السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

الأرض لنا

التحرير 1982 الإرهاب 2013 إجهاض التهجير 2025



ملفات شائكة تصدى لها الجيش المصرى بعزم الرجال

 

«سينا رجعت كاملة لنا.. مصر اليوم فى عيد»..هكذا تغنى المنتصرون يوم أن رُفع العلم المصرى على سيناء، أرض الفيروز الغالية التى كانت وما زالت مقبرة لكل من تسول له نفسه المساس بتراب الوطن الطاهر، وأمنه القومى.

فمنذ نصر السادس من أكتوبر 1973، وما أعقبه من مفاوضات كامب ديفيد وإلى أن استردتها مصر كاملة عام 1982، وطابا 1989، بذل جيل أكتوبر الذهبى الغالى والنفيس لتحرير الأرض، ثم تسلم الراية جيل جديد ضحى بحياته ليحررها من معركة أشد وطأة، هى حرب الإرهاب 2013. 

 

وبدأت معركة التنمية وتغيرت سيناء بقرار من القيادة السياسية. وفى 2023 بدأ الإعلان عن مخطط لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء إبان الحرب على غزة، لكن مصر وقيادتها كانت لهم بالمرصاد، وأحبطت المخطط واستضافت «قمة شرم الشيخ للسلام» على أرض سيناء، ليشهد العالم أجمع على قوة وثبات وإصرار أبنائها على رفع راية الوطن خفاقة، وعدم التفريط فى ذرة رمل واحدة من أرضها.

فسواء معركة تحرير الأرض من إسرائيل، أو تطهيرها من الإرهاب، أو إحباط مخطط تهجير الشعب الفلسطينى وتصفية قضيته؛ فكلها ملفات شائكة تصدت لها القوات المسلحة المصرية بقوة ونجاح.. والنتيجة: الأرض لنا.

 تحرير الأرض

 بعد أن انتصرت مصر يوم السادس من أكتوبر 1973، العاشر من رمضان 1393 هجرية، حينما هاجم الحيش المصرى القوات الإسرائيلية، ودمر خط بارليف، وألحق بالعدو خسائر كبيرة، وحرر جزءًا من سيناء، كانت سلسلة من المعارك السياسية والدبلوماسية، فكانت المعركة الثانية بقيادة الرئيس الراحل أنور السادات، فى توقيع اتفاقيات السلام بكامب ديفيد، التى استطاع بها تحرير باقى سيناء، وتم إجلاء القوات الإسرائيلية منها، ورُفع العلم المصرى فوق مدينة العريش يوم 26 مايو عام 1979، وفى يوم ‏25‏ أبريل ‏1982‏ تم رفع العلم المصرى على مدينة رفح، وأُعلن اليوم عيدًا قوميًا مصريًا فى ذكرى تحرير كل شبر من سيناء، فيما عدا طابا‏.

افتعلت إسرائيل مشكلة، خلال مفاوضات انسحابها، بشأن العلامة 91، على خط الحدود، لتدعى أن طابا أرض إسرائيلية، فدخلت مصر معركة أخرى فى التحكيم الدولى لمدة سبع سنوات، حشدت فيها العظماء من رجال مصر القانونيين، وتعقبت اللجنة المعنية خرائط الإمبراطورية العثمانية المحفوظة فى إسطنبول، وحصلت منها على نسخ تؤكد أن طابا مصرية، كذلك أحضرت خرائط من بريطانيا تفيد بأن طابا مصرية، حتى أصدرت المحكمة الدولية حكمها بأحقية مصر فى أرض طابا، ورفعنا العلم فوقها يوم 19 مارس 1989.

 الحرب على الإرهاب

فى عام 2013 تعرضت سيناء لنوع آخر من الحروب، أشد إيلامًا وقسوة، معركة مصر ضد الإرهاب، تلك الحرب التى جاءت كنتيجة لاستنفار الشعب المصرى ورفضه حكم جماعة الإخوان الإرهابية الذى كاد أن يفرط فى الأرض قبل ثورة 30 يونيو، فوجهت مصر حربها ضد خفافيش الظلام، ووقفت القوات المسلحة المصرية كحائط صد أمام العدو الخفى، وأطلق الجيش المصرى (العملية الشاملة- سيناء 2018)، وضحى الأبناء؛ خير أجناد الأرض بأرواحهم الغالية فداء للوطن ولأمنه القومي. واستشهد خيرة شباب الوطن ومقاتلوه، وأكملوا ما بدأه السلف، وحرروها من الجماعات التكفيرية بعد أن كانت ملجأ لخفافيش الظلام.

 

 

 

رافقت معركة القضاء على الإرهاب معركة أخرى؛ معركة اقتصادية، أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسى منذ توليه رئاسة الجمهورية، وهى تنمية سيناء التى تضمنت تطوير وتوسيع بحيرة البردويل، وتطوير ميناء العريش، وإنشاء عدد كبير من الطرق والأنفاق الجديدة التى تربط شبه جزيرة سيناء بباقى محافظات الوطن، فضلًا عن التنمية الصناعية، متمثلة فى تصنيع الرخام، والفوسفات بدلًا من تصديرهما كمواد خام، كما كان الحال من قبل يضاف إلى ذلك مشروعات التنمية العمرانية، بتأسيس كيانات مجتمعية متكاملة، لتوطين أهالى سيناء فى قرى جديدة حول آبار المياه مع توفير كافة الخدمات التعليمية والصحية والأمنية وغيرها بها.

فمنذ ثورة 30 يونيو 2013، حملت القوات المسلحة المصرية على عاتقها مهمة التطهير، ثم الحماية. وبدأ قطار التنمية الذى كانت أولى محطاته؛ التطهير ومحاربة الإرهاب حتى محطات التعمير والبناء التى أشادت بها جميع المنظمات والمؤسسات الدولية.

وارتكزت خطة تنمية سيناء على ثلاثة محاور رئيسية هي: التنمية الاقتصادية والعمرانية المتكاملة، وتحسين مستوى الخدمات والبنية الأساسية، وتنمية وجذب استثمارات جديدة، فقد بلغ إجمالى الاستثمارات التنموية المنفذة والجارى تنفيذها لتنمية سيناء حوالى 610 مليارات جنيه طبقًا لتقرير أعده المركز الإعلامى لمجلس الوزراء، فكانت الزيادة فى الاستثمارات العامة الموجهة لتنفيذ المشروعات فى سيناء أكثر من 15 ضعفًا مسجلة 73.3 مليار جنيه عام 2022/2023، مقابل 4.8 مليار جنيه عام 2013/2014.

 إجهاض مخطط التهجير

بعد اندلاع الحرب على غزة عام 2023، وارتكاب إسرائيل مذابح وحشية ضد الشعب الفلسطينى، سعت إلى تنفيذ مخططها بتهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء، بالقصف المستمر وتجويع الفلسطينيين وتدمير منازلهم وممتلكاتهم، لكن مصر تصدت لهذا المخطط ببأس وعزم شديدين، وشددت على أن تهجير الفلسطينيين هو «خط أحمر» وأن سيناء «خط أحمر»، ووقف رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة فى كل المنابر الدولية يعلن أن مصر ستتصدى لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية، وأن الأرض لأصحابها، ولوحت الدبلوماسية المصرية أن التهجير سيؤدى إلى إنهاء معاهدة السلام، وقادت مصر معركة سياسية وجهودًا دبلوماسية لحشد رفض دولى واسع، وإطلاع المجتمع الدولى على عواقب هذا المخطط، ما دفع العديد من الدول لتبنى الموقف المصري.

وتولت مصر مسئولية إرسال وإدخال المساعدات الإنسانية من خلال معبر رفح، وعن طريق القوات الجوية المصرية التى بذلت مجهودًا مضنيًا فى إنزال المساعدات لأشقائنا فى القطاع على مدار أشهر طويلة.

وقادت الدولة المصرية مفاوضات عدة لوقف إطلاق النار، وعقد الهدنات، والقمم العربية، مثل: قمة «القاهرة للسلام 2023»، إلى أن عقد الرئيس عبد الفتاح السيسى قمة «شرم الشيخ للسلام» فى أكتوبر 2025 برئاسة مصرية - أمريكية، وتوّجت بتوقيع اتفاق لوقف الحرب فى غزة، يشمل تبادل الأسرى، وانسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا، ونشر قوة استقرار دولية. يهدف الاتفاق إلى إعادة إعمار القطاع وفتح مسار سياسى، بمشاركة قطر وتركيا كوسطاء لضمان استقرار المرحلة الانتقالية، ليتم إحباط المخطط الإسرائيلى، فحافظت مصر على سيناء، وحفظت للفلسطينيين حقهم فى أرضهم.

يقول اللواء د.محمد الغبارى أحد أبطال نصر أكتوبر، ومدير كلية الدفاع الوطنى السابق: بعد نصر أكتوبر تواجدت فى المنطقة قوة إقليمية كبيرة استطاعت أن تحافظ على أرضها، وهى مصر التى استطاعت أن تحافظ على أرضها، ومن هنا دخلت مفاوضات السلام وهى قادرة على حسم الموضوع وتحرير باقى أرضها، وعندما حاولوا تزوير الموضوع وتغيير معالم الأرض، والحصول على طابا؛ دخلنا فى منطقة جديدة وهى التحكيم الدولى، واستطعنا بالوثائق والمعلومات وتأريخها مع وزارة الخارجية والجيش إثبات أن طابا جزء من مصر، وتحقق النصر كاملًا.

لكن الفكر الإسرائيلى فى عقيدته أن أرضه تبدأ من العريش، ومن هنا قام بعدد من المحاولات، أولها تبادل الأراضى عام 1983: العريش مقابل جزء من النقب، وقوبل الموضوع بالرفض. حاولوا مرة أخرى فى عهد الرئيس الراحل حسنى مبارك عام 1994 بعد تحرير الكويت أن يرفعوا نصف الديون عن مصر مقابل تبادل الأراضى، فرفضت مصر مرة أخرى. وعندما حدث غزو العراق سنة 2003، وبناء القواعد الأمريكية على الأراضى العربية، ضغطوا على الرئيس مبارك لكنه رفض، فعاقبوه بعدم زيارة الولايات المتحدة الأمريكية لكنه لم يتأثر.

وعندما جاءت ثورات الربيع العربى، زرعوا الإرهاب فى العريش ورفح ليكون حربًا بالوكالة، فأرادوا إنشاء إمارة إسلامية متطرفة، لكن مصر فى ثورة 2013 طردت الإخوان من حكم مصر، وبدأت فى التنظيم للحرب ضد الإرهاب وإزالته من جذوره فى ست سنوات حتى تمكنت من القضاء عليه، وبذلك أنهينا الشق العسكرى والسياسى، فقط تبقى جزء التنمية وتعميرها بالبشر، وبالتالى كانت الخطة الاستراتيجية 2030 أن يكون فى سيناء 2 مليون فرد، وذلك من خلال مشروعات قومية كبيرة لإيجاد فرص العمل، وفرص الحياة والمعيشة للناس، وهذا ما رأيناه من خلال مشروعات تنموية عملاقة بداية من الاتصال بالأرض، وبناء عدد كبير من الكبارى والمحاور والأنفاق، و16 معدية على القناة، وشبكة سكة حديد ضخمة جدًا فتم إدخال القطار الكهربائى، فضلًا عن إقامة مشروع شرق التفريعة، مما يوطد ملكيتنا لسيناء، ويمهد الحياة للسكان هناك. 

ولأن العقيدة العسكرية من العريش إلى الفرات كما رفعه الصهيونى «هرتزل»- والذى تعيه القيادة العسكرية المصرية جيدًا- ولذلك فبمجرد استشعار ما يحاك، تم اتخاذ كل اللازم للحفاظ على الأرض، وفى الوقت نفسه حرصت القيادة السياسية على الحفاظ على القضية الفلسطينية نفسها، فلو سمحنا بتهجير الفلسطينيين لن يعودوا لأرضهم مرة أخرى. ومن هنا أحبطت مصر المخطط بالكامل. 

 

 

 

 كلمة السر أكتوبر 73

التقيت العقيد حلمى زكى أحد أبطال نصر أكتوبر وتحرير سيناء، وأحد أفراد الوفد الذى استلم سيناء فى 1982، فقال لي: يوم 25 إبريل ذكرى عزيزة على كل مصر، وهى ذكرى استرداد كل شبر من أرض سيناء الغالية، وبداية هذا اليوم تم التحضير له منذ يوم السادس من أكتوبر 1973 أعظم حرب فى التاريخ الحديث، واستكمل النصر الرئيس الراحل محمد أنور السادات-بطل الحرب والسلام، عندما فكر فى كيفية تحرير باقى أرض سيناء بالذكاء والحنكة السياسية. تبلغ سيناء61 ألف كم مربع، وتمثل البوابة الشرقية لمصر، فقام بأعظم مبادرة فى التاريخ، فلم نسمع أبدًا أن هناك حربًا بين دولتين، ويقوم رئيس بالذهاب إلى الطرف الآخر فى عقر داره، مثلما فعل أنور السادات، وذهب إلى إسرائيل، وهز العالم كله فى نوفمبر 1977، وهو على استعداد أن يذهب إلى أقصى مكان فى العالم للحفاظ على الدماء المصرية، وألقى الخطاب التاريخى الذى أبهر العالم كله حتى الآن. وبالفعل تمت معاهدة كامب ديفيد سنة 79 فى أمريكا، وتم الاتفاق على خطوات الانسحاب، رغم أن العقيدة الإسرائيلية هى أنها إذا استولت على شبر من الأرض، فاستحالة أن تتركه، والسادات لم يتحدث فى خطابه التاريخى عن سيناء فقطـ، بل عن كل الأراضى التى احتلتها إسرائيل فى 67.

وأضاف: تم تحرير الأرض بالكامل، وكان لى عظيم الشرف بأن تختارنى القيادة السياسية بأن أكون ضمن وفد مكون من 15 ضابطًا وصف جندى استلم آخر قطعة من أرضنا فى 25 أبريل 1982، باستثناء طابا التى استردتها مصر بالتحكيم الدولى فى 89، ولم تفرط فى ذرة رمل واحدة من أرضها.

 معركة شرسة

ويضيف العقيد حلمى زكي: تمر السنون والمخطط الغربى كما هو، وبعد 2011 اعترفت وزير الخارجية الأمريكية السابقة هيلارى كلينتون، بمخطط جعل سيناء ولاية إسلامية يتم تجميع كل الجماعات الإرهابية داخل سيناء؛ لأن مصر بوابة 54 دولة إفريقية، وبدأت التحضيرات لذلك وبدأت مصر بمرحلة عصيبة إلى أن تقلد الرجل القائد ابن مصر، الرئيس عبدالفتاح السيسى حكم مصر 2014، وكان همه الأكبر هو إنهاء الوجود الإرهابى فى سيناء، وأُطلقت العملية الشاملة فى 2018، وضحى خيرة شباب القوات المسلحة بدمائهم حتى تم تطهير الأرض. وعن تجربتى الشخصية ومن واقع خدمتى فى سيناء، أؤكد أن الحرب هناك كانت شرسة جدًا بسبب وجود المناطق الجبلية الوعرة والبؤر الإرهابية التى جعلت صعوبة تلك المعركة لا تقل أبدًا عن حرب 1973 لكن بفضل الله والتخطيط الجيد وعزيمة الرجال تم تطهير الأرض، وإعلان سيناء خالية من الإرهاب.

 

 

 

ولكى نضمن ألا يتكرر ذلك مرة أخرى، بدأت مصر فى التنمية الشاملة داخل سيناء: زراعية، عمرانية، صناعية، علمية، وسياحية حتى المطارات، ومحطات مياه، وطرق وكبارى، فما حدث فى سيناء لم يحدث من قبل.

وهناك نقطة فى غاية الأهمية نوه إليها العقيد حلمى زكى، وهى أن اتفاقية كامب ديفيد كانت تتضمن تواجد نوعية محددة من السلاح فى سيناء، ولكن بفضل الله وبذكاء القائد السياسى استطاعت مصر أن تمتلك كافة الأسلحة اليوم فى سيناء. والآن أصبحت مصر تؤمن الـ61 ألف كم، أى مساحة سيناء بالكامل عسكريًا وتنمويًا.