هل استحق سعيد خطيبى جائزة «البوكر»؟
عمرو محمد الغزالى
«أغالب مجرى النهر» حكاية جريمة.. أم هو التاريخ فى سطور؟!
فى التاسع من إبريل الجارى، أعلنت لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية عن فوز رواية «أغالب مجرى النهر» للكاتب الجزائرى سعيد خطيبى بلقب دورتها التاسعة عشرة.
تتويج حمل اعترافًا بنضج تجربة روائية استطاعت تحويل الراهن إلى تاريخ حى، والنبش فى المسكوت عنه من تاريخ الجزائر المعاصر بأدوات فنية صارمة، بلغة تترفع عن الخطابة المباشرة. الرواية الصادرة عن دار هاشيت أنطوان/نوفل عام 2025، أكدت مكانة خطيبى كأحد أبرز الأصوات الروائية العربية المشتغلة على ثنائية التاريخ والذاكرة، بعد وصوله للقائمة القصيرة بـ«حطب سراييفو» وفوزه بجائزة الشيخ زايد عن «نهاية الصحراء». يقدم هذا النص تجاوزًا للحكاية البوليسية ليصبح تحقيقًا أنطولوجيًا فى الكينونة الجزائرية عشية تحولاتها الكبرى، متناولًا إرهاصات ما حدث فى الجزائر قبيل العشرية السوداء من خلال قصتين متوازيتين لطبيبة ووالدها المقاتل السابق فى ثورة التحرير.

يمثل عنوان الرواية مفتاحًا تأويليًا أساسيًا لفهم النص، حيث يأتى المجرى كاستعارة لحتمية التاريخ والتيارات الجارفة التى تكتسح الأفراد والمجتمعات. أما فعل المغالبة فيجسد المقاومة الفردية، تلك المحاولة اليائسة والنبيلة فى آن واحد لاستعادة المعنى من وسط الركام.
اعتمد الكاتب على بنية سردية معقدة تقوم على التوازى والاسترجاع، حيث يربط بين حدثين متباعدين ظاهريًا ليكشف عن ترابطهما العميق فى تشكيل الذاكرة الوطنية الجزائرية. المسار الأول يخص رحلة الطبيبة عقيلة تومى، التى تجد نفسها مشتبهًا بها فى جريمة قتل زوجها، فتتحول غرف التحقيق إلى مرآة لحياتها الكاملة، كاشفة عن تفاصيل زواج قام على الخوف والعنف المنزلى الصامت. أما المسار الثانى فيروى قصة المناضلين القدامى، بمن فيهم والد عقيلة، الذين يسعون لتبرئة أنفسهم من تهمة العمالة التى لُفقت لهم منذ عهد الثورة، مما يعكس صراعات الهوية والانتماء فى الجزائر ما بعد الاستقلال.
يبدأ النص بملامح رواية جريمة؛ مشرحة، عيادة، وغرفة تحقيق. لكن خطيبى يستخدم هذا القالب لإغراء القارئ بالدخول، ثم يفكك هذا القالب سريعًا ليتحول البحث من سؤال «من القاتل» إلى سؤال «ما الذى قتلنا جميعًا».
التحقيق يهدف إلى تعرية الأنساق المضمرة التى تحرك المجتمع الجزائرى، وكشف الخراب الجوانى الذى سبق العشرية السوداء. الرواية تفكك المسار الذى أوصل امرأة عادية إلى موقع الاتهام، وتعرية شبكة العلاقات الاجتماعية والمؤسسية التى تجعل البراءة نفسها موضع شك.
يبرع خطيبى فى استخدام جماليات الصمت، فالحقيقة فى الرواية غالبًا ما تكمن فيما تقوله المحاضر الرسمية، وفى الفراغات التى تتركها الشخصيات فى اعترافاتها. هذا الصمت يعكس طبيعة المجتمعات التى ترزح تحت وطأة الخوف، حيث تصبح اللغة أداة للتمويه أكثر منها أداة للكشف. يستخدم خطيبى الوثيقة داخل النص الروائى ببراعة، فالمحاضر والتواريخ مثل التاسع من يونيو عام 1990، والرسائل، ليست زينة سردية، إنما هى أدوات حفر تهدف إلى مساءلة الأرشيف الرسمى. تقترح الرواية تاريخًا موازيًا يكتبه المهمشون والنساء والضحايا، فى مواجهة مجرى التاريخ الذى يكتبه المنتصرون أو القتلة. وتصبح مغالبة النهر فى جوهرها محاولة لإنقاذ الذاكرة الفردية من الذوبان فى الذاكرة الجمعية المفروضة قسرًا.
تمزق الهوية
تتحرك الشخصيات فى فضاء مشبع بالشك والريبة، وهى شخصيات ما بعد كولونيالية بامتياز، تعيش تمزقًا بين لغة المستعمر القديم التى تدير بها حياتها الرسمية، وبين خطاب هوياتى منغلق فى حياتها اليومية. هذا التناقض يعبر عن الشخصية المأزومة، حيث تفشل الدولة الوطنية فى خلق هوية متجانسة، فتصبح السيادة مجرد قشرة خارجية بينما يظل الداخل ممتلئًا بأشباح الآخر. اختيار البطلة كطبيبة عيون يحمل دلالة رمزية عميقة، فالعين هى أداة المعرفة والاعتراف. عقيلة التى تعالج بصر الآخرين، تجد نفسها تحت نظرات التفتيش القاسية، فيتحول جسدها فى زنزانة التحقيق إلى أرشيف حى تتراكم فيه آثار الإذلال والانتظار والقلق الصامت.
يمثل مخلوف تومى، زوج عقيلة، الجانب المظلم من المؤسسة. فهو طبيب شرعى يتاجر بقرنيات الموتى، ما يرمز إلى انتهاك حرمة الإنسان حتى بعد موته، وتواطؤ العلم مع الجريمة فى ظل غياب الرقابة الأخلاقية والقانونية.

علاقته بعقيلة قامت على الخوف أكثر مما قامت على المودة، وثمة عنف منزلى صامت وأمومة مثقلة بالقلق. أما عزوز، الأب، فيمثل جيل الثورة الذى بنى الدولة ولكنه فشل فى حماية أبنائه. الجملة المركزية فى الرواية التى وجهها لإدريس: «كان يمكن أن تصير ابنى»، تختزل الفجوة الهائلة بين جيلين؛ جيل التحرير وجيل العشرية السوداء الذى شعر بالاغتراب داخل وطنه. هذا الانقطاع الثقافى بين الأجيال هو النهر الحقيقى الذى جرف معه أحلام الدولة الوطنية، وترك الشخصيات فى حالة مغالبة أبدية لتيار لا يرحم.
يظهر الآخر فى هذا النص باعتباره كيانًا ممزقًا؛ فهو تارة الآخر الكولونيالى الذى ترك لغته وبيروقراطيته كأدوات قمع لا تزال تعمل، وتارة هو الآخر الأيديولوجى الذى نبت فى الداخل كعدو حميم يهدد بنسف السلم الأهلى.
الرواية تشرح كيف يتسلل الخوف إلى اللغة والجسد والعمارة، وكيف يتحول إلى نسق ثقافى يمهد للانفجار الكبير المتمثل فى العشرية السوداء. الخوف فى هذه الرواية هو بطل صامت، يحرك الخيوط من خلف الستار، ويجعل من البحث عن الحقيقة رحلة ضياع وسط غيوم العاصفة القادمة.
تحولات كبرى
المكان فى الرواية، تعبير عن تمزق الأنا بين الهامش والمركز. انتقال السرد بين بوسعادة والعاصمة يكشف عن عملية ترييف المدينة واجتياح القيم الراديكالية للفضاءات المدنية التى كانت يومًا ما واحات للتعددية. وبهذا المعنى فإن النهر الذى يغالبه الأبطال هو أيضًا نهر التحولات الديموجرافية التى أعادت صياغة الشخصية الجزائرية وفق أنساق هجينة، تجمع بين الحداثة المجهضة والسمات التقليدية المستعيدة لقوتها. تنفتح الرواية على تفاصيل الحياة الزوجية والعائلية، مظهرة العنف المنزلى والصمت والتواطؤ اليومى بوصفها امتدادات لمنطق أوسع ، وليس كحالات فردية معزولة. علاقة عقيلة بزوجها مخلوف، التى قامت على الخوف، تكشف عن أزمة أعمق فى بنية المجتمع، حيث تتداخل السلطة العامة مع السلطة الخاصة، وتصبح المرأة ضحية لذكورية المجتمع وجمود الجماعة.

تسائل الرواية الهوية الجزائرية عشية تحولاتها الكبرى فى مطلع التسعينيات، وهى الفترة التى وسمت بالعشرية السوداء. يشرع خطيبى فى روايته بتأثيث فضاء سردى لا يكتفى بتذكيرنا بشبح العشرية كحدث تاريخى، ويتخذ منها مختبرًا ثقافيًا لفهم كيفية تشكل الهوية فى لحظات الانكسار. تستشرف الرواية بذكاء لحظة الانفجار فى التسعينيات، فمن خلال الحوارات والمواقف الضمنية، يكشف خطيبى عن الخراب الجوانى الذى سبق العشرية السوداء. تتميز لغة سعيد خطيبى فى هذا العمل بصرامة فنية لافتة، فعباراته غالبًا ما تكون متوسطة الطول، محكمة البناء، وتخلو من الزخرفة اللغوية الزائدة التى قد تشتت القارئ عن التوتر الدرامى للحدث. يمزج الكاتب بين اللغة الوثائقية المتمثلة فى المحاضر والتواريخ والرسائل، وبين اللغة الشعرية المظلمة التى ترثى المهمشين وتكشف عن الخراب الجوانى للنفس البشرية. هذا التوازن يمنح الرواية طابعًا مزدوجًا، فهى تقرأ كاعتراف داخلى طويل، وكذلك كملف سردى يفضح هشاشة العدالة حين تدار بمنطق الاشتباه الدائم.

تمنح الصرامة الوثائقية النص صدقية تاريخية وتوحى بالقالب البوليسى الإدارى، مما يعزز واقعية الأحداث. يعمل التكثيف الدرامى على تسريع وتيرة السرد فى غرف التحقيق ويبقى القارئ فى حالة ترقب، مما يخلق جوًا من التشويق. أما الرمزية العميقة فتحول الأدوات البسيطة مثل المشرط والعين والنهر إلى مفاهيم وجودية، مما يثرى المعنى ويضيف أبعادًا فلسفية. تقدم «أغالب مجرى النهر» رواية ناضجة، تتجنب الخطابة وتبتعد عن الإدانة المباشرة، وتنجح فى تحويل تجربة فردية إلى سؤال ثقافى واسع حول الجسد والسلطة والمعنى. إنها إضافة لافتة إلى السرد العربى المعاصر، وتؤكد أن الرواية قادرة، حين تكتب بوعى فنى صارم، على مساءلة الواقع من داخله، وبأدوات الأدب وحده.