السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

قنابل صلاح حافظ

عمود صحفى أدان هيكل وسخر من موسى صبرى!

أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.



ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.

 

حكايات العمود الصحفى لا تكتمل إلا بالحديث عن أخطر عمود فى الصحافة المصرية..

وهو ليس عمودًا يتحدث فيه كاتبه عن طرائف صادفته أو أفكار وخواطر طرأت على باله، إنه عمود جاد جدًا وإن احتفظ بروح ساخرة. 

وهو عمود معارك يخوضها كاتبه وليس حواديت للتسلية كما فى بعض الأعمدة الشهيرة.

وهو بالمناسبة لا يُنشر فى جريدة يومية، ولكن فى مجلة سياسية تحتل المركز الأول فى الصحافة السياسية المصرية والعربية هى «روزاليوسف».

وكاتبه هو صلاح حافظ لا غيره. 

ولعلنا نبدأ الحديث عنه بكلمة ذكرها جمال عبدالناصر زعيم ثورة يوليو 1952، حيث أشار إلى أن مقالات صلاح حافظ فى «روزاليوسف» هيأت الشعب للتجاوب مع حركة الضباط الأحرار فتحوّلت إلى ثورة.  

 

ظاهرة فريدة

اشتهر صلاح حافظ بلقب «مايسترو الصحافة» لأنه ظاهرة صحفية فريدة.

فقد تألق فى «روزاليوسف» وأصبح كاتبًا مشهورًا بينما كان لا يزال طالبًا فى كلية الطب فى الثانية والعشرين من عمره!

وكانت بدايته الأولى عندما تقدم ببعض القصص القصيرة التى كتبها وذهب بها وهو طالب طب إلى جريدة «المسائية» لنشرها، لكن سكرتير التحرير حسن فؤاد وجهه إلى العمل الصحفى.

ومن وقتها وجد نفسه يتنقل بين الصحف والمجلات.

ويعتبر صلاح حافظ الصحفى الذى عمل فى أكبر عدد من الصحف والمجلات.. عمل فيها كلها، وكان أحيانًا يعمل فى أكثر من جريدة ومجلة فى الوقت نفسه.

ولا أستطيع رصد قصة حياته كلها هنا، فهى تحتاج إلى أكثر من كتاب وقد أتمكّن فى وقت لاحق من وضع كتاب عنه كشخصية فريدة صحفيًا وإنسانيًا وعن تعدد مواهبه.

 
 
 

 

 

وعن اعتقاله لثمانى سنوات وعن توجهاته السياسية الماركسية وعن موافقة السيدة «فاطمة اليوسف» على تعيينه فى المجلة بمرتب يساوى 3 أضعاف ما حصل عليه أستاذ أساتذة الصحافة المصرية الحديثة محمد التابعى عندما تولى رئاسة تحرير «روزاليوسف».

وقد ذاعت شهرته فى مطلع خمسينيات القرن العشرين عندما كان يكتب أشهر وأخطر عمود صحفى وأكثره رقيًا وريادة وتأثيرًا فى الحياة العامة وفى التهيؤ للثورة.. بعنوان  «انتصار الحياة». 

أما عموده «قف!» فجاء بعد ذلك ليؤسس لمفهوم جديد للعمود الصحفى هو المشاركة فى معارك النهوض بالوطن والناس ومواجهة كل مظاهر الخلل والفساد.. أى أنه كان ثورة متواصلة.

متى بداية «قف!»؟

فى المجلات كما فى الجرائد يطلق وصف «عمود صحفى» على المقال الدورى الثابت الذى يحتل صفحة أو أكثر. واختار كاتبنا المتفرّد لعموده الساخن الساخر عنوان «قف!» 

.. والحقيقة أننى لا أعرف متى بدأ هذا العمود.. فأقدم نسخة متوفرة لديّ منه تعود لعام 1967 فهل كانت هى البداية؟ يحتاج الأمر لمزيد من البحث.

لكننى سأضرب مثلا واحدًا لهذا العمود الخطير، هو ذلك الذى كتبه بتاريخ 9 يناير 1986.. أى منذ 40 سنة، مع أن هناك عديدًا من مقالات هذا العمود التى لا يمكن وصفها بما هو أقل من المعارك والحملات القوية الساخنة.

  لكن هذا المقال الذى نستعرضه هنا يتميز بصفة خاصة هى أنه لم ينشر فى «روزاليوسف» كالمعتاد، لكنه نشر فى مجلة «صباح الخير».

لماذا؟!

لأن صلاح حافظ كان يتولى وقت كتابته، مهمة رئيس تحرير «صباح الخير» مؤقتًا..

المهم، لنقرأ معا ما كتبه فى مقدمة العمود الذى استغرق 4 صفحات من المجلة:

«تعاقب على حكم مصر فيما يبدو رئيسان، كان كل منهما يحمل اسم أنور السادات!

كتب تاريخ الأول موسى صبرى فى كتاب «الحقيقة والأسطورة».. وكتب تاريخ الثانى محمد حسنين هيكل فى كتاب «خريف الغضب».

وقد كان الشائع قبل ظهور هذين الكتابين أنه لم يحكم مصر غير سادات واحد.

لكن هذا الاعتقاد كان وهما بلا جدال: لأن السادات الذى فى كتاب موسى لا يمكن أن يكون هو نفسه السادات الذى فى كتاب هيكل!».

لنلاحظ  لغة صلاح حافظ الساخرة من أول سطر، فهو باختصار وعلى مدى الصفحات الأربع يسخر من «الكاتب العالمى» محمد حسنين هيكل كما يسخر من «الكاتب الكبير» موسى صبرى، ولم يسبق أن قرأنا مقالًا ساخرًا عن هيكل أو موسى.

لماذا يسخر منهما؟

ليس لأسباب شخصية مع أنه زاملهما فى العمل فى دار «أخبار اليوم».

لكن لأنهما فى كتابيهما وقعا فى خطيئة كبرى - فى رأيه - هى انعدام الأمانة من وجهة نظره فى رصد شخصية السادات.

فأحدهما وهو موسى صبرى يقدّم فى كتابه مرافعة دفاعية حامية، بينما يتولى محمد حسنين هيكل فى كتابه مهمة هجومية مضادة مثل مذكرة النيابة!

وطبعًا لن أقوم هنا بعرض نص العمود الذى اختار له الكاتب الساخر عنوان «سادات موسى وسادات هيكل».. وملأ بهذا العنوان غلاف «صباح الخير» الذى هو عادة عبارة عن معرض أسبوعى لأجمل اللوحات لكبار الفنانين من محمود سعيد وحسين بيكار وراغب عياد وصبرى راغب.. إلى جمال كامل وهبة عنايت ونجوم الكاريكاتير.. لكن لنتوقف أمام بعض ملاحظات صلاح حافظ:

فسادات موسى كان بطلًا وطنيًا شابًا، وسادات هيكل كان لديه فى شبابه ميل للرضوخ للأقوى.

وهو عند موسى كان عدوًا للملك.. واعتقل وفرّ من المعتقل، لكن هيكل يؤكد أن السادات لم يفر من المعتقل، وإنما سرّبته السراى الملكية لكى يغتال النحاس. 

ويقول موسى إن السادات أول من شكل تنظيمًا ثوريًا فى الجيش، بينما يقول هيكل إنه كان عضوًا فى «الحرس الحديدي» الذى يحمى الملك من خصومه.

موسى يؤكد أن السادات قاد فى الإسكندرية، عملية نفى الملك، لكن هيكل يكشف أن القائد العسكرى للعملية كان زكريا محيى الدين والقائد السياسى كان جمال سالم، وأن السادات كان موجودًا بالصدفة.

وفى كتاب موسى أن عبدالناصر اختاره نائبًا له ثقة فيه وكان اختيارًا نهائيًا، بينما جاء فى كتاب هيكل أن تعيينه نائبًا للرئيس كان إجراءً مؤقتًا وسيكون دوره شكليًا.

وأخيرًا قال موسى إن السادات ما كاد يتولى الرئاسة حتى تفرّغ للإعداد لحرب التحرير، ويناقضه هيكل بأن السادات كان همّه تجنّب الحرب وتمهيد الطريق للتفاهم مع العدو، وكان مرغمًا على الحرب لكنه منع الجيش من مواصلة الهجوم ليبدأ المفاوضات.

 

 

 

تناقضات بلا نهاية

نأتى إلى نهاية العمود الصحفى الخطير، حيث يختم صلاح حافظ «قف»! مواصلا سخريته الحادة بهذه السطور: «إن طبائع الأشياء لا تسمح بأن يكون هذا السادات هو ذلك.

وموسى صبرى كاتب كبير ومحمد حسنين هيكل كاتب عالمى، وكلاهما جدير بأن نصدقه، والتفسير الوحيد الذى يسمح بأن نصدقهما معا هو أن مصر كان يحكمها ساداتان، أحدهما يحكم أيام السبت والاثنين والأربعاء ويقابل أثناءها موسى والثانى يحكم أيام الأحد والثلاثاء والخميس ويقابل أثناءها هيكل!

وقد يبدو هذا التفسير هزليًا، وسخيفًا، لكنه أرحم بكثير من التفسير الذى قد يتوصّل إليه شبابنا حين يقرأ الكتابين، وهو أننا قوم لا يجوز أن يثق أحد بما نكتب له.

وإن التاريخ الحقيقى لبلاده لن يجده إلا فى المراجع الأجنبية، فالمؤرخ المصرى قد اختفى وحل محله سياسيون يوظفون التاريخ وينشرون كتبًا مهمتها أن تناصر موقفهم السياسى، وتغربل التاريخ لكى تنتقى منه ما يؤيد هذا الموقف، وتلفظ ما ينفيه.

وفى الماضى كان المؤرخ قاضيًا محايدًا، وكان يستحق أن نقرأ حيثيات أحكامه، لكنه أصبح أحد رجلين، إما وكيل نيابة يهاجم، وإما محام يدافع، وأصبح الرأى العام - والشباب بوجه خاص - ضائعًا بين بلاغة هذا وبلاغة ذاك. وبين البلاغتين تاه فى مصر التاريخ.. وانتهكت حرمته، وفقد مصداقيته».

ألا يتفق معى القارئ أن هذا العمود يعتبر ربما.. أخطر عمود صحفى؟!

فى الأسبوع المقبل نواصل