آخر أعمال صاحب فيلم «أسوأ شخص فى العالم»
شاهده: د. هانى حجاج
استوديو فى بيت العائلة القديم!
فيلم «القيمة العاطفية» هو أحدث أعمال النرويجى يواكيم تراير (صاحب فيلم أسوأ شخص فى العالم). يستوحى الفيلم عناصر من تاريخ عائلته، ويوازن بين الخيال والواقع الشخصى العميق، حاملًا فى طياته عبء الصدمات الموروثة، والإرث الفنى، وكيف يمكن للإبداع أن يصبح آلية للتأقلم عندما تفشل قنوات التواصل العادية.
مع التركيز الواضح على تاريخ العائلة، تتجه القصة نحو جوستاف بورج (ستيلان سكارسجارد)، مخرج أفلام غاب عن الساحة الفنية، يحاول الآن إعادة بناء علاقة من خلال الفن.
لكن الخلاف يبرز فورًا: فالفن ليس اعتذارًا، وبناته لسن ملزمات بالتنازل له لمجرد أنه يحمل سيناريو.
يُضفى تريير على منزل العائلة نفسه أهميةً هادئةً لكنها راسخة. إنه أكثر من مجرد مكان. يصبح خيطًا عاطفيًا قائمًا بذاته، ومساحةً ماديةً تستمر فيها الذكريات والغيابات والصدمات غير المُعالجة بالعيش. المكان الذى ننشأ فيه، والمكان الذى نغادره، والمكان الذى نعود إليه، كلها تُشكّل هويتنا، حتى عندما نظن أننا تجاوزنا الماضى.
الاستعارة واضحة، بل وربما مُبالغ فيها أحيانًا، لكن تريير يجد فيها نسيجًا مثيرًا للاهتمام. يحمل المنزل أشباحًا مجازية، وذكريات، ومشاعر مُرتبطة بها، أشياء لا تُرى لكنها تُحس باستمرار.
تُقدم «ريناته رينسفى»، التى أبهرتنا بأدائها فى دور البطولة فى فيلم تريير السابق «أسوأ شخص فى العالم»، هنا أداءً رائعًا مرة أخرى.
تحمل رينسفى العبء العاطفى للفيلم بشخصية نورا، وتفعل ذلك بصدقٍ عفويٍّ وصادق، وهو ما يثق به تريير تمامًا. لا يتم استغلال هشاشة نورا وقلقها وتوترها لاستدرار التعاطف بسهولة، بل تتركها رينسفى كامنة، أحيانًا بهدوء، وأحيانًا أخرى على حافة الانهيار.
ورغم أن الفيلم يركز تقنيًا على ثلاث شخصيات رئيسية، فإن رينسفى هى من تجذب المشاهد وتأسره، مجسدةً شخصيةً تُعرَّف بما تخفيه بقدر ما تُعرَّف بما تكشفه.
يقدم سكارسجارد أداءً رائعًا فى دور جوستاف.
فهو أنانى، غافل، ومثير للغضب أحيانًا، ومع ذلك لا يُختزل أبدًا إلى مجرد شرير نمطى.
لا يُبرّر الفيلم إخفاقاته كأب، لكنه يسعى إلى ما هو أعمق من مجرد إصدار الأحكام.
أسلوب الفيلم داخل الفيلم، ومحاولة جوستاف للعودة إلى الساحة الفنية، التى ربما تقترب بشكلٍ مزعج من صدمة عائلته، لا يقتصر دوره على كونه مجرد طبقةٍ ظاهرة، بل يصبح ساحة معركة.
يعود فيلم «القيمة العاطفية» مرارًا وتكرارًا إلى الفكرة المقلقة القائلة بأنّ الفن قد يكون تعبيرًا وتدخلًا فى آنٍ واحد. ليس السؤال «هل هو مسموح؟»، بل «من له الحق فى إبداء رأيه؟».
يُضيف وجود نجمة أمريكية، تؤدى دورها إيل فانينج، تعقيدًا محسوبًا فى السيناريو.
ورغم قلة ظهورها على الشاشة، فإن فانينج تُقدّم أداءً رائعًا، وتُشكّل حضورًا ضروريًا يُساعد فى ترسيخ أفكار الفيلم.
وفيلم «القيمة العاطفية» يتناول الصدمات المتوارثة عبر الأجيال، وأصداء غياب الوالدين، وحدود وإمكانيات التواصل الأسرى.
ويُعتبر الفيلم من الأفلام المرشحة بقوة لجوائز الموسم، وقد رُشح بالفعل لتسع جوائز أوسكار فهو فيلم ناضج للغاية يتناول موضوع العائلات، ويوصل رسالة إيجابية دون اللجوء إلى عاطفة مفتعلة.
تدور أحداثه حول التفاهم الذى ينشأ بين أب يعمل فى مجال صناعة الأفلام وابنتيه؛ تخيل عالم فيلم «فيستن» البارد، ولكن دون نفس القدر من الحدة.
فبعد مسيرة مهنية طويلة وحافلة، تضمنت فيلمًا شارك فيه مع ابنته نورا عندما كانت طفلة، يخطط بورج للعودة إلى الشاشة، بتمويل من نتفليكس.
ابنته ممثلة مسرحية وتليفزيونية، ويبدو أن بورج يفترض أنها ستسعد بالحصول على دور بطولة مميز. لكن منذ وفاة والدتهما، نورا وشقيقتها أجنيس (إنجا إبسدوتر) تعيد ليلياس تقييم علاقتهما الأبوية أثناء إخلاء منزلهما العائلى فى أوسلو.
نرى نورا تتهرب من والدها، وتنتزع المزهرية التى تنقذها من بين مقتنيات والدتها، وهى قطعة ذات قيمة معنوية. عندما ترفض نورا دور الأب، يبدأ بورج فجأة فى إدراك أن غيابه المتكرر كأب كان له تأثير عميق على ابنتيه لم يكن يتوقعه من قبل.

الفيلم يصعب تصنيفه؛ فهو كوميدى، ولا ينتهى نهايةً حزينة، ولكنه ليس بالأسلوب الكوميدى المعتاد. حتى بدون مرض أو خداع، هناك ألم حقيقى ودراما، ولكن من خلال محادثات عادية بين أشخاص غير عاديين إلى حد ما.
يبدأ بمشهد ذعر خلف الكواليس على غرار فيلم «فوكس لوكس» قبل بدء مسرحية تبدأ بموسيقى بيلا بارتوك الصاخبة، وانطباع قوى عن مدى حساسية نورا. تبدو طبيعتها الحادة والهشة وكأنها قد تؤدى إلى كارثة، لكن هشاشتها تُصبح فى النهاية مشكلة قابلة للحل.
يمكن اعتبار الفيلم بلسمًا فى أوقات عصيبة، ويستحق بجدارة مكانته فى قائمة الجوائز؛ فهو يتميز بأداء تمثيلى رائع من قبل طاقم تمثيلى قوى، وإخراج متقن بوتيرة متناغمة، وهو من نوعية الأفلام الناضجة التى كانت تحظى بجمهور جاهز، لكن يبدو أن المحتوى الراقى يجد صعوبة فى الوصول إلى جمهور ناضج فى الآونة الأخيرة.
يتخلل الفيلم لحظات تأملية، ونقد لاذع يتناول مواضيع شتى، من لاس هيلستروم إلى حركات الجاز؛ يتطلب الفيلم الصبر، وهو ما يُكافأ عليه؛ إنه رقيق وذكى ينبض بالمشاعر، ويتمتع أيضًا بنزاهة تجعله متميزًا عن غيره. فى وقت تُبذل فيه جهود حثيثة لتقسيمنا سياسيًا وعرقيًا، وعلى صعيد الهوية الوطنية والجنس، يتناول الفيلم كيفية حل الخلافات الشخصية بطريقة حضارية.
وفى الفيلم يحوّل يواكيم الدراما العائلية إلى مرآة لسينماه الخاصة: قصة تتنقل بين الذكريات والصمت والمحادثات التى لا تنتهى. يلتقى الأب وابنته فى جنازة، وينظر كل منهما إلى الآخر كما لو أنهما التقيا فى خراب، مع أنه مخرج عاش أزهى أيامه قبل عقود؛ أما هى فممثلة شهيرة لا تزال تسعى لفهم ذاتها بينما لا تزال تمثل شخصية أخرى. فى ذلك المنزل الملىء بالأصداء والأسرار، يدرك كلاهما أن أقوى الروابط عادةً ما تصمد رغم كل شيء، حتى عندما نتمنى زوالها.
عندما يعود جوستاف بعد سنوات من الغياب ويقترح على نورا بطولة فيلمه الجديد، تبدو بادرته وكأنها عرض، لكنها فى الحقيقة تبدو استفزازًا.
ترفض نورا العرض دون تردد، وفى هذا الرفض تلخص علاقتهما برمتها: محاولة مصالحة مُقنّعة بالتلاعب. هو يبحث عن الإلهام، وهى عن الاستقلالية.
لا يستطيع أى منهما التحرر من غروره. هذا الشعور بعدم الارتياح، المصوّر بدقة متناهية، يمنح «القيمة العاطفية» طابعًا مسرحيًا، حيث تبدو كل كلمة وكأنها مقال عن شيء لن يتحقق أبدًا.
تنتقل القصة بسلاسة بين الأزمنة، متداخلةً بين ذكريات الماضى، والذكريات المستعارة، ومشاهد يمتزج فيها الخيال بالواقع.
والنتيجة لغز عاطفى لا يُراد حله، بل كشفه.
يُضفى ظهور رايتشل (إيل فانينج)، الممثلة الأمريكية المولعة بفيلم قديم لجوستاف، بُعدًا جديدًا - ومُقلقًا بعض الشيء - على القصة.
فهى تُجسّد الشاب الذى يُراقب الماضى بإخلاص ساذج. حماسه المُفرط لجوستاف هو حنين خطير، حنين أولئك الذين يخلطون بين الخلاص والفرصة الفنية.
لا تكتفى رايتشل بأداء الدور الذى كتبه جوستاف لابنته، بل تُصبح هى الأخرى محورًا عاطفيًا لها، مُثيرةً مثلثًا يتأرجح بين الأبوية والمهنية والشفقة.
تُجسّد فانينج ببراعة شخصية الباحثة عن الأصالة فى بيئةٍ يسودها الأداء.
إنها الغريبة التى تصل إلى أرضٍ مثقلةٍ بجراح الماضى. يُصوّر تراير الفيلم كدخيلٍ حسن النية، عالقٍ فى لعبةٍ لا تفهمها تمامًا. يكشف وجوده ما ينكره الآخرون: أن الفن، مهما كانت نواياه صادقة، يحمل دائمًا جانبًا طفيليًا. تريد رايتشل فهم جوستاف، لكنها لا تستطيع سوى تقليده.
من خلال هذا العمل، يسخر تريير قليلًا من نفسه ومن جدية السينما الأوروبية. تتحول المقالات داخل الفيلم إلى مشاهد ميتافيزيقية، حيث يفسر كل شخص نسخًا من نفسه. يتلاشى الحد الفاصل بين المخرج والشخصية، وما قد يبدو ميلودراما مألوفة يتحول إلى هجاء للإبداع الفنى. يتغذى الخيال على البؤس الحقيقى، ويشاهد الجمهور الكاميرا وهى تصبح أداة للاعتراف والقسوة فى آن واحد.

عندما يقرر جوستاف تصوير فيلمه فى منزل العائلة القديم، تنحصر القصة حرفيًا داخل جدرانه.
نورا، أجنيس (إنجا إبسدوتر) تُصبح ليلياس وراشيل انعكاس لقصة تتكرر مرارًا وتكرارًا، كما لو أن الماضى يُطالب بتجسيده حتى يُستنفد.
يظهر الفكاهة فى تفاصيل صغيرة: مزهرية كادت تسقط على الأرض، مقال ينتهى بضحكة عصبية، محادثة تبدأ كعلاج وتنتهى بنقاش عبثى.
يُدرك تريير أن المأساة والكوميديا تتعايشان، حتى عندما لا يدعوهما أحد.
يجمع الإخراج بين الأناقة البصرية ونبرة ساخرة.
تُحلّ المشاهد الأكثر توترًا بالسخرية أو الارتباك، كما لو أن تريير نفسه أراد أن يذكّرنا بأن الحياة نادرًا ما تُقدّم بشكل جيد.
هناك متعة واضحة فى هذا النقص المُتعمّد. تختلط المشاعر دون ترتيب هرمي: قد تُقاطع دمعة بضحكة، والعكس صحيح. هذا الغموض يُبقى الفيلم نابضًا بالحياة، غير متوقع، وإنسانيًا للغاية.
فى هذه المرحلة، يصبح فيلم «القيمة العاطفية» تأملًا فى حدود التسامح. يحاول جوستاف إصلاح الماضى بتصويره، لكنه فى سبيل ذلك يُكرر أخطاءه بتظاهره بالرقى الفنى. نورا، التى تشاهد المشهد من خلال جرحها الخاص، تُدرك أن سينما والدها لا تسعى إلى الشفاء، بل إلى التبرير. ومع ذلك، لا يُصدر ترير أى حكم عليه: بل يكشفه، ويتركه يتعثر، ويُظهره بمظهرٍ مُضحكٍ ومُحببٍ فى آنٍ واحد.
تُشكّل أجنيس، الأخت التى تبدو أكثر اتزانًا، ثقلًا معنويًا موازنًا. فبينما يُدمّر جوستاف ونورا بالكلمات، تُراقب هى التاريخ: تُحقّق فى ماضى العائلة، وآثار الحرب، وانتحار جدّتها. يُصبح عمله الأكاديمى استعارةً لعمل تريير نفسه: النبش فى بقايا الذاكرة، وتشكيل شيءٍ لا يُمكن تغييره. إنه دورٌ أقلّ بريقًا، ولكنه حيويّ للحفاظ على التوازن بين المأساة والتحليل.

يعمل الفيلم كحلقة متداخلة. قصة داخل أخرى، وكلها تدور حول فراغ واحد. يُبدع جوستاف مسرحية عن والدته، لكنه ينتهى به المطاف بتصوير علاقته بنورا دون قصد.
أما تراير، فيُخرج فيلمًا عن جوستاف ونورا، لكن ما يُصوّره فى الحقيقة هو صعوبة التوفيق بين الفن والحياة. كل شيء يُعيد نفسه، وهذا التكرار هو ما يُضفى المعنى على التاريخ.
يُغلف مدير التصوير كاسبر توكسن هذه الفكرة بصور نقية ومُحكمة.
يعكس الضوء النرويجى، البارد لكنه ليس بعيدًا أبدًا، الفروق الدقيقة العاطفية بدقة متناهية. أما مونتاج أوليفييه بوج، فيُضفى لمسة فنية رائعة. يُحوّل فيلم «كوتيه»، بأسلوبه الجافّ وفصوله المتقطعة، كل مشهد إلى نَفَس. لا شيء يُترك بلا فائدة، ولا شيء يُشرح بإسهاب. يُخرج ترير أفلامه بصبر الجراح وروح الدعابة الساخرة للمشاهد، وهو توازن نادر.
من أبرز إنجازات فيلم «القيمة العاطفية» تحكّمه فى النبرة.
فالفيلم لا ينزلق أبدًا إلى الميلودراما، ولا يلجأ إلى السخرية بتاتًا. بل يحافظ على توازنٍ مُقلق، يكاد يكون قاسيًا. فى أشدّ اللحظات حدّةً، يختفى الحوار، ولا يبقى سوى الإيماءات: أنفاسٌ مرتعشة، صمتٌ مُشترك، نظرةٌ شاردة.
المشهد الأخير - دون كلمةٍ واحدة - بالغ التأثير لدرجة أنه يُغنى عن أيّ تفسير. سكارسجارد مذهل. فهو يجسد شخصية جوستاف بمزيج من الضعف والكبرياء، كملك مخلوع لا يزال يؤمن بقدرته على قيادة مملكته.
أما رينسفى، فتؤدى دور نورا بعفوية آسرة: فهى ساخرة، مندفعّة، وذكية. يخلق الاثنان معًا توترًا يكاد يكون ملموسًا. لا وجود للحظة واحدة من الرضا عن النفس؛ فكل لقاء بينهما يبدو كحقل ألغام. أما ليلياس، فى دور أكثر هدوءًا، فتضفى توازنًا عاطفيًا، بينما تقدم فانينج هشاشة تكشف بقدر ما تخفى.

لا يسعى الفيلم إلى حلّ النزاعات العائلية أو تقديم دروس أخلاقية، بل يركز على رصد كوميديا الفشل البشرى بأناقة إسكندنافية وابتسامة ساخرة. يبنى تريير، مخلصًا لأسلوبه، سينما لا يُرثى فيها الحزن، بل يُرصد بلمحة من السخرية. وفى هذا الرصد - الأكثر وضوحًا من التعاطف - تكمن قوته.