السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

رداء السلطة والنفوذ!

كيف نقل «الهانبوك» ثقافة الشرق الأقصى إلى مصر؟



 

لم يعد الزى الكورى التقليدى الهانبوك، مجرد عنصر بصرى فى المسلسلات أو فى عروض الأزياء على مستوى العالم، بل أصبح موضوع بحث وفضول لدى الجمهور فى كثير من الدول ومنها مصر.

للحظة أولى يظهر هذا الزى ملوّنًا بسيطًا، لكنه فى الحقيقة يعكس هوية ثقافة كاملة آتية من آخر العالم بالنسبة لنا. ألوانه الجذابة تلفت الانتباه، وتفاصيله تكشف دلالات عن التاريخ والمكانة، ليختصر الهانبوك قرونًا من الثقافة الكورية فى تصميم واحد حى، فى إشارة حية على كيفية أن يظل زيًا تقليديًا حاضرًا بقوة فى وعى الأجيال الحديثة والثقافات الأخرى.

 

يتكوّن الهانبوك من «الجيوجوري» سترة علوية للجنسين، مع «الباجي» بنطال فضفاض للرجال، أو«التشيما» تنورة طويلة واسعة للنساء، ويعتمد فى تصميمه على الراحة والاتساع بما يسمح بحرية الحركة.

لكن البساطة هنا ليست سطحية، بل تخفى نظامًا بصريًا قائمًا على فلسفة الألوان الكورية التقليدية، حيث تمثل الألوان عناصر الطبيعة واتجاهاتها، فالأزرق يرتبط بالشرق والحياة، والأحمر يرمز للطاقة والحماية، والأصفر يعبر عن المركز والتوازن، والأبيض للنقاء، والأسود للعمق والحكمة، لذلك لم يكن اللون اختيارًا عشوائيًا، بل رسالة واضحة تعكس هوية الفرد وموقعه داخل المجتمع.

 دور اجتماعى

الهانبوك ليس حكرًا على النساء كما قد يعتقد البعض، بل ارتداه الرجال أيضًا، لكن بتصميم مختلف يعكس طبيعة الدور الاجتماعى لكل منهما.

زى النساء واسع وانسيابى يركّز على إبراز الخطوط الناعمة ويعطى إحساسًا بالخفة والحركة، بينما صُمم زى الرجال ليكون أكثر عملية ويسمح بالحركة السهلة.

هذا الاختلاف لم يكن قائمًا على التمييز بقدر ما كان انعكاسًا لفلسفة التوازن بين الجمال والوظيفة، حيث ينظر الشرق الأقصى إلى الملابس باعتبارها امتدادًا لطبيعة الدور داخل المجتمع وليس مجرد مظهر خارجي.

وداخل المجتمع الكورى القديم، الهانبوك ليس مجرد ملابس، بل هو أيضًا نظام صارم يحدد مكانة الفرد بدقة، من خلال اللون ونوع القماش وحتى تفاصيل التصميم.

ارتدى الملوك والنبلاء الحرير والألوان القوية مثل الأحمر والأرجوانى والذهبى، لأنها تعكس السلطة والثراء، بينما اكتفى عامة الشعب بالأقمشة البسيطة مثل القطن والكتان، وبألوان هادئة تميل إلى الأبيض أو الرمادى.

حتى طول القطعة أو شكل الرباط يحمل دلالة، حيث يحول الزى إلى بطاقة تعريف.

هذه القواعد لم تكن مجرد عادات، بل قوانين اجتماعية تُفرض للحفاظ على النظام الطبقى، وهو ما يجعل الهانبوك وثيقة بصرية دقيقة لفهم بنية المجتمع الكورى القديم.

الموت والميلاد

والهانبوك عكس مشاعر البشر ومناسباتهم، من الفرح والاحتفال بالميلاد والأعياد بألوانه الزاهية اللافتة إلى الحزن والغضب والحداد باللون الأسود الداكن، ويظل للآن حاضرًا على أن يتحول فى كثير من المناسبات إلى أداة للتعبير عن الغضب.

فى كوريا يشتهر الهانبوك الأسود ذو الألوان القاتمة بأنه زى احتجاجى رمزى للتعبير عن مشاعر الحداد أو الرفض، ما يوضح أن هذا الزى ليس محصورًا فى الجمال التقليدى فقط، بل يمكن أن يحمل رسائل ثقافية، وهو ما يلحظه بسهولة المتابعون فى مصر الذين يتابعون الدراما والمحتوى الكورى بشغف.

من حيث المواصفات والشكل الخارجى، يتميّز النوع الحدادى من الهانبوك بقصّة تحافظ على الشكل التقليدى مع إبراز طابع الحزم والصرامة، وغالبًا ما يكون مصنوعًا من خامات عالية الجودة تتيح للحامل أو المرتدى أن يشعر بثقله فى اللحظة نفسها.

مع بداية النهضة الاقتصادية والثقافية فى كوريا خلال السبعينيات، تغيّر دور الهانبوك بشكل واضح.

 

 

 

لم يعد زيًا يوميًا كما كان فى الماضى، إنما أعاد تعريف نفسه داخل المجتمع، يُرتدى فى المناسبات الرسمية فقط خصوصًا الأعياد الوطنية وحفلات الزفاف.

كما ظهر ما يُعرف بالهانبوك العصرى، وهو نسخة مطوّرة تستخدم خامات حديثة وتضيف لمسات تصميمية جديدة، ليصبح أقرب لذوق الشباب.

فى شوارع «سيول» عاصمة كوريا يمكن أن ترى هذا المزج بوضوح، حيث يرتدى البعض الهانبوك مع أحذية رياضية أو قطع حديثة، للحفاظ على التراث دون الانفصال عن الحاضر، هذه المرونة هى ما سمحت له بالبقاء كرمز حى وليس مجرد ذكرى تاريخية.

يرجع الهانبوك إلى عصور قديمة تعود إلى ممالك كوريا الأولى، ومع مرور الزمن، خاصة فى عهد «جوسون» (1392-1897)، آخر وأطول أسرة ملكية حكمت كوريا والتى اشتهرت بتنظيمها الصارم للمجتمع وقواعدها الثقافية المحافظة، أصبح الهانبوك أكثر تنظيمًا وتعقيدًا، حيث تم ربطه بشكل مباشر بالنظام الاجتماعى والسياسى، تطورت الأقمشة، وتنوعت الألوان، وظهرت قواعد صارمة تحدد نوع الهانبوك الذى يرتديه الملوك والنبلاء والطبقات الشعبية.

فكان لكل طبقة زيها، ورغم كل هذه التغيرات، ظل الهيكل الأساسى للزى ثابتًا وكأن هناك رغبة واضحة فى الحفاظ على الهوية الأصلية مهما تغيرت الظروف، وهو ما يفسر استمراره حتى اليوم بنفس الروح تقريبًا.

أسئلة شائعة   

لكن هل يرتدى الكوريون الهانبوك يوميًا؟

الإجابة أنه لم يعد جزءًا من الحياة اليومية، حيث تعتمد كوريا اليوم على الملابس الحديثة مثل باقى دول العالم. ويتبادر إلى الأذهان سؤال آخر: هل هو زى مكلف؟

والإجابة أن الهانبوك التقليدى المصنوع من الحرير كان بالفعل باهظ الثمن لذلك اقتصر على الطبقات العليا، أما اليوم فهناك خيارات متعددة تناسب مختلف الفئات، بل ويمكن استئجاره بسهولة.

لكن هل له شبيه فى الثقافة المصرية؟

والإجابة أن الفكرة متشابهة، فكما تعبّر الجلابية أو العباءة عن الهوية والانتماء فى مصر، يقوم الهانبوك بالدور نفسه داخل المجتمع الكورى، لكن باختلاف السياق والتفاصيل.

ازداد الإقبال على الثقافة الكورية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، وخاصة بين فئات الشباب والفتيات المهتمين بالدراما والـكى بوب، لذلك أصبح من السهل الوصول إلى تجربة ارتداء الهانبوك بمعايشة حقيقية. 

المركز الثقافى الكورى فى القاهرة يفتح أبوابه لتقديم هذه التجارب الفريدة، من خلال أنشطة وورش عمل وأحداث سنوية منتظمة تتيح للزوار من مختلف الأعمار تجربة الزى الكورى التقليدى بألوانه المبهرة وأشكاله المختلفة، بالإضافة إلى التعرّف على جوانب الثقافة الكورية الأخرى مثل الخط الكورى، الألعاب التقليدية، والموسيقى الشعبية.

مع هذه الأنشطة، يمكن للمهتمين أن يرتدوا الهانبوك بأنواعه المختلفة، وأن يلتقطوا الصور، مما يضيف بعدًا شخصيًا وواقعيًا لاهتمامهم بالثقافة الكورية.

ولا يقتصر انتشار الهانبوك فى مصر على المركز الثقافى الكورى، فهناك حركة محلية ملحوظة وبراندات خاصة بالزى الكورى فى القاهرة والمدن الكبرى بالمحافظات، حيث تقوم مصريات بتصميم وصناعة الهانبوك التقليدى وترويج قطع مستوحاة من الهانبوك.