الأحد 5 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

فى وداع زينب السجينى

حراسة الذاكرة بالألوان

تلك الفنانة التى جاءت إلى الدنيا فى القاهرة، أواخر أكتوبر عام 1930م، وودعتنا قبل أيام، حملت بين يديها فرشاة تشبه مفتاحًا سحريًا. مفتاح يفتح أبواب الذاكرة، حيث تتداخل رائحة الخبز من أفران الحسين مع ضوء القادم من نوافذ الجمالية العتيقة. نشأت زينب السجينى فى حى الظاهر، ثم تجولت طفلة بين أزقة النحاسين والأزهر الشريف، هناك حيث الجدران تروى حكايات ألف ليلة وليلة. هذه الأحياء صارت مخزنًا بصريًا يفيض بالتفاصيل: شبابيك المشربيات، حوائط الطوب الأحمر، نساء يجلسن على عتبات البيوت. كل هذه المشاهد استقرت فى أعماقها، ثم خرجت بعد عقود على هيئة لوحات تنبض بحياة لم تمت.



 

لم تتعلم السجينى الرسم فى معزل عن العالم. دخلت كلية الفنون الجميلة بقسم الزخرفة، وحصلت على شهادة البكالوريوس عام 1956م بعدها بسنة، نالت دبلوم المعهد العالى للتربية الفنية. لكنها لم تتوقف، واصلت بحثها عن المعرفة حتى نالت الدكتوراه فى فلسفة التربية الفنية عام 1978م عن دراسة عميقة لتاريخ الفن المصرى القديم، حيث جعلت من مقابر الفراعنة وكنائس العصر القبطى مدرسة ثانية. هذا المزيج الأكاديمى لم يقتل فيها العفوية، بل زودها بأدوات تنقيب دقيقة عن الجوهر الإنسانى. وكانت رسالة الماجستير الخاصة بها، التى تناولت جداريات المعابد، كاشفة عن عشق مبكر للنظام والتوازن، لكنها أضافت إليه روحها هى.

فى بيتها، لم يكن الفن هواية منعزلة. زوجها الفنان عبدالرحمن النشار، وعمها النحات الكبير جمال السجينى،  كلاهما عاش فى فضاء الإبداع نفسه. كانت محادثات العشاء تدور حول الضوء على الوجه، أو انحناءة ظهر فى تمثال. هذا الجو العائلى الفنى جعلها تتنفس الرسم منذ الصغر. ثم صارت هى نفسها أستاذة فى كلية التربية الفنية بجامعة حلوان، ورئيسة لقسم التصميمات. من هذا الموقع، شكلت أجيالاً من التلاميذ، أشرفت على رسائل الماجستير والدكتوراه، لم تكتف بتعليمهم التقنية، بل غرست فيهم فكرة أن الفن مرآة الروح قبل أن يكون مهارة يدوية. جلست على كرسى الأستاذية المتفرغة، لكن روحها ظلت حرة، ترفرف فوق قاعات المحاضرات.

عاصرت السجينى أحداثًا كبرى؛ ثورة يوليو 52، حرب أكتوبر المجيدة، ثم أحداث يناير وثورة 30 يونيو لكنها لم تحول فنها إلى ملصقات سياسية جامدة. تعاملت مع هذه التحولات كأنها موجات تحت سطح البحر، تؤثر فى الأعماق دون أن تظهر على السطح. كان همها الأول الإنسان، وخاصة المرأة. فى عالمها، المرأة ليست جسدًا ناعمًا خجولًا، بل قوة هائلة. نساء السجينى لديهن وجوه جريئة، عيون واسعة كأنها تستوعب الكون، شعر مجعد يشبه تاجًا ملكيًا، بشرة سمراء تشرق كأرض مصر بعد الفيضان. هذه المرأة تحمل طفلها وكأنها تحمل الدنيا كلها، تجلس مع صديقاتها فى وشوشات طويلة، تتشارك الأسرار التى تجعل الحياة مستمرة.

جوائز كثيرة حطت على كتفها، لكنها لم تغير من تواضعها شيئًا. عام 1968، فازت بالجائزة الأولى فى صالون القاهرة عن لوحة «مأساة القدس». تلك اللوحة لم تكن مجرد ألوان، كانت صرخة رسمية. ثم جاءت جائزة الدولة التشجيعية فى التصوير ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام ثمانين. فى بينالى القاهرة الدولى الرابع عام أربعة وتسعين، حصلت على الجائزة الأولى أيضًا. كل هذه التكريمات جاءت متأخرة بعض الشيء، لأن فنها كان سباقًا لعصره. هى لم تنتظر أحدًا، سارت فى طريقها الخاص، طريق الأم والطفلة والجدة والحبيبة.

أما فلسفتها، فتكمن فى ثلاثة مفردات؛ الأمومة، الطفولة، الأنوثة. هذه ليست كلمات عادية، إنها محاور الكون عندها. رسمت زينب السجينى ابنتها «إيمان» مرات لا تحصى، مع صديقاتها، فى مراحل عمرية مختلفة. كأنها توثق نمو فتاة مصرية من البراءة إلى النضج. كل مرحلة تحمل ألوانها الخاصة: الأبيض للروحانية، البرتقالى للدفء الحيوى. بعض النقاد قالوا إن وجوه نسائها متشابهة، وهذا صحيح. التشابه هنا ليس عجزًا، إنه تعميد. كل النساء فى لوحاتها هن أم واحدة، هى مصر. الملامح اللوزية، العيون الواسعة، الشعر المجعد، البشرة السمراء، كلها سمات مصرية أفريقية أصيلة، ترفض الذوبان فى الجماليات الغربية المستقاة.

تأثرها بالفن المصرى القديم عميق وجذرى. لم تنسخ التماثيل أو النقوش، بل استوعبت روحها. هذا الفن الفرعونى يعتمد على الخط الحاد، التحديد الدقيق، لكنه فى الوقت نفسه يترك مساحة للغموض المقدس. السجينى أخذت هذه الثنائية: الدقة والغموض. فى لوحاتها، تجد الأذرع النحيلة الممتدة كأغصان شجر، الأرجل الطويلة التى تكاد لا تلمس الأرض. الخطوط الانسيابية توجه عينك كأنها نهر صغير يجرى فوق سطح اللوحة. هذا الاستلهام جعل أعمالها تحمل «واقعية سحرية». الحمام يطير قرب نوافذ مغلقة، سمكة تسبح فى الهواء، طفلة تحضن قمرًا صغيرًا. كل شيء ممكن فى عالم زينب، لأن الحقيقة عندها ليست محصورة فى المنظور الأوروبى الضيق.

 

 

 

الألوان عندها ليست صدفة. الأبيض الصافى يرمز إلى لحظة الصفاء الروحى،  ذلك الشعور عندما تخلو بنفسك مع فكرة جميلة. البرتقالى الحى يشبه شمس مصر فى الظهيرة، يمنح اللوحة دفئًا يشعر به المشاهد حتى فى أبرد أيام الشتاء. لكنها لم تكن رمزية متكلفة، هى أشبه بشاعرة تختار كلماتها حسب الإحساس اللحظى. هناك لوحات طغى عليها الترابى الهادئ، وكأنها تحكى عن انتظار طويل. وأخرى غلبت عليها الألوان الزاهية، وكأنها تحكى عن عرس أو مولود جديد. هذا التنوع يجعل معارضها رحلة متكاملة، تبدأ بتأمل وتنتهى بفرحة.

ذاكرتها كانت خارقة. فى لوحة «الطاحونة»، رسمت تفاصيل آلة قديمة ورأت امرأة تطحن الحبوب، مع أنها لم تر هذه الآلة منذ خمسين عامًا. هذا يدل على أن عينيها الداخليتين كانتا دائمًا مفتوحتين. كل رائحة، كل صوت، كل إحساس باللمس سُجل فى أرشيفها الشخصى، ثم خرج فى لحظة الإبداع كشبح ملون. تقول إنها لا ترسم ما تراه، ترسم ما تشعر به. ربما هذا هو السر وراء قوة أعمالها. لوحة واقعية مرسومة بالشمع والألوان الزيتية قد تثير إعجابك، لكن لوحة مرسومة بالذاكرة والألم والفرح تلامس روحك. زينب كانت تلامس الأرواح.

المواد التى استخدمتها متنوعة؛ الزيت الثقيل الذى يعطى عمقًا وشفافية، الأكريليك السريع الجفاف الذى يتيح التعديل المستمر، الباستيل الزيتى الناعم الذى يشبه مساحيق التجميل، الفحم الذى يترك أثرًا أسود كالحبر على الورق. كل مادة كانت تستخدمها ببراعة الساحر. فرشاتها قوية لكنها رقيقة أيضًا. تستطيع أن ترسم تفصيلة صغيرة فى ثنايا الوجه، ثم تترك مساحة كاملة بلون واحد لتقول: هنا يتوقف الكلام، هنا يبدأ الصمت. تقنية «الوشوشات» التى اشتهرت بها، هى تداخل ألوان شفافة وكأنها همسات مسموعة. فعلاً، النظر إلى لوحاتها يشبه الوقوف فى غرفة مليئة بالنساء يتحدثن بصوت منخفض، لا تفهم الكلمات لكنك تفهم المشاعر.

نقطة تحول

معارضها بدأت منذ عام 1956. قاعة إخناتون عام سبعين كانت نقطة تحول، حيث عرضت مجموعة ناضجة عن الأمومة. ثم المركز الثقافى المصرى فى باريس عام 1985، حيث تعرف الأوروبيون على فنانة مصرية لا تحاكى بيكاسو أو ماتيس، بل تحكى عن جداتها الفرعونيات. بينالى الإسكندرية وبينالى القاهرة احتضناها مرارًا، وحصلت فيهما على جوائز. معارضها فى لبنان ويوغوسلافيا السابقة أثبتت أن فنها يتجاوز الحدود. النقاد هناك لم يكونوا يعرفون تفاصيل حى الجمالية، لكنهم شعروا بالدفء الإنسانى. هذا هو سر العالمية: أن تكون محليًا بعمق، فتصل إلى كل إنسان بغض النظر عن لغته.

النقاد المصريون كتبوا عنها بحب. الدكتور مصطفى الرزاز وصفها بالفنانة «الشاعرة». سامى البلشى قال إن لوحاتها «مسكونة بالوشوشات والحكايات». محمد كمال لاحظ كيف حولت ثورة يناير إلى فتاة مصرية تحمل أملًا جديدًا. كل هؤلاء النقاد اتفقوا على شيء: زينب السجينى استطاعت أن تصنع عالمًا خاصًا، لا يشبه أحدًا. هذا العالم تسكنه نساء قويات، أطفال مرحون، حمام أبيض، سمكة سعيدة، بيوت قديمة تتنفس. عالم يوازى عالمنا القاسى لكنه أجمل منه. عالم يواسينا عندما نكون حزانى.

أعمالها موجودة الآن فى متاحف كبرى: متحف الفن الحديث فى القاهرة، متحف الإسكندرية، بالإضافة إلى مقتنيات خاصة فى أمريكا وأوروبا والعالم العربى. هذا الوجود المتحفى يعنى أن الأجيال القادمة ستراها. طلاب الفنون الجميلة يدرسون أسلوبها فى الكليات. باحثون يكتبون رسائل عن رموزها وتقنياتها. هى لم ترحل حقاً، إنها تعيش فى كل لوحة معلقة على جدار متحف، أو فى صالة فنان شاب يقلد خطوطها الانسيابية دون أن يدرى. هذا هو الخلود الحقيقى؛ أن تصبح جزءًا من منهج دراسى، وأن تهمس فى أذن كل فنان جديد؛ كن صادقًا، ارسم ما فى داخلك، لا تخف من الحنين إلى الماضى.

قضت أكثر من 90 عامًا فى رسم الحياة، أثبتت أن الفن قد يكون أقوى من السياسة، وأبقى من الحروب. بينما تتغير الأنظمة وتنهار الجدران، تظل لوحاتها معلقة، تروى قصة امرأة جالسة على ضفة النيل، أو طفلة تمسك بيد أمها، أو فتاة تحلم. هذه القصص لا تموت، لأنها ببساطة قصصنا نحن. زينب السجيني كانت حارسة للذاكرة المصرية.

حارسة تمسك فرشاة بدلًًا من سيف، وتقاتل النسيان بالألوان. كل من ينظر إلى لوحاتها اليوم، بعد رحيلها الجسدى،  يشعر بأنها لا تزال هنا، تهمس؛ لا تنسوا من أين أتيتم، لا تنسوا جمال التفاصيل الصغيرة، لا تنسوا أن الروح المصرية خالدة كالنيل.