالم بأسره بفضل التخطيط الحكومى الممنهج لدعم الصناعات الإبداعية كركيزة اقتصادية أساسية.

 

وصلت الموجة إلى مصر فعليًا مع عرض مسلسل «أغانى الشتاء» على شاشة التليفزيون المصرى عام 2004 والذى أحدث صدمة إيجابية لدى المشاهد الذى وجد تشابهًا كبيرًا وغريبًا فى القيم الأسرية والروابط العاطفية بين المجتمعين المصرى والكورى، يجد الشاب المصرى اليوم فى هذه الثقافة ملاذًا يجمع بين الرقى الأخلاقى والتطور التكنولوجى المبهر مما يجعل الانغماس فيها تجربة فريدة تتجاوز حدود المشاهدة التقليدية.

والآن يتهافت الشباب على تعلم اللغة الكورية فى معهد «سيه جونج» التابع للمركز الثقافى الكورى بالدقى، حيث تمتلئ القوائم بآلاف الراغبين فى فك رموز لغة «الهانجول» رغبة فى فهم محتوى رسائل نجومهم المفضلين بعيدًا عن وسائط الترجمة، إنها حالة من الذوبان الثقافى جعلت من كوريا جارة قريبة لقلب كل شاب يبحث عن التميز والاختلاف داخل الوجدان الشرقي.

 

 

 

سحر الـ K-DRAMA 

تسيطر الدراما الكورية على محركات البحث ومنصات المشاهدة الرقمية داخل مصر بشكل غير مسبوق حيث ينجذب الشباب لقصص تجمع بين الرومانسية الحالمة والقضايا الاجتماعية الشائكة بأسلوب شديد العصرية والجاذبية، تجمع بين بساطة الطرح وعمق المضمون الإنسانى ما يكسر حاجز اللغة والمسافات الجغرافية بين القاهرة وسيول، ليرى المتابعون فى الأبطال نماذج يحتذى بها فى الأناقة والسلوك ما جعل خطوط الموضة فى المحلات تنقلب لتناسب الذوق الكورى الذى يميل للبساطة والألوان الهادئة.

ينتظر الشباب الحلقات الجديدة بشغف يضاهى انتظار الأحداث الرياضية الكبرى ويتحول النقاش حول مصير الأبطال إلى مادة دسمة تملأ صفحات التواصل الاجتماعى «السوشيال ميديا» لساعات طويلة من التحليل والتوقع المثير، فهذه الأعمال هى التى رسخت مفهوم الهاليو فى العقل الجمعى المصرى وحولته من مجرد متابعة عابرة لعمل فنى إلى ارتباط وثيق بكل تفاصيل الحياة اليومية الملهمة، ونجحت فى تقديم صورة ذهنية عن كوريا الجنوبية كدولة تجمع بين الأصالة والمعاصرة مما يدفع الآلاف للتخطيط لزيارتها كوجهة سياحية أولى.

يساهم التنوع الدرامى بين الأكشن والتاريخى والرومانسى فى جذب فئات عمرية مختلفة تمتد لتشمل ربات البيوت والشباب الجامعى الباحث عن قصص واقعية ومؤثرة، كما يمثل الإنتاج الضخم والاهتمام بأدق التفاصيل عامل جذب أساسيًا يجعل المشاهدة تجربة بصرية ممتعة بمفاهيم جمالية مبتكرة.

هوس B.T. S

تتصدّر فرقة (BTS) والمعروفة باسم «بانجتان سونيوندان (شباب ضد الرصاص) مشهد الموسيقى العالمية كأكبر ظاهرة فنية فى القرن الحادى والعشرين، حيث انطلقت من العاصمة سيول عام 2013 لتعيد صياغة تاريخ صناعة الترفيه بشكل كامل، تتكون الفرقة من سبعة أعضاء نجحوا فى كسر هيمنة الأغنية الغربية والوصول إلى قمة مخططات «بيلبورد» الأمريكية وتحقيق مليارات المشاهدات بفضل رسائلهم التى تناقش الصحة النفسية وحب الذات بصدق.

يلتف حول الفرقة جيش نظامى من المعجبين يطلق عليهم اسم «الأرمي» (ARMY) وهو اختصار لمصطلح يعنى «الممثلون الرائعون للشباب» (Adorable Representative Mc for Youth) ويشكلون أكبر قوة ضاربة على الإنترنت لدعم نجاح الفريق، وفى المقابل تبرز فرقة (BLACKPINK) كأيقونات عالمية للموضة والموسيقى النسائية حيث حققت الفتيات الأربع عارضات الفرقة أرقامًا قياسية تاريخية وأصبحن الوجه الدعائى لأفخم الماركات العالمية ما عزز من هوس الفتيات المصريات بأسلوب حياتهن.

تكتمل الصورة مع فرق الجيل الجديد مثل (Stray Kids) التى تتميز بإنتاج موسيقى صاخبة تعتمد على القوة والتمرد الفنى مما جذب شريحة واسعة من الشباب المصرى المحب للتجديد والاختلاف، ويتميز المعجبون فى مصر بتنظيم فعاليات احتفالية ضخمة فى القاهرة والإسكندرية تضاهى المهرجانات العالمية فى التنفيذ وحماس الحضور. 

راميون... كيمتشى

يقتحم الطعام الكورى المائدة المصرية بقوة مذهلة حيث يتحول «الراميون» و«الكيمتشي» من مجرد أطباق غريبة إلى أصناف أساسية يطلبها الشباب بالاسم فى خروجاتهم اليومية مع الأصدقاء فى كل مكان، تزداد أعداد المطاعم التى تقدم الوجبات الكورية الأصلية فى أحياء مثل المعادى والزمالك والدقى وتتسابق المتاجر الكبرى فى توفير كافة المكونات الغذائية المستوردة لتلبية الطلب المتزايد من ربات البيوت والشباب المهتمين بالطهي.

يربط الشباب بين تناول هذه الأطعمة وبين محاكاة التجربة الكورية كاملة كما يشاهدونها فى مسلسلاتهم المفضلة ما يخلق نوعًا من التقارب الثقافى الممتع والملموس، تصبح تجربة «تحدى الأكل الحار» مادة جذابة لصناع المحتوى على منصات الفيديو المختلفة ما يساهم فى نشر هذه الثقافة الغذائية بين مختلف الفئات العمرية والاجتماعية عالميًا ومحليًا، إن هذا التوغل الغذائى يمثل الركن الثالث والحيوى لموجة الهاليو التى انطلقت لتستقر فى أزقة القاهرة وشوارعها الحيوية المزدحمة. 

يتعرف المصريون من خلال الطعام على فلسفة «اليانغ والين» وهما مفهومان فى الفلسفة الصينية يعبران عن القوى المتضادة والمتكاملة التى تشكل التوازن والنظام فى كل جوانب الحياة والكون، حيث إن توازن العناصر الغذائية فى الوجبة الكورية يرفع من مستوى الوعى الصحى الغذائى لدى المهتمين بجودة الحياة والرشاقة. 

يتحول إعداد طبق مثل «البولجوجى» أو «الكيمباب» وهى أطباق كورية تقليدية شهيرة، فى المنزل إلى طقس عائلى مبهج يجمع الأصدقاء لمشاركة شغفهم المشترك بهذه الثقافة التى تحمل مذاق الشرق، تساهم مهرجانات الطعام السنوية التى ينظمها المركز الثقافى الكورى فى تقديم مذاقات أصلية تكسر حاجز الخوف من تجربة المجهول وتخلق ذكريات سعيدة ترتبط بالنكهات الفريدة. 

الجمال الزجاجى

تقتحم مستحضرات التجميل الكورية المعروفة عالميًا باسم (K-Beauty) الأسواق المصرية بغزارة لتعيد صياغة معايير العناية بالبشرة لدى الفتيات والشباب بفضل جودتها الفائقة ومكوناتها الطبيعية المبتكرة، تعتمد هذه المنتجات على فلسفة «البشرة الزجاجية» التى تركز على الترطيب العميق والعلاج طويل الأمد بدلًا من مجرد إخفاء العيوب ما جعلها الخيار الأول داخل الصيدليات ومتاجر التجميل ويزداد الطلب بشكل جنونى على المنتجات التى تحتوى على مستخلصات غريبة ومفيدة مثل الحلزون والشاى الأخضر والأرز وهى المكونات التى أثبتت كفاءة مذهلة فى مواجهة عوامل الجو القاسية.

 

 

يتابع الجمهور المصرى بشغف روتين العناية بالبشرة الكورى المكون من عشر خطوات ويحرصون على اقتناء «الماسك الشيت» والواقى من الشمس الكورى الذى يتصدر قائمة المبيعات بفضل تركيبته الخفيفة الفعالة، حيث تحول الاهتمام من مجرد مشاهدة الشاشات إلى تطبيق فعلى، يساهم التغليف الجذاب والأسعار المتفاوتة فى جعل هذه المنتجات متاحة لشريحة واسعة من المستهلكين الذين يبحثون عن النتائج المضمونة التى تمنحهم ثقة نجوم كوريا المتألقين تحت الأضواء، تظل هذه الثورة الجمالية دليلًا على ذكاء القوة الناعمة الكورية فى تقديم حلول مبتكرة تناسب احتياجات الإنسان المعاصر.

ومع هذا يمتلك الشباب المصرى قدرة مذهلة على تطويع هذه الثقافة ودمجها مع هويته الخاصة مما ينتج خليطًا فريدًا يجمع بين عراقة المصرى وحداثة الشرق الأقصى المتطور، تثبت موجة «الهاليو» أنها ليست مجرد زلزال عابر بل هى إعادة رسم لخريطة الذوق العالمى بلمسات كورية سكنت وجدان المصريين بذكاء مذهل.

لكن تظل الكلمة العليا فى هذا المشهد الثقافى المتغير للجمهور الذى اختار بوعى أن يفتح قلبه لثقافة تقدر الفن وتحترم المشاعر الإنسانية النبيلة والعمل الدؤوب والمخلص فى كل المجالات.