د.سمية عسلة
خديعة هرمز!
هل يخطط «البيت الأبيض» لغزو برى أم يمهد لاتفاق سرى مع طهران؟
بينما تضج أروقة واشنطن بلغة «البيزنس» ووعود الازدهار التى يطلقها الرئيس دونالد ترامب، يهمس الميدان فى مضيق هرمز بحقيقة مغايرة تمامًا؛ حيث تتقاطع نذر غزو برى وشيك تراقبه العاصمة الروسية «موسكو» بحذر، مع «خيانة استراتيجية» تلوح فى الأفق لتقاسم رسوم العبور بين الخصوم على حساب حلفاء الخليج.
فى هذا المشهد الضبابى، حيث تُذل الألغام الرخيصة أعتى الأساطيل التكنولوجية، وتتحول مياه المضيق إلى «فخ جيوسياسى» يهدد بخنق اقتصادات دول بأكملها، تبرز القاهرة كلاعب حاسم وشريان حياة وحيد عبر خطوطها وموانئها، لتقدم للعالم البديل الآمن بعيدًا عن صراعات المضايق الملغمة وصدع التحالفات الدولية الذى جعل من هيبة القوى العظمى مجرد ذكرى.
وفى وقت تتصاعد فيه لغة «الصفقات» والدبلوماسية من البيت الأبيض، يبرز تضارب حاد بين التصريحات الأمريكية والتحركات الميدانية، وسط تحذيرات استخباراتية روسية تؤكد أن المنطقة قد تكون بصدد عملية خداع عسكرى كبرى.تشمل دول الخليج التى قد تتكبد خسائر اقتصادية مهولة فى حال اتفقت أمريكا وإيران على تقاسم إيرادات عبور السفن فى مضيق هرمز بعد فرض الرسوم،وبلغة الصفقات فإن ترامب يتحدث بلسان «رجل البيزنس».
ففى مقابلة حديثة مع المذيعة «ماريا بارتيرومو» على شبكة «فوكس بيزنس»، أثار دونالد ترامب الجدل حين تحدث عن الصراع مع طهران بصيغة الماضى، مؤكدًا أن الحرب «على وشك الانتهاء».
على الناحية الأخرى، أصدر مجلس الأمن الروسى تحذيرًا شديد اللهجة لطهران، وطالبها بعدم الانخداع بالوعود الأمريكية. ووفقًا لتقرير نشرته شبكة (RT)، ترى موسكو أن الهدنة الحالية ليست إلا «غطاءً تكتيكيًا» لاستهلاك الوقت، بينما تستكمل واشنطن وتل أبيب حشد قواتهما لساعة الصفر.
وبالأرقام هناك حشود عسكرية لا تشى بالسلام، حيث تستند التقارير الروسية إلى معطيات ميدانية تصفها بالمرعبة، حيث تشير إلى أن الحشود الأمريكية فى المنطقة تجاوزت الأغراض الدفاعية.بجانب القوة البشرية مع وجود أكثر من 50 ألف جندى أمريكى، وأنباء عن استقدام آلاف المقاتلين من دول إفريقية (مثل إثيوبيا وأوغندا) وعناصر من شركات أمنية خاصة، بالإضافة إلى التعزيزات البحرية واقتراب حاملة الطائرات «جورج بوش»، وانضمامها إلى الحاملة «يو إس إس تريبولي» المتمركزة قرب مضيق هرمز، وصولاً إلى المجموعة البرمائية «بوكسر» المتوقع وصولها خلال أيام.
وتواجه إيران الآن اختبارًا صعبًا؛ فالتاريخ القريب يشهد على وقوع «غدر» سياسى أثناء المفاوضات فى مناسبات سابقة. وبينما تصر إسرائيل على أن الحل الوحيد هو تقويض النظام الإيرانى عسكريًا، يبقى التساؤل قائمًا: هل ستبتلع طهران «طُعم» الوعود الاقتصادية لترامب وتتجاهل التحذيرات الروسية؟ وكيف سيكون موقف بكين، الشريك التجارى الأكبر لإيران، تجاه أى محاولة غزو أمريكى مباشر قد تهدد إمدادات الطاقة الصينية؟
«مأزق تاريخى»
يجد الرئيس الأمريكى نفسه الآن أمام خيارين أحلاهما مر، أولهما المواجهة العسكرية مع الصين فى حال استهداف السفن الصينية، وهو ما يعنى حربًا عالمية مدمرة. أو التغاضى عن خرق الحصار وهو ما يعنى ضياع «الهيبة الأمريكية» نهائيًا، وتحويل الحصار إلى مجرد تصريحات إعلامية لا قيمة لها.
فتحت وطأة الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار فى الداخل الأمريكى، بدأت نبرة الإدارة الأمريكية تتغير؛ حيث صرح «جى دى فانس» نائب الرئيس الأمريكى بأن واشنطن تبذل «جهودًا تفاوضية شرسة» لإنهاء الأزمة. وتشير التقارير إلى ترتيب جولة مفاوضات جديدة بين أمريكا وإيران فى إسلام آباد خلال ساعات.
وتشير التطورات الأخيرة فى مضيق هرمز إلى تحول جذرى فى العقيدة العسكرية البحرية، حيث لم تعد السيطرة للمناورات الضخمة أو الأساطيل العملاقة، بل لمن يمتلك القدرة على «إنكار الوصول» ومن خلال تحليل المعطيات الميدانية، يمكننا استخلاص الركائز التالية التى شكلت المشهد السياسى والعسكرى الراهن:
يبدو أن طهران استثمرت عقودًا من الزمن فى تحليل «عملية فرس النبي» (1988)، لتخلص إلى أن المواجهة المباشرة مع البحرية الأمريكية هى انتحار عسكرى. بدلًا من ذلك، طورت إيران استراتيجية «الألغام الذكية»، مستغلة نقطة الضعف القاتلة فى الأسطول الأمريكى وهى البطء والتعقيد فى عمليات التطهير.بامتلاكها مخزونًا يصل إلى 6000 لغم، وخلقت إيران معادلة اقتصادية مرعبة؛ فبينما يكلف اللغم الواحد 1500 دولار، تتكلف عملية إزالته أضعاف هذا المبلغ، ناهيك عن المخاطرة بقطع بحرية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. هذا الفارق فى «كلفة المواجهة» أجبر إدارة ترامب على التراجع من خيار الاقتحام إلى خيار الحصار الخارجى، وهو اعتراف ضمنى بفشل القوة الصلبة فى تأمين الممر الملاحى.
وتجاوزت إيران فكرة اللغم التقليدى إلى جيل «مهام» السابع، الذى يشمل ألغام القاع والصواريخ الصاعدة التى تحيد قدرة الرصد السطحى وتستخدم مستشعرات كهرومغناطيسية لتقسيم السفن لنصفين.كذلك الألغام اللاصقة (مهام 7) التى تعيد الاعتماد على القوة البشرية (الضفادع البشرية) لتنفيذ ضربات جراحية دقيقة. هذا التنوع التكنولوجى جعل من مضيق هرمز حقل ألغام «ديناميكي» لا يمكن التنبؤ بسلوكه، مما أفقد الكاسحات الأمريكية فاعليتها الزمنية.

تحولات جذرية
نشهد الآن تحولًا جذريًا فى الجيوسياسة الدولية، حيث ننتقل من مفهوم «حرية الملاحة» إلى «خصخصة الممرات الدولية»، حيث تدرك طهران أن إدارة ترامب، ورغم نبرتها التصعيدية، محكومة بضغط الانتخابات الداخلية وأسعار الطاقة العالمية. لذا، فإن المطالبة بـربع تريليون دولار كتعويضات ليست مجرد رقم، بل هى أداة ضغط لشرعنة وجودها كـ«شريك» فى إدارة المضيق. وبتطبيق سيناريو «الثلث والثلثين» تعد موافقة ترامب المحتملة على دفع التعويضات من خلال «رسوم العبور» مخرجًا سياسيًا ذكيًا (وإن كان خطيرًا) له؛ فهو يتجنب الدفع المباشر من الخزينة الأمريكية (وهو ما يرفضه ناخبوه)، وفى الوقت نفسه يضمن حصة الأسد (الثلثين) تحت مسمى «تكاليف التأمين والحماية الرقمية والميدانية».
وحال تم الاتفاق «الأمريكي-الإيراني» بمعزل عن دول المنطقة، ستواجه دول الخليج كابوسًا استراتيجيًا، فعلى الصعيد الاقتصادى فإن ارتفاع تكلفة التصدير وفرض رسوم على كل برميل نفط أو شحنة غاز سيقلل من تنافسية النفط الخليجى عالميًا أمام النفط الأمريكى والروسى، بالاضافة إلى تآكل الاحتياطيات عبر دفع رسوم عبور لخصم تاريخى (إيران) وللحليف (أمريكا) بما يمثل استنزافًا دائمًا للثروة الخليجية. وعلى مستوى أمنى وعسكرى فسيشرعن الحصار، فالاتفاق يعنى اعترافًا دوليًًا بأن أمن الخليج «مُصادر» بيد إيران وأمريكا فقط، بجانب الانكشاف الاستراتيجى، حيث ستصبح كل سفينة خليجية تحت رحمة الحساسات والمستشعرات الإيرانية، مما يسهل عمليات الابتزاز السياسى مستقبلًا.
أما أكثر الدول تضررًا فإن دولة الكويت ومملكة البحرين وقطر هى الأكثر تضررًا، لعدم وجود منافذ بحرية لها خارج الخليج العربى، مما يجعل تجارتها بالكامل رهينة لـ«مقص الرسوم» الإيرانى-الأمريكى. كما تتضرر الإمارات (موانئ دبى وأبوظبى) بشكل كبير لفقدانها ميزة التنافسية كمراكز لوجيستية عالمية.
وفى ظل هذا الخناق على مضيق هرمز، تبرز جمهورية مصر العربية كطوق نجاة للاقتصاد العالمى ومستفيد اقتصادى أول عبر تعظيم دور البنية التحتية للطاقة:
تشغيل خط «سوميد» وميناء دمياط حيث سيتحول خط أنابيب سوميد (سيدى كرير - العين السخنة) من مجرد ناقل تكميلى إلى شريان حياة رئيسى، ونقل النفط والغاز الخليجى (عبر الموانئ السعودية على البحر الأحمر) باتجاه العين السخنة ثم ضخه إلى سيدى كرير ودمياط، وهو ما سيحقق عائدات دولارية ضخمة من رسوم الضخ والتخزين وتسييل الغاز فى محطات دمياط وإدكو، وظهور مركز إقليمى للطاقة، حيث سيتحول ميناء دمياط إلى المنصة الرئيسية لتصدير الطاقة لآسيا وأوروبا بعيدًا عن «فخ الألغام» فى هرمز، فضلا على استقرار الإمدادات، حيث ستحظى مصر بدعم دولى وأوروبى هائل لتأمين هذا الخط، مما يعزز من ثقلها السياسى كضامن لأمن الطاقة العالمى، ويخلق آلاف فرص العمل فى قطاع الخدمات اللوجيستية والبتروكيماويات.
وكما يبدو أن هذا الاتفاق «المفترض» يمثل غدرًا أمريكيًا صريحًا بحلفاء الخليج، حيث تتحول الحماية الأمريكية من «التزام أمني» إلى «استثمار ربحى» بالتعاون مع الخصم الإيرانى.