هل ينتحر الذكاء الاصطناعى على جسر الهلوسة؟!
عمرو محمد الغزالى
نكشف أسرارًا تحدث فى وادى السيليكون!
فى زمنٍ تتسارع فيه الخوارزميات أكثر من إيقاع التاريخ، تقف البشرية أمام لحظة معرفية شديدة التعقيد، لحظة يتقاطع فيها التقدم العلمى مع أسئلة السلطة والأخلاق والوجود.
لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات صامتة فى يد الإنسان، فقد تحولت إلى قوة بنيوية تعيد تشكيل العالم من جذوره؛ من طريقة التواصل والعمل إلى طبيعة المعرفة نفسها.
هنا، يظهر كتاب «ترويض وادى السيليكون: كيف نضمن أن يعمل الذكاء الاصطناعى لصالحنا»؟ للعالم الأمريكى «جارى ماركوس»، كمحاولة جادة لفهم ما يجرى خلف الواجهة اللامعة لصناعة التكنولوجيا العالمية، خصوصًا فى الظروف الحالية وسط عالم يلتهب وهى محاولة تجمع بين التحليل العلمى والنقد السياسى فى آنٍ واحد، وتفتح بابًا واسعًا للتأمل فى مصير العلاقة بين الإنسان والآلة فى القرن الحادى والعشرين.
ينطلق ماركوس من ملاحظة أساسية مفادها أن شركات التكنولوجيا الكبرى التى نشأت فى وادى السيليكون تحولت خلال عقود قليلة من مؤسسات ابتكار واعدة إلى مراكز قوة عالمية تمتلك نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا غير مسبوق.
هذه الشركات التى قدمت نفسها طويلًا باعتبارها حاملة لرسالة التقدم الإنسانى أصبحت اليوم تتحكم فى تدفق المعلومات وفى هندسة الرأى العام وفى البنية التحتية الرقمية التى يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
ومع هذا النفوذ المتعاظم بدأت الأسئلة تتكاثر حول طبيعة السلطة التى تمارسها هذه الشركات، وحول قدرة المجتمعات والدول على ضبطها أو توجيهها نحو الصالح العام.
يكتب ماركوس كتابه فى لحظة تاريخية يتسابق فيها العالم نحو تطوير الذكاء الاصطناعى، ذلك المجال الذى يعده كثيرون الثورة الصناعية الرابعة.
غير أن المؤلف يرفض الانبهار الساذج بهذا التقدم، ويدعو إلى قراءة أكثر هدوءًا وواقعية لقدرات هذه الأنظمة وحدودها.
فالرواية التى يروجها وادى السيليكون عن ذكاء اصطناعى قادر على فهم العالم والتفكير فيه تظل فى نظره رواية مبالغًا فيها إلى حد بعيد.
خلف الواجهة المبهرة لنماذج اللغة الضخمة والخوارزميات المتطورة تكمن منظومات تعتمد فى جوهرها على معالجة إحصائية للبيانات أكثر من اعتمادها على فهم حقيقى للمعنى.
هذا الموقف النقدى لا يأتى من خارج الحقل العلمى، فماركوس أحد أبرز الباحثين فى العلوم المعرفية.
سنوات طويلة قضاها فى دراسة العلاقة بين اللغة والعقل البشرى، وفى تحليل الفارق الجوهرى بين التعلم الإنسانى والتعلم الآلي.
من هذا الموقع المعرفى انطلق ليطرح سؤالًا بسيطًا فى ظاهره عميقًا فى جوهره؛ هل ما نطلق عليه اليوم «ذكاءً اصطناعيًا» يمثل بالفعل شكلًا من أشكال الفهم، أم أنه مجرد محاكاة إحصائية للغة والمعرفة؟
الإجابة التى يقدمها الكاتب تميل إلى الاحتمال الثاني. فأنظمة الذكاء الاصطناعى الحالية قادرة على إنتاج نصوص تبدو متماسكة، وعلى توليد صور وأفكار مدهشة، غير أن هذا الأداء يخفى وراءه فراغًا معرفيًا عميقًا.
هذه الأنظمة تتعلم من خلال تحليل مليارات الجمل والصور، وتستخرج من خلالها أنماطًا إحصائية معقدة، غير أن هذا التعلم لا يمنحها القدرة على الفهم بالمعنى الإنسانى للكلمة.

لذلك تظهر بين الحين والآخر أخطاء فادحة تعرف فى الأدبيات التقنية باسم «الهلوسات»، حيث ينتج النظام معلومات ملفقة بثقة كاملة، أو يخلط بين حقائق بسيطة بطريقة تكشف محدودية بنيته المعرفية.
من هنا ، يرى ماركوس أن الثقة المطلقة فى هذه الأنظمة تمثل خطرًا حقيقيًا، خاصة عندما تستخدم فى مجالات حساسة مثل الطب والقانون والسياسة.
فالتكنولوجيا التى تبدو ذكية على السطح قد تخفى هشاشة عميقة فى بنيتها المنطقية. وإذا جرى دمج هذه الأنظمة فى بنى اجتماعية معقدة دون رقابة صارمة فإن الأخطاء الصغيرة قد تتحول إلى أزمات واسعة النطاق.
غير أن نقده لا يتوقف عند الجانب التقني. فالمشكلة فى نظره أعمق من مجرد قصور خوارزمي. إنها مشكلة تتعلق بالبنية الاقتصادية والأخلاقية التى تحكم صناعة التكنولوجيا نفسها.
خلال العقود الماضية تطور وادى السيليكون داخل إطار رأسمالى شديد التنافسية يضع النمو والأرباح فى مقدمة الأولويات.
ومع تضخم هذه الشركات تحولت البيانات البشرية إلى مورد اقتصادى بالغ القيمة. كل نقرة على الشاشة، كل رسالة، كل بحث على الإنترنت أصبح جزءًا من منظومة جمع البيانات التى تغذى الخوارزميات وتزيد من قوة الشركات المالكة لها.
هذا التحول أدى إلى ما يسميه ماركوس «الانحدار الأخلاقي» لوادى السيليكون.
الشركات التى بدأت بشعارات تحرير المعرفة وتوسيع آفاق الإنسان أصبحت اليوم متهمة باستغلال البيانات الشخصية، وبإدامة الإدمان الرقمى، وبالمساهمة فى نشر المعلومات المضللة.
الخوارزميات المصممة لزيادة التفاعل على المنصات الاجتماعية اكتشفت أن المحتوى المثير للغضب والانقسام ينتشر أسرع من غيره، فبدأت تضخيم هذا النوع من المحتوى بطريقة أدت إلى تعميق الاستقطاب السياسى فى كثير من المجتمعات، اتضح هذا جليًا فى الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة.
فى هذا السياق تتداخل التكنولوجيا مع السياسة بطريقة غير مسبوقة. فالشركات الرقمية لا تكتفى بإنتاج الأدوات التقنية، بل تشارك أيضًا فى صياغة البيئة التشريعية التى تعمل داخلها. عبر شبكات الضغط السياسى والتمويل والاتصال المستمر بصناع القرار استطاعت هذه الشركات أن تكتسب نفوذًا واسعًا فى دوائر الحكم.
النتيجة نظام تنظيمى متردد عاجز عن ملاحقة سرعة التطور التكنولوجي.
هذا المشهد يدفع ماركوس إلى طرح سؤال جوهري؛ كيف يمكن للمجتمع أن يستعيد قدرته على توجيه التكنولوجيا بدلًا من أن يخضع لها؟ الجواب الذى يقترحه يتخذ شكل برنامج إصلاحى واسع يتضمن مجموعة من السياسات التى تهدف إلى إعادة التوازن بين الابتكار والمصلحة العامة.
أولى هذه السياسات تتعلق بحقوق البيانات.
يرى الكاتب أن البيانات الشخصية يجب أن تعامل باعتبارها امتدادًا لحقوق الفرد، وأن امتلاك الشركات لها دون قيود يمثل خللًا أخلاقيًا وقانونيًا. لذلك يدعو إلى قوانين تمنح الأفراد السيطرة على بياناتهم، وتفرض قيودًا صارمة على جمعها واستخدامها.
السياسة الثانية تتمثل فى إنشاء هيئات رقابية مستقلة تشرف على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي. هذه الهيئات يجب أن تضم خبراء من مجالات متعددة، وأن تمتلك صلاحيات حقيقية لمراجعة الخوارزميات وتقييم مخاطرها قبل إطلاقها فى السوق.
كما يقترح إصلاحات ضريبية تضمن مساهمة شركات التكنولوجيا الكبرى فى تمويل البنية التحتية الرقمية والتعليم والبحث العلمي. فالأرباح الهائلة التى تحققها هذه الشركات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالموارد العامة التى توفرها المجتمعات، من شبكات الاتصال إلى الجامعات ومراكز البحث.
جانب آخر من البرنامج الإصلاحى يتعلق بمسئولية الشركات عن نتائج أنظمتها.
فإذا تسبب نظام ذكاء اصطناعى فى ضرر حقيقى يجب أن تتحمل الجهة المطورة المسئولية القانونية عن ذلك. عند هذه النقطة يتقاطع تحليل ماركوس مع نقاش فلسفى أوسع حول طبيعة الحقيقة فى العصر الرقمي.
فالتطور الهائل فى تقنيات توليد النصوص والصور يطرح أسئلة عميقة حول مصير المعرفة الإنسانية. إذا أصبح من الممكن إنتاج أخبار وصور وأصوات مزيفة بدرجة عالية من الإقناع, فإن الحدود التقليدية بين الواقع والوهم قد تتآكل تدريجيًا.
التكنولوجيا الرقمية تمتلك قدرة هائلة على تحسين حياة الإنسان، غير أن هذه القدرة قد تتحول إلى مصدر للفوضى إذا تركت دون رقابة.
السؤال الذى يطرحه الكتاب فى نهايته يظل مفتوحًا على احتمالات متعددة، هل يستطيع المجتمع فعلًا ترويض وادى السيليكون، أم أن قوة رأس المال الرقمى أصبحت أكبر من قدرة السياسة على ضبطها؟
الإجابة النهائية لم تتشكل بعد. غير أن ما يبدو مؤكدًا أن مستقبل الذكاء الاصطناعى لن يتحدد داخل المختبرات وحدها، بل فى فضاء النقاش العام حيث تتقاطع المعرفة بالسياسة والأخلاق.
هناك لحظات فى التاريخ يصبح فيها التفكير النقدى ضرورة وجودية. لحظات يشعر فيها الإنسان أن أدواته التى صنعها بيديه بدأت تكتسب استقلالًا خطيرًا.
فى مثل هذه اللحظات يتعين على المجتمعات أن تعيد طرح الأسئلة الأولى، ما الذى نريده من التكنولوجيا؟ أى عالم نطمح إلى بنائه؟ وأى مكان نريده للإنسان فى قلب هذا العالم الجديد.
ربما يكمن مغزى كتاب ماركوس الحقيقى فى هذا السؤال الأخير.
التكنولوجيا فى حد ذاتها قوة محايدة، غير أن الطريقة التى تنظم بها المجتمعات هذه القوة تحدد ما إذا كانت ستصبح أداة للتحرر أو وسيلة للهيمنة.
بين هذين الاحتمالين يتشكل مصير العالم فى المستقبل القريب.