غضب عبدالناصر من «قلم حبر»؟!
منير مطاوع
عمود كتبه على أمين قبل توقيع «الجلاء»
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
حكايات العمود الصحفى لا تنتهي…
فالعمود الصحفى يغضب الحكام أحيانًا، لجرأة الكاتب فى التعبير عن مشاعر الناس التى قد تتعارض مع سياسات بعض الحكومات.
وقد علمت أن العمود الصحفى ظهر أول ما ظهر- عربيًا - فى الصحافة المصرية، وكان ذلك فى نهاية القرن التاسع عشر، وأول من كتبه هو أحمد حافظ عوض، فى صحيفة «المؤيد» اليومية سنة 1889 وكان يوقعه باسم «محمدين» تجنبًا لما قد يترتب عليه من متاعب ربما.
وللأسف لم يتيسر لى الحصول على عينة من مقالات هذا العمود.
ريادة أحمد الصاوى محمد
وقد شهدت الصحافة تطورًا ملحوظًا لفن العمود الصحفى اليومى فظهر عمود صحفى شهير سنة 1930 كان ينشر يوميًا فى الصفحة الأولى من «الأهرام» ويكتبه فى أقل عدد من السطور والكلمات أحمد الصاوى محمد بعنوان «ما قل ودل» وهو من أشهر الأعمدة الصحفية.
وكاتب هذا العمود هو أحد أعلام الصحافة المصرية وأول رئيس تحرير مصرى لصحيفة «الأهرام».. التى كان يمتلكها ويحررها ويرأس تحريرها ملاكها ومؤسسوها من عائلة «تقلا» وهم لبنانيون هاجروا إلى مصر هربًا من بطش حكام بلادهم وتمصروا.
بدأ الشاب أحمد الصاوى محمد حياته الصحفية بكتابة مقال فى جريدة «السياسة» لصاحبها ورئيس تحريرها الدكتور محمد حسين هيكل، وكان عن حرية المرأة فأعجبت به زعيمة المرأة المصرية هدى شعراوى فتعرّفت عليه وساعدته فى دراسة الصحافة فى جامعة السوربون فى باريس وسافر مع توفيق الحكيم ومحمود مختار للدراسة هناك على نفقتها.. وكان يراسل «الأهرام» من باريس خلال دراسته.

وفى سنة 1930 بدأ عموده «ما قل ودل» فى «الأهرام» وانتقل به إلى «المصري» ثم «الأخبار» إلى أن عاد به إلى «الأهرام» عندما أصبح رئيسًا لتحريرها.. وهو آخر رئيس لتحريرها قبل تأميم الصحافة.
ويعتبر كاتب «ما قل ودل» أول صحفى مصرى تعلّم المهنة أكاديميًا، وكانت له بصمات خاصة جعلت من الصحف التى عمل بها منابر ناجحة فى نشر الثقافة والفن والأدب والاهتمام بمجالات الحياة الاجتماعية التى لم تكن محل اهتمام فى صحافة ما قبل أحمد الصاوى محمد.. واشتهر عنه أنه كان يكتفى أحيانًا بتوقيع عموده الشهير بالحروف الأولى من اسمه: أ. ص. م. كما أن أسلوبه شديد الإيجاز لطيف العبارة، كان مثلًا يحتذيه الكتاب الصحفيون من بعده.
وخلال دراستى لتاريخ صحافتنا العريق أضع دائمًا هذا المعلم الكبير على رأس قائمة من جددوها ومنحوها قيمة رفيعة بمواقفهم وكتاباتهم وثقافتهم الواسعة وفكرهم المستنير. ومناصرتهم للبسطاء من الناس والتصدى لحل مشاكلهم.
«نحو النور»
ومن أشهر أعمدة الصحف عمود «نحو النور» الشهير بقلم أحد هؤلاء الأعلام الكبار محمد زكى عبدالقادر فى «الأهرام» سنة 1938.. ومع أن «الأهرام» كانت جريدة موالية للحزب الحاكم، فقد خرج كاتب «نحو النور» على هذا وكتب عموده عن المشكلات التى تواجه الناس ويعانى منها الشعب، وقد اضطر محمد زكى عبدالقادر إلى ترك «الأهرام» وانتقل إلى «أخبار اليوم» سنة 1950، وكان لا يتأخر يومًا عن «نحو النور» حتى أنه كان يكتب رصيدًا يكفى للصدور يوميًا خلال أيام غيابه عند السفر، وظل يكتبه فى «الأخبار» كل يوم حتى وفاته سنة 1982. وقد أعجبنى وصف أحد الكتاب من تلاميذه لعموده جاء فيه:
«كانت كلماته فى «نحو النور» تعكس أحاسيس الناس وتعبر عن ضمائرهم وتترجم مشاعرهم، انتصر للفلاحين والعمال والموظفين قبل ثورة 23 يوليو، ولم يتوقف قلمه أبدًا عن إبداء رأيه فى علاج مشاكلهم والتعبير عن مطالبهم دون خوف أو ضعف، وعمل بما آمن به منذ اختار الصحافة طريقًا له، وبقى عظيمًا فى فكره، قويًا فى قلمه، لا تصدر كتابته عن هوى، ولا يتلون تبعًا للظروف المحيطة به».
ويعود الفضل لمحمد زكى عبدالقادر فى القضاء على الألقاب التى كانت شائعة فى عهد ما قبل الثورة (بك وباشا وغيرها) حيث نشر سنة 1938 رسالة من قارئ من السويس يطالب فيها بإلغاء هذه الألقاب التى تنشر مشاعر التمييز والعنصرية بين المواطنين.
وطبعًا لم يلق هذا المطلب استجابة، وقتها.
لكن الكاتب كرّر فى عموده «نحو النور» المطالبة بإلغاء الألقاب بعد قيام ثورة يوليو بثلاثة أيام، وحقق جمال عبدالناصر ذلك فى اليوم الرابع.
وطبعًا لا ننسى دور محمد زكى عبدالقادر فى اكتشاف وتبنى الكاتب الصحفى الشاب الذى أصبح أحد أبرز وجوه الصحافة المصرية المحترمة فى العصر الحديث أحمد بهاء الدين.
فقد لفتت مجلة «الفصول» التى يصدرها ويرأس تحريرها هذا الرائد الكبير، اهتمام بهاء منذ كان فى العشرينيات من العمر فى سنة 1947 فكتب مقالًا عن جمال الدين الأفغانى فى ذكرى مرور 50 سنة على وفاته وذهب للمجلة وترك مظروفًا يضم المقال، فنشره رئيس التحرير دون أن يعرف صاحبه.
وعندما التقاه رحب به واحتفل به ورعاه فأصبح أحمد بهاء الدين يشارك فى تحرير هذه المجلة الشهرية الجادة التى انطلقت سنة 1944 بمساندة جماعة «النهضة القومية» التى أسسها محد زكى عبدالقادر وإبراهيم بيومى مدكور ومريت غالي.
وبعد عامين ترك الراعى الكبير مسئولية المجلة لتلميذه الشاب بهاء الدين.
ولعلنا هنا نتوقف عند العمود الصحفى اليومى «يوميات» الذى كان يكتبه أحمد بهاء الدين فى «الأهرام» والذى نال التقدير الأول خلال عملية تحليل المضمون التى أشرت إليها من قبل.. وواصل كتابته حتى سنة 1990عندما تسبب المرض فى توقفه تمامًا عن الكتابة.
حقق هذا العمود إقبالًا شديدًا لصدق الكاتب وشجاعته فى تناول قضايا مهمة من حياة الناس حتى أن قراء «الأهرام» كانوا يبدءون قراءة الجريدة من الصفحة الأخيرة حيث «يوميات» أحمد بهاء الدين.
مولد «فكرة»
منذ يونيو 1952 ظهر أشهر عمود صحفى «فكرة» فى جريدة «الأخبار» الذى ظل على أمين يكتبه ويأخذه معه إلى الجرائد والمجلات التى يتنقل بينها «آخر ساعة» و«المصور» و«الجيل» و«هي»، و«الأهرام» حتى وفاته فى 3 أبريل سنة 1976.
وواصل شقيقه مصطفى أمين كتابة «فكرة» فى اليوم التالي.
فى عموده اليومى «فكرة» طرح على أمين فكرة الاحتفال بعيد الأم فكتب:
لم لا نتفق على يوم من أيام السنة نطلق عليه يوم الأم ونجعله عيدًا قوميًا فى بلادنا وبلاد الشرق. وفى هذا اليوم يقدم الأبناء لأمهاتهم الهدايا الصغيرة ويرسلون للأمهات خطابات صغيرة يقولون فيها شكرًا، أو «ربنا يخليك» لماذا لا نشجع الأطفال فى هذا اليوم أن يعامل كل منهم أمه كملكة فيمنعونها من العمل. ويتولون هم فى هذا اليوم كل أعمالها المنزلية بدلًا منها، ولكن أى يوم فى السنة نجعله «عيد الأم»؟
وبعد نشر المقال اختار القراء تحديد يوم 21 مارس وهو بداية فصل الربيع ليكون عيدًا للأم.
وخلال مباحثات الثورة مع الإنجليز من أجل الجلاء سنة 1954 كتب على أمين فى «فكرة»: «إن حبرًا اخترعه الإنجليز تمحى الكتابة به بعد 24 ساعة، ولذلك أرجو الرئيس عبدالناصر وهو يوقع اتفاقية الجلاء مع إنجلترا ألا يوقعها بهذا الحبر».
فغضب عبدالناصر.. لكنه لم يمنعه من الكتابة.
وفى الأسبوع المقبل نواصل
وقد وجدتنى فى فترة من حياتى الصحفية أدرس تاريخ هذا الفن الذى برز كمادة صحفية جذابة ولها دور فى التعبير الحر، كما أنها تساهم فى زيادة الإقبال على الصحف، ومن جهة أخرى تسبب المتاعب لكاتبها أحيانًا، وكما رأينا فإن عمود «فكرة» الذى كتبه مصطفى أمين منتقدًا وساخرًا من هرولة مؤيدى الرئيس السادات من حزبه القديم إلى حزبه الجديد، ترتب عليه خروج الكاتب الكبير من «جنة» الصحافة.. بأمر السادات.