نجيب محفوظ وليالى ألف ليلة
حكايات عاشها الميت الحى
د. عزة بدر
هل يمكن أن يعيش المرء بثلاث شخصيات؟ تستنفد كل واحدة منها قواها ومقدراتها فتقضى، ومن رمادها تولد شخصية أخرى جديدة، ومن الموت تتجدد الحياة.
بلمسة عجائبية تتحول بعض شخصيات ليالى ألف ليلة لنجيب محفوظ، لتصبح فى كل مرة سُرة السرد التى تولد من عناقيدها وتشابك أصولها وفروعها شخصيات أخرى، يراها أبطال الرواية ذروة الجنون، ويراها آخرون قمة العقل «جمصة البلطي» يصبح فى هذه الرواية شخصية رئيسة يتوقف عليه التطور الدرامى فى الرواية، يتنامى ليتطور من جديد، ومن داخله تولد شخصيات مختلفة لكن لها الجوهر نفسه، وتبحث جميعًا عن فكرة البحث عن العدل والبحث عن معنى.
الحمَّال
بعيدًا عن حكايات شهرزاد، تنمو الشخصيات كما يحلو لها، تحار، وتتساءل، وتضطرم قلوبها بالمشاعر وتضطرب أفكارها حول ماهية الحياة؟ وأهمية وجود الفرد مُخلصًا لحياة الجماعة، فهل أحسن «جمصة البلطي» صُنعًا وهو يتحول من كبير رجال الشرطة إلى عبدالله الحمَّال، ثم تحوله إلى عبدالله البري؟
.. إنه الشخصية الإنسانية التى اختارت التمرد على ما قُدّر لها، حتى ولو كان التمرد على شهريار الملك بإطلاق سراح الضحايا، والخصوم، والمختلفين فى العقائد والأفكار، فانتهى الأمر بتعليق رأسه على باب داره، ومصادرة أمواله، وفُرقة أهله، ولكن القدر العجائبى بمساعدة «قمقام» عفريت من الجن، استنقذه من هذا المصير ليتبدى فى إهاب رجل آخر، وملامح أخرى فصار عبدالله الحمّال.
أسى وسرور
ومن هذه البداية الجديدة يحاول جمصة العودة إلى حياته القديمة، وإلى أسرته، ولكن من طرف بعيد خفى، فيقترح على فاضل ابن صنعان الجمالي الزواج من أكرمان ابنة جمصة، فيقترح عليه فاضل الزواج من أرملة جمصة، من السيدة رسمية لكنها أبت لتعلقها بذكرى جمصة البلطى، ما دفع بالسرور إلى قلب الحمَّال، وبالأسى فى الوقت نفسه لأنه سيعيش بلا رواء عاطفى.
وفى تأمل عميق يجسد «جمصة» حياته التى كانت، ويراها كيف أصبحت، فيتأمل رأسه المعلق على داره، ويسأل رجب الحمَّال أن يساعده فى العمل حمّالًا ويهتف بطلنا فى داخل نفسه أنه الميت الحى، فهو عبدالله الحى، و«جمصة» الميت معًا، ويصف محفوظ تجربة بطله العجيبة فيقول: «تجربة غريبة لم يمارسها إنسان من قبل، يسعى إلى رزقه فى رحاب زمالة رجب فيتذكر أنه حى يعبر الطريق تحت رأسه المُعلق، أو يرى «رسمية» و«أكرمان» فيتذكر أنه ميت، ولم يغفل أبدًا عن معجزة إنقاذه من الموت، فعزم على السير حتى النهاية فى طريق التقوى، يجد سروره فى العبادة، وينعم فى وحدته بذكر الله، ويُناجى رأسه المُعلق فيقول: لتبقى رمزًا على موت الشرير الذى عبث بروحى طويلاً».
.. يتذكر ناقمًا تلك الفترة التى كان فيها ذراع شهريار الملك، فى كل ما ذهب إليه من مظالم بحجة إنفاذ الأوامر.
ومع ذلك شعر عبدالله الحمَّال، وهو فى شخصيته الجديدة، التى يود أن يصنعها على عينيه بأنه يحن حنينًا دائمًا لشخصيته الزائلة، ويفسر محفوظ ذلك فيقول: «تلك الشخصية التى توّجت حياتها بتوبة صادقة، مثير جدًا أن يموت الإنسان وهو حى، أو يحيا وهو ميت، فمن ذا يمكنه أن يُصدِّق أنه هو «جمصة البلطى» بجوهره الدفين؟ وهل يحتمل أن ينفرد بهذا السر وحده إلى الأبد؟ حتى «رسمية» و«أكرمان» تنظران إليه كغريب وافد من بلاد غريبة، لذلك يشعر حيال نظرتهما غير المبالية بغربة قاسية، وظلم مُعذِّب، لم تفطنا ولو مرة واحدة إلى الحب الراسخ وراء نظرته المُسترقة، لم تعكسا لأشواقه صدى، تطل من عينيها نظرة تجدد تنفيذ الإعدام فيه كل صباح وكل مساء». رحمة بمن يحب
ويتداخل صوت السارد العليم ببواطن شخصياته بهذه المشاعر الثرة التى امتزجت بالأسى فى حياة شخصية تريد أن تحيا وأن تموت معًا؟!
فيقول عن بطله: «حتى حزنهما لذكراه لم يكن يمسه بأنامل العزاء، ويجز فى نفسه ابتعادهما الوئيد عن ذكراه فيما تغوصان فيه من هموم الحياة اليومية، لن تصدقا الحياة الموهوبة له بمعجزة، ولن تتقبلاها، لقد تجرعتا بمضض موته وعانتا كرباتها، وعرفتا الحياة بدونه، والخروج من الوضع الجديد مزعج مثل الدخول فيه، وهو لن يُقدم على تقويض البناء الجديد، ولا يستطيعه، من مات يجب أن يستمر فى الموت رحمة بمن يحب، وعليه أن يألف موته فى حياته الجديدة، ليكن «عبدالله الحمَّال» لا «جمصة البلطي».
تضطرم نفسه بالمشاعر، وتصطرع ذواته، بين ما كانت عليه، وما ينبغى عليه أن يكون، تسوقه قدماه كحمَّال إلى بيوت معارفه السابقين، ودور السادة الحكام فتستلفته عوالم التقوى الظاهرة، والفساد الكامن ويكدِّر صفوه، ذلك الاعوجاج، يقول لنفسه: «إنه كما تنطلق الكواكب فى نظام بديع، فهكذا يجب أن تجرى أحوال العباد، وتساءل فى قلق:
- هل بقيت فى الحياة بمعجزة لأعمل حمَّالاً؟
دفاتر سرية
وفى تطور درامى جديد، تتماس حياة عبدالله الحمَّال بخطوط «عدنان شومة» كبير رجال الشرطة الذى يريده عينًا من عيونه فيقول له عدنان: «الدور مفتوحة لك بحكم عملك، ولا ينقصك إلا بعض الإرشادات، هى الإرشادات المدونة فى دفاتر سرية منذ عهد جمصة البلطي».
ووجدها «عبدالله الحمَّال» فرصة سانحة للتخلص من شرير آخر، حسب وجهة نظره، عندما طلب إليه «عدنان» مقابلته خارج حدود الحى، وكان «عبدالله» يعرف غرامه بالأختين «جلنار» و«زهريار» شقيقتى حاكم الحى «يوسف الطاهر».
وتخلص الحمَّال من عدنان خارج سور الحى فقتله، ما أغضب شهريار الملك الذى رأى رجاله يتساقطون واحدًا خلف آخر.
ويوفر محفوظ لبطله من جديد اغتسالاً من ذنوبه، باللجوء إلى البحر، وهو هنا مصدر الطهر والتطهير، وعلى الشاطئ تأتى المعجزة الثانية، والتحول الجديد، من داخل الشخصية وخارجها، وذلك عندما يلتقى بعبدالله البحرى، وكان نصفه فى الماء، ونصفه يستند بساعدين فوق الشاطئ والذى بادر الحمَّال قائلاً: «إن قبضة الشر تتوتر للقبض على عنقك».
ثم يصف له مملكة الماء بأنها قد تحقق فيها الكمال، وتلاشت فيها المتناقضات، ولا ينغص صفوها إلا أهل البر وتتحقق المعجزة الجديدة، أعجوبة الميلاد، فيطالبه عبدالله البحرى بأن يُغطِّس نفسه فى الماء قبل أن تطوِّق عنقه القبضة القاتلة.
فغاص فى ماء النهر، وقال له الصوت:
- عُد إلى البر آمنًا.
ثم ظهر عبدالله البرى فى صورة أخرى ليست جمصة البلطى، ولا عبدالله الحمَّال، وإنما وجه جديد صافى البشرة، ولحية مسترسلة سوداء، وشعر غزير مفروق ينسدل حتى المنكبين، ونظرة عينيه تومض بلغة النجوم، فهتف: مباركة العجائب إن تكن من صنع الله.
مقام العبادة والدم
يغدو «عبدالله الحمَّال» مطاردًا ليس من رجال الملك شهريار فقط بل من ذاته فيهرع إلى الشيخ «عبدالله البلخى» لينقذه من حيرته، صحيح أنه الآن شخص آخر: «عبدالله البرى» لكن كامن فيه أعمال جمصة البلطى وعبدالله الحمَّال، فيقول للشيخ:
اسمك كالزهرة يجذب إليه شوارد النحلات
فقال الشيخ: الفعل الجميل خير من القول الجميل.
- ولكن ما الفعل الجميل؟.. هذه هى مشكلتى؟
- ألم يُصادفك عند مجيئك رجل حائر؟
- أين يا مولاى؟
فأجاب بهدوء: بين مقامىّ العبادة والدم
فارتعد خوفًا، وقال لنفسه: إنه يرى ما وراء الحجاب، وقال متنهدًا:
- فى الليلة الظلماء يُفتقد البدر.

ويتواصل الحوار بين «عبدالله البري» فى هيئته الجديدة، متطهرًا بالماء فى مملكة الماء، وبين الشيخ «عبدالله البلخي» وكأنه هو نفسه «الشيخ عبدربه التائه» فى أعمال أخرى لمحفوظ، فيتحدث الشيخ عن فلسفته فى الحياة، دون أن يفرض رأيه ووجهات نظره على سامعيه فيقول: «عرفت من التلاميذ ثلاثة أنواع، هم السعداء فى جميع الأحوال: قوم يتلقون المبادئ، ويسعون فى الأرض، وقوم يتوغلون فى العلم، ويتولون الشئون، وقوم يواصلون السير حتى مقام الحب، ولكن ما أقلهم.
فيقول «عبدالله البري»، وقد تفكّر مليًا:
- ولكن العباد فى حاجة إلى الرعاية فقال دون أن يتخلى عن هدوئه:
- كل على قدر همته.
فتحدى تردده قائلاً: إنما قصدتك يا مولاى.
وعثر فى الصمت كأنه ليجمع أفكاره، فقال الشيخ: لا تحدثنى عن مقصدك
- لماذا؟
- كل على قدر همته.
أسبل جفنيه غائبًا عن اللقاء، انتظر عبدالله أن يرفعهما مرة أخرى، ولكنه لم يفعل، فانحنى لاثمًا يده، وانصرف.
العنف مأساة
على الرغم من التحول فى الشخصية، ولقاء الشيخ، ورغم ما اغتسل به الحمَّال من ماء مطهر للخطايا، ظل شبح «عبدالله الحمَّال» ماثلاً ظلومًا، فقد كان عنفه، ووجهات نظره شديدة التطرف، ويراها قد تحقق العدالة! فانطلق كالسهم فى سماء الجهاد كما تصوره، فأسقط «بطيشة مرجان» كاتم سِر الملك «شهريار» قتيلاً، وقتل «عدنان شومة» كبير رجال الشرطة، ولسبب عارض لم يخطر على باله من قبل تخلص من «إبراهيم العطار»، وكان قد حمل إليه بعض اللوازم، فاختلفا على الأجر، فلعنه «إبراهيم التاجر» وأهانه فقتله، وانفجر الفزع فى المدينة ذكريات مصارع «على السلولى» و«خليل الهمذاني».
ويكشف السرد عن خيوط الفكر الإرهابى الذى يُمسك بخناق العقول، وهذا التفاهم السرى بين «عبدالله البري»، وخطيب ابنته «فاضل صنعان»، وذلك من خلال حوار عامر بالتفاصيل حول حقائق داخلية ربما لا تستبين بوضوح.
فيقول عبدالله لفاضل: يالها من أحداث مرعبة، فحدس الآخر ظنونه، فقال ببراءة: ليس الاغتيال ضمن خطتنا.
فقال عبدالله متظاهرًا بالحيرة:
- لعلها حادثة انتقام شخصى.
- لا أظن.
- لكنه لم يكن أفسد من غيره.
- يعرف الخاصة أنه يدس السُم فى أدوية أعداء الحاكم.
قال عبدالله لنفسه إن صاحبه يعرف من أسرار الناس ما يعرفه، وربما أكثر.
لقد هزّت حادثة إزهاق روح «إبراهيم العطار» الجميع، الإنس والجن معًا وهو ما صوَّره محفوظ مبرزًا قسوة الحادث، وتبعاته، وآثاره، وصوت الضمير، ففى حوار بين عبدالله وسنجام حول مقتل «إبراهيم العطار»، يقول سنجام: «بل كان رد فعل لما ألحقه بك من إهانة».
فقال بحرارة: ما فعلت إلا أن قدمته، وكان دوره سيأتى عاجلاً أو آجلاً.
فقال سنجام: حسابك عند المُطّلع على ما فى الصدور، فحذار يا رجل.
وتلاشى «سنجام» فلم يغمض له جفن.
التفاف ومداراة
يناور عبدالله فيتظاهر بأنه لا يعرف الحقيقة وراء مقتل العطار فيقول لفاضل:
- إذا لم يكن الاغتيال ضمن خطتكم فمن فاعله؟
فقال فاضل بضيق:
- الله يعلم، إنه يقتل، ونحن ندفع الثمن.

لم يكن ماء النهر كافيًا ليطهر «عبدالله الحَمَّال» من إزهاق روح جديدة، جاءته أخبار باختيار حاكم الحى لحسام الفقى كاتمًا للسر، «وبيومى الأرمل» كبيرًا للشرطة، وتعقب «عبدالله الحمَّال» والقبض على معارفه، فسيق إلى السجن «رجب الحمَّال»، و«فاضل صنعان»، وزوجته «أكرمان»، وسرعان ما اهتز «عبدالله الحمَّال» والبرى، وجمصمة البلطى، الشخصيات الثلاثة التى اجتمعت فى شخصية واحدة تؤمن العنف، وقلما تغيِّر فكرها بخصوص التغيير بالاغتيال! وطى صفحة القانون والتصرف حسب الهوى، والرغبة فى الانتقام، شخصية لم تغيرها سماحة الشيخ، وحواره الهادئ، وإبرازه أهمية تحمل المرء مسئولية قراره، وإعمال ضميره، ولم يجد حتى كلام العفاريت نفعًا، لاسنجام أفلح فى أن يثنيه عن ظلمه، ولا سوء عاقبة ما حدث لصنعان الجمالى يرده عن فعله.
فهل أراد محفوظ أن يقول.. إن شهريار الظالم، سافك الدماء، هو صناعة بشرية، تكرسها الذات لنفسها، وتدعم أفكارها، بلا مراجعة وبلا إعمال للعقل والضمير؟
.. لم يتحرك «عبدالله البري» إلا عندما وجد ابنته «أكرمان» ضمن المحتجزين بسببه فذهب ليعترف، وفى حوار كاشف عن بذرة تكوين الإرهابى الذى يعتقد أنه يُحسن صنعًا، يسأل كبير الشرطة عبدالله البري: - ولم قتلت «عدنان شومة»؟
فأجاب ببساطة: إننى مكلف بقتل الأشرار.
- من الذى كلفك بذلك؟
- سنجام ذلك العفريت المؤمن، وبوحيه قتلت «خليل الهمذاني»، و«بطيشة مرجان»، و«إبراهيم العطار».
فجاراه الرجل قائلًا: سبق أن اعترف بقتل الهمذانى كبير الشرطة الأسبق «جمصة البلطي».
فهتف عبدالله البري: فى الأصل كنت جمصة البلطى.
- رأسه مُعلق بباب داره.
- وقد رأيته بعينى رأسى.
- وتصِرّ على أنك صاحب الرأس؟
- لا ريب فى ذلك، وسوف تصدقنى عندما تسمع حكايتى.
- لكن كيف ومتى ركّبت هذا الرأس الجديد؟

- دعنى أطلب «سنجام» شاهدًا فصاح الرجل: إنك جدير بالإقامة فى دار المجانين.
وأمر بإرساله من توه إلى دار المجانين فمضوا به، وهو يصرخ- إليَّ يا سنجام، إليّ يا عبدالله البحرى.
.. وهنا نشهد تحولات شخصية «جمصة البلطي» العديدة، من شخصية تابعة لأوامر «شهريار»، ينفذ ما يؤمر به بلا عقل، إلى شخصية ثائرة، تفرج عن الضحايا والمظلومين، وأصحاب الفكر المغاير، ثم انتكاس الشخصية بعد اعتناقها العنف كوسيلة للتغيير، وطرح القوانين جانبًا، وتنفيذ الأحكام باليد، وبغدَرَات أطاحت وأزهقت أرواحًا، فصوَّرت الهداية رجلاً تخلى عن لغة النجوم إلى لغة الانتقام، وانتهى به مصيره إلى الجنون بعد أن شرب من نهر الدم.
.. إنها رواية تجعل الليالى تحاكم فكرة العنف، وتقف ضد التطرف وتدعو إلى إعمال العقل، وتسمو بالفكر لتصبح الحياة حياة البحث عن معنى.
.. وإلى حلقة قادمة