الجمعة 5 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

.. ولكن.. بين ضلوعى زحام!

حكايات صلاح جاهين ابن «الأكابر» الذى أصبح «فيلسوف الفقراء»



 

ما زالت رباعياته تتردد على ألسنة الشباب والكبار، وأغانيه الوطنية تزين المناسبات، وأفلامه محط أنظار المشاهدين جيلًا بعد جيل. هذا الحضور الدائم فى الذاكرة الجمعية المصرية يؤكد مكانته الفريدة كفنان استطاع أن يخلد اسمه فى تاريخ الثقافة العربية. صلاح جاهين الشاعر والرسام وكاتب السيناريو، الذى تمر اليوم ذكرى وفاته الأربعون، والذى تحول إلى صوت البسطاء ومرآة المجتمع وفيلسوف الشارع. تعلمنا منه أن الفلسفة لا تشكل حكرًا على قاعات الجامعات وكتب النخبة، ويمكن أن تظهر من قهوة شعبية، من بكاء طفل، من ضحكة صاحب حارة. تعلمنا منه أن الفن الحقيقى هو ذلك الذى ينبع من الناس ويعود إليهم، حاملًا همومهم وأحلامهم، ضاحكًا باكيًا معهم فى آن واحد.  

فى زحام القاهرة، وتحديدًا فى حى شبرا العريق أواخر ديسمبر عام 1930، قدم محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمى إلى الحياة وسط أسرة قضائية مرموقة. والده المستشار بهجت حلمى ترأس محكمة استئناف، ما جعل الطفل يرتحل بين المنصورة وطنطا وأسيوط تبعًا لتنقلات والده القضائية. هذه التنقلات المبكرة منحت الصبى فرصة ذهبية للتأمل فى تنوع الثقافات المصرية، فاختزن فى ذاكرته تفاصيل حياة البسطاء فى الريف والحضر، وتذوق أهازيج كل إقليم وحكاياته، لتصبح هذه الخلفية الغنية بمثابة التربة الخصبة لنمو موهبته الفذة لاحقًا. درس الحقوق تنفيذًا لرغبة والده، لكن القلب ظل معلقًا بالفنون الجميلة. بعد التخرج، أدار الشاب ظهره للمحاماة والقضاء نهائيًا، واندفع نحو عالم الصحافة رسامًا كاريكاتيريًا. بدأ فى مجلتى «روزاليوسف» و«صباح الخير»، ثم انتقل إلى جريدة «الأهرام»، حيث أبدع شخصيات خالدة مثل «الفهامة». هذا التحول الجريء يؤكد إصرار جاهين على اتباع شغفه وتجسيد رؤيته الفنية فى مختلف الأشكال الإبداعية. تزوج مرتين، الأولى من زميلته سوسن محمد زكى عام 1955 فأنجب منها أمينة وبهاء، والثانية من اللبنانية منى قطان فأنجب منها سامية. 

تحول جاهين إلى موسوعة إبداعية متنقلة بين مختلف الفنون، تاركًا بصمته الخالدة فى كل مجال خاضه. هذه الهوية الفنية المتعددة منحته القدرة على مخاطبة شرائح واسعة من الجمهور، والتعبير عن قضايا المجتمع من زوايا مختلفة. فى شعر العامية، أحدث ثورة حقيقية، فارتقى باللهجة الدارجة إلى مصاف اللغة الشعرية الرفيعة القادرة على التعبير عن أعمق الأفكار والمشاعر. بدأ مسيرته الشعرية بعد انتفاضة الطلاب فى المنصورة، ونشر أول ديوان بعنوان «كلمة سلام» عام 1955. كانت قمة نتاجه الشعرى والفلسفى تجلت فى «رباعياته» عام 1963، تلك القصائد المكونة من أربعة أبيات تنتهى جميعها بكلمة «عجبي!». هذه الرباعيات تمثل تأملات فلسفية عميقة فى الوجود والحياة والموت والخير والشر والأمل واليأس والصبر والحكمة. استطاع أن يطرح أسئلة وجودية كبرى بلغة بسيطة مباشرة يفهمها الرجل العادى فى الشارع. «خرج ابن آدم من العدم قلت ياه.. رجع ابن آدم للعدم قلت ياه.. تراب بيحيا وحى بيصير تراب.. الأصل هو الموت ولا الحياة؟ عجبي!». بهذه الرباعية يهز قناعاتنا المألوفة عن الحياة والموت، ويجعلنا نتأمل فى دهشة أمام هذه الدورة الأبدية. «أنا شاب لكن عمرى ولا ألف عام.. وحيد ولكن بين ضلوعى زحام.. خايف ولكن خوفى منى أنا.. أخرس ولكن قلبى مليان كلام.. عجبي!». هنا يعبر عن حالة الاغتراب الداخلى التى يعيشها الإنسان المعاصر، صراعه مع ذاته قبل صراعه مع العالم.

نقد لاذع

فى الكاريكاتير، كان جاهين مرآة ساخرة للمجتمع، يرصد المفارقات والتناقضات بعين ثاقبة ويحولها إلى رسومات معبرة تجمع بين البهجة والنقد اللاذع. رسوماته تميزت بالبساطة والعمق فى آن واحد، وكانت قادرة على إيصال رسالته بوضوح إلى جميع فئات المجتمع حتى الأميين منهم. استخدم الكاريكاتير كوسيلة للتعبير عن آرائه السياسية والاجتماعية، ولنقد الظواهر السلبية فى المجتمع، وللدفاع عن قضايا البسطاء والفقراء. آمن بقوة الصورة فى إيصال الرسالة، وأن الكاريكاتير يمكن أن يكون أداة فعالة للتغيير الاجتماعى والسياسى. فى السينما، كتب سيناريوهات لأفلام أصبحت علامات فارقة فى تاريخ السينما المصرية. «خلى بالك من زوزو» عام 1972 يتناول قصة فتاة شعبية تحاول التوفيق بين عالمها الشعبى وعالم التعليم الأكاديمى، ويعكس صراعًا بين الأصالة والمعاصرة، وبين القيم التقليدية والقيم الحديثة. الفيلم ينتصر للإنسان وقيمته بعيدًا عن أصله الاجتماعى، ويؤكد أن الفن الشعبى يحتل مكانة مرموقة لا تقل قيمة عن الفن الأكاديمى. فى «عودة الابن الضال» عام 1976- بالاشتراك مع يوسف شاهين - يجسد حالة الضياع التى عاشها المثقف المصرى بعد نكسة 1967، ويطرح تساؤلات حول الهوية والانتماء ومستقبل الأمة. أما فى «شفيقة ومتولى» عام 1978 يتناول قضايا الشرف والقهر الاجتماعى فى صعيد مصر، ويعكس صراع الفرد مع التقاليد البالية. هذا الفيلم يظهر قدرة جاهين على تناول القضايا الاجتماعية الحساسة بجرأة وعمق، وتقديم رؤية نقدية للمجتمع تدعو إلى التغيير والإصلاح.

بالإضافة إلى كتابة السيناريو، قام جاهين بإنتاج عدد من الأفلام، مما يدل على رؤيته الشاملة للعملية الفنية. شارك كممثل فى أفلام مثل «لا وقت للحب» عام 1963 و«المماليك» عام 1965 و«وداعًا بونابرت» عام 1985. كان حضوره على الشاشة مميزًا بشخصيته الكاريزمية ووجهه المعبر، فأضفى على أدواره لمسة خاصة من الفكاهة والعمق. امتلك قدرة طبيعية على تجسيد الشخصيات بصدق وعفوية. اكتشف وقدم للساحة الفنية عددًا من النجوم الكبار مثل أحمد زكى وعلى الحجار وشريف منير. 

 

 

 

فلسفته كانت نابعة من تجربته الحياتية العميقة وتفاعله المباشر مع قضايا المجتمع وهموم البسطاء. كان قريبًا من الفقراء، يعيش معهم ويشعر بمعاناتهم، فجاءت أعماله صادقة ومعبرة تلامس قلوب الناس. رأى فى البسطاء جوهر الحياة وحملة قيم الأصالة والطيبة، فدافع عنهم فى أعماله وسلط الضوء على معاناتهم وحاول أن يمنحهم الأمل فى حياة أفضل. تميزت فلسفته بالجمع بين المتناقضات والثنائيات، مثل الحزن والفرح، الأمل واليأس، الحياة والموت. هذه الثنائيات التى عكست رؤيته الشاملة للحياة التى تخلو من الصراعات.

غير أن الوقوف عند ظاهر هذه الرباعيات يختزل تجربته، إذ تبدو وكأنها تنخرط فى حوار خفى مع أسئلة الفلسفة الحديثة. فعلى نحو يوازى ما طرحه عالم الاجتماع الفرنسى الأبرز جان بول سارتر حول الإنسان ككائن يخلق معناه بنفسه، تظهر رباعيات جاهين كصياغة شعبية لهذا القلق الوجودى،  حيث يتحول السؤال الفلسفى إلى تجربة يومية بسيطة. ومع الروائى الفرنسى ألبير كامو، يلتقى فى فكرة العبث، لكن جاهين لا يواجهه بالتمرد فقط، بل بالسخرية والدهشة التى تختتم بـ«عجبي!»، كنوع من التعايش مع اللا معنى. أما صدى الفيلسوف الألمانى فريدريش نيتشه فيظهر فى هدم اليقينيات، دون السعى لبناء منظومة بديلة، حيث يعاد تشكيل المعنى من داخل التجربة الإنسانية اليومية لا من خارجها.

تحول جذرى

شكلت نكسة يونيو 1967 نقطة تحول جذرية فى حياة جاهين وفكره. قبل النكسة، ظهر كـ«شاعر الثورة» المتفائل، يؤمن بحلم الوحدة العربية وبقدرة الثورة على تحقيق العدالة الاجتماعية والتقدم. كتب العديد من الأغانى الوطنية التى ارتبطت بصوت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، مثل «صورة» و«بالأحضان» و«يا أهلا بالمعارك» و«بستان الاشتراكية». هذه الأغانى كانت بمثابة أناشيد وطنية تحفز الروح الوطنية وتدعو إلى الوحدة والتقدم والعدالة الاجتماعية. بعد النكسة، انهار ذلك الحلم، وشعر بخيبة أمل عميقة. تحول من شاعر متفائل إلى حالة من الاكتئاب المزمن الذى صبغ أعماله الأخيرة بالحزن والشك الوجودى. النكسة كانت بمثابة صدمة حضارية للمجتمع المصرى، حيث رأى أحلامه تنهار أمامه وتحول الأمل إلى يأس والتفاؤل إلى تشاؤم. اكتئاب جاهين لم يكن مجرد مرض نفسى، بل «اكتئابًا سياسيًا وفلسفيًا» نابعًا من انكسار الحلم القومى. انعكس هذا الاكتئاب فى أعماله الأخيرة التى أصبحت أكثر سوداوية وتشاؤمًا، وتناولت قضايا الموت والعدم واليأس. لكن حتى فى أحلك لحظات اليأس، ظل مؤمنًا بالإنسان وقدرته على الصمود والمقاومة. فى رباعياته، نجد دعوة للتفاؤل والأمل حتى فى ظل الظروف الصعبة. كان يؤمن بأن الحياة تستمر وأن الأمل موجود دائمًا حتى فى قلب الظلام. 

يعتبر أوبريت «الليلة الكبيرة» عام 1961 أشهر أوبريت للعرائس فى تاريخ الفن العربى. كتب كلماته، ولحنه الموسيقار سيد مكاوى،  وأخرجه صلاح السقا. يتناول الأوبريت أجواء المولد الشعبى فى مصر بكل ما فيه من طقوس وعادات وتقاليد وشخصيات نمطية. يمثل الأوبريت احتفالية بالفن الشعبى وتعبيرًا عن روح المولد التى تجمع الناس من مختلف الطبقات وتذيب الفوارق الاجتماعية فى جو من البهجة والفرح. الأوبريت ليس مجرد عرض ترفيهى، بل توثيق أنثروبولوجى دقيق للعادات والتقاليد المصرية، ويعكس فلسفة البهجة الشعبية وقدرة الفقراء على انتزاع الفرح من قلب الزحام والضجيج. يجسد الأوبريت حالة من «التصوف الشعبى» حيث تذوب الفوارق الطبقية فى رحاب المولد، ويجتمع الناس من كل الطبقات للاحتفال والبهجة. يعكس الأوبريت قدرة جاهين على فهم وجدان الشعب المصرى والتعبير عن مشاعره وأحلامه بلغة بسيطة مباشرة، ليكون مرآة تعكس الروح المصرية الأصيلة وقدرتها على الفرح والاحتفال بالحياة حتى فى أحلك الظروف. قدم أيضًا فوازير رمضان الشهيرة «عروستى» عام 1980 و«الخاطبة» عام 1981 مع الفنانة نيللى. هذه الفوازير أصبحت جزءًا من طقوس شهر رمضان فى مصر، وكانت تجمع بين الفكاهة والاستعراض وتقدم رسائل اجتماعية خفيفة. أظهرت هذه الفوازير جانبا آخر من إبداع جاهين وقدرته على تقديم أعمال فنية متنوعة تناسب مختلف الأذواق والأعمار.

أجمع النقاد على أن جاهين كان ظاهرة فنية متفردة يصعب تكرارها. امتلك موهبة فذة فى مجالات متعددة، وقدرة على الجمع بين البساطة والعمق والفكاهة والفلسفة. رأوا فيه فنانًا شموليًا يرى الفن ككيان واحد تتداخل فيه الأشكال والأنواع ويخدم هدفًا واحدًا هو التعبير عن الإنسان وقضاياه. أشاد النقاد بقدرته على الارتقاء بالعامية المصرية إلى مستوى اللغة الشعرية الرفيعة، وجعلها قادرة على حمل أعمق الأفكار الفلسفية. رأوا فيه رائدًا لمدرسة جديدة فى شعر العامية فتحت الباب أمام أجيال من الشعراء مثل سيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودى. تناول النقاد أيضًا موقفه الجريء من السلطة، فكان يمتلك جرأة كبيرة فى التعبير عن آرائه حتى لو كانت مخالفة للتيار السائد. رأوا فيه مثقفًا ملتزمًا يستخدم فنه كوسيلة للدفاع عن العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية. كان يؤمن بأن الفنان يمثل ضمير أمته وصوتًا للحق والعدل.

رحل جاهين عن عالمنا فى 21 إبريل عام 1986، تاركًا مسيرة فنية وفكرية ضخمة لا تزال حية ومتجددة. يظل صلاح جاهين قامة فنية وفكرية شامخة فى تاريخ مصر والعالم العربى، فنانًا استثنائيًا جمع بين البساطة والعمق والفكاهة والفلسفة، وترك بصمة خالدة فى تاريخ الفن والثقافة العربية.