السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان
هل تصمد هدنة «اللحظات الأخيرة»؟

هل تصمد هدنة «اللحظات الأخيرة»؟

​تحت وطأة طبول الحرب التى لم تهدأ وتيرتها، يعيش الشرق الأوسط والعالم لحظة فارقة فى تاريخ الصراعات الحديثة.



إن المشهد الذى نراقبه الآن ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هو إعادة تشكيل لموازين القوى العالمية، حيث تصطدم «العنجهية» الأمريكية المتمثلة فى إدارة الرئيس ترامب الصاعدة، بـ«الصمود الاستراتيجى» الإيرانى، وسط لاعب ثالث يحاول حرق الأخضر واليابس لضمان بقائه السياسى وهو رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو.  

 

 

​وجاء الإعلان عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بمثابة «فرملة» طوارئ لقطار كان يتجه بسرعة جنونية نحو صدام نووى أو  إقليمى شامل. هذا التراجع من جانب دونالد ترامب، الذى هدد بسحق الترسانة الإيرانية، لم يكن نابعًا من «رغبة فى السلام»، بل كان نتيجة مباشرة لاصطدام طموحاته بصخرة  الواقع العسكرى والداخلى.

وكشفت كواليس الساعات الأخيرة أن الولايات المتحدة واجهت ضغوطًا غير مسبوقة. وأن تحليق طائرة «يوم القيامة» (E-4B) وانطلاق قاذفات «B-52» لم يكن استعراضًا للقوة بقدر ما كان تعبيرًا عن حالة «الذعر الاستراتيجي». الوساطة الباكستانية بقيادة شهباز شريف والمشير عاصم منير، مدعومة بدور مصرى محورى،  وضعت ترامب أمام الحقيقة المرة وهى ضرب إيران سيؤدى لإغلاق شريان الطاقة العالمى للأبد، واستهداف القواعد الأمريكية فى المنطقة التى بات جنودها يفرون إلى الفنادق بحثًا عن أمان وهمى.

شروط إيرانية

​ما تضمنه بيان المجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى لم يكن شروط هدنة، بل كان «وثيقة استسلام» غير معلنة للجانب الأمريكى،  فالمطالبة برفع كامل العقوبات، وتعويضات الحرب، والاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز، هى بنود تنهى حقبة «الهيمنة الأحادية» فى المنطقة، وقبول واشنطن بهذه الأصول كقاعدة للتفاوض لمدة 15 يومًا فى إسلام آباد هو اعتراف ضمنى بأن القوة الغاشمة لم تعد تجدى نفعًا أمام «منصات الإطلاق الثنائية» وصواريخ «فاتح» و«خيبر شكن» التى وصلت بالفعل إلى قلب مفاعل ديمونا الإسرائيلى.

وبينما كان العالم يلتقط أنفاسه مع خبر الهدنة، أطلت «غريزة البقاء» الإجرامية لنتنياهو لتفسد المشهد، بعملية «الظلام الأبدى» ضد لبنان التى لم تكن مجرد تصعيد عسكرى،  بل كانت رسالة سياسية بدم بارد مفادها: «لا سلام فى المنطقة ما دمتُ خارج حسابات الأمان السياسى».

ويدرك ​نتنياهو يقينًا أن توقف المدافع يعنى بدء المحاكمات فى قضايا الفساد المتهم بها. لذا، قرر نقل ثقل الصراع إلى لبنان، مستغلًا ثغرة «التفاهمات الأمريكية - الإيرانية» التى حاولت واشنطن تصويرها كهدنة ثنائية فقط.

فالمجازر التى ارتكبتها طائرات «F-35» فى بيروت وضواحيها، واستهداف البنى التحتية والمدنيين، كانت تهدف إلى دفع حزب الله وإيران للرد، وبالتالى جر أمريكا مرة أخرى لمربع الصدام المباشر الذى حاول ترامب الهروب منه.

و​يظهر المشهد الحالى تبعية مخزية لإدارة ترامب لقرارات تل أبيب. تبرير البيت الأبيض للمجازر فى لبنان بذريعة «سوء الفهم» لخرق الهدنة، رغم تأكيدات الوسيط الباكستانى أن لبنان كان جزءًا أصيلًا من الاتفاق، يكشف أن نتنياهو يمتلك أوراق ضغط على الإدارة الأمريكية تجعلها تتراجع عن وعودها خلال ساعات. هذا «الارتهان» الأمريكى للرؤية الإسرائيلية هو العقبة الأكبر أمام أى استقرار حقيقى.

 

 

 

عصب المستقبل

​لم تعد الحرب تقليدية فحسب؛ فإيران لوحت بضرب «عصب المستقبل» الأمريكى فى المنطقة بالتهديد بضرب مركز بيانات OpenAI Stargate فى الإمارات، الذى تبلغ قيمته 30 مليار دولار، وهو نقلة نوعية فى فكر «الردع».

​إيران تدرك أن الاقتصاد الأمريكى الحديث يعتمد على الذكاء الاصطناعى وتدفق البيانات بقدر اعتماده على النفط. لذا، فإن المعادلة الآن: «أمن محطات الكهرباء الإيرانية مقابل أمن البنية التحتية التكنولوجية والنفطية (أرامكو والفجيرة) فى الخليج».

هذه هى «وحدة الساحات الاقتصادية» هى ما أجبرت حلفاء واشنطن على الطلب من شعوبهم تخزين المؤن، خوفًا من لحظة الانفجار الكبير التى قد تطفئ أنوار المنطقة وتوقف تدفق البيانات والنفط معًا.

​ولذلك نحن الآن أمام سيناريوهين لا ثالث لهما، وكلاهما يعتمد على مدى قدرة العالم على لجم «الجنون الصهيونى»:

​السيناريو الأول: الصدام الشامل

​إذا استمرت إسرائيل فى عملية «الظلام الأبدى» وفى غدرها للمدنيين فى لبنان وغزة، فإن إيران لن تجد بدًا من العودة لسياسة «الأيدى على الزناد». شعار «هدنة بلا لبنان خيانة للإسلام» الذى رفعه الشارع الإيرانى يضع النظام فى طهران تحت ضغط شعبى وأيديولوجى هائل. فى هذه الحالة، سيعاد إغلاق مضيق هرمز، وستنطلق الـ15 ألف صاروخ و45 ألف مسيرة نحو أهدافها المرصودة سلفًا فى تل أبيب والقواعد الأمريكية، ما يعنى دخول المنطقة فى نفق مظلم لن يخرج منه أحد منتصرًا.

​السيناريو الثانى: «هدنة شاملة» 

​هذا المسار يتطلب أن يدرك ترامب أن مصلحته فى البقاء فى السلطة وتجنب التعديل الـ25 فى الدستور (لعزله بسبب عدم الأهلية) تقتضى التضحية بطموحات نتنياهو. إذا نجحت الضغوط المصرية والباكستانية والدولية فى توسيع مظلة الهدنة لتشمل لبنان وغزة، فإننا قد نشهد بداية النهاية لحقبة «الغطرسة الإسرائيلية» وبداية تشكل نظام إقليمى جديد تعترف فيه واشنطن بإيران كقوة لا يمكن تجاوزها.

​إن ما يحدث فى هذه الساعات هو «صراع إرادات» بكل ما تعنيه الكلمة. إيران أثبتت أنها قادرة على فرض شروطها من خلال «الميدان» الذى أجبر «السياسة» على الانصياع. وفى المقابل، يثبت الكيان الصهيونى أنه «الغدة السرطانية» التى تعوق أى فرصة للسلام، ليس حبًا فى الحرب، بل هربًا من الحساب.

لقد ​كان العالم على أعتاب «زلزال صاروخي» إيرانى يستهدف العمق الإسرائيلى ردًا على المجازر فى لبنان، وهو رد كان كفيلًا بإنهاء أى فرصة للهدنة وتحقيق رغبة نتنياهو فى إشعال حرب إقليمية شاملة. إلا أن التدخل الباكستانى المفاجئ قلب الموازين؛ حيث نقل قائد الجيش الباكستانى رسائل أمريكية شفهية لوزير الخارجية الإيرانى «عباس عراقجي» تؤكد شمول لبنان فى اتفاق التهدئة. هذا الحراك الدبلوماسى،  الذى أكدته تقارير صحفية لـ«وول ستريت جورنال» الأمريكية حول مكالمة بين ترامب ونتنياهو، دفع طهران للتريث ومنح فرصة للدبلوماسية، مما وضع نتنياهو فى مأزق سياسى حرج بعد فشله فى تحجيم قدرات حزب الله كما ادعى سابقًا.

 

 

 

 وبالتزامن مع بوادر التهدئة، استهدفت هجمات غامضة بطائرات مسيرة مواقع حساسة فى الكويت والإمارات والبحرين. ورغم توجيه أصابع الاتهام فورًا نحو إيران، سارع الحرس الثورى لنفى علاقته بالهجمات، مرجحًا انطلاقها من أذربيجان.

وهنا يبرز تساؤل جوهرى: من يملك النفوذ فى أذربيجان وله باع طويل فى عمليات «العلم المزيف» (False Flag) لإفشال المفاوضات؟ حيث تشير القراءة التحليلية بنسبة كبيرة إلى تورط إسرائيلى يسعى لجر المنطقة مجددًا إلى مربع الحرب والإبادة، ضمن مشروع توسعى لا يتوقف.

التحشيد العسكرى

​على الأرض، ترصد مواقع تتبع الملاحة الجوية (مثل FlightRadar 24) حركة كثيفة لطائرات الشحن العسكرى الأمريكية (C-17A Globemaster) وهى تنقل معدات ضخمة من قواعد «أكروتيري» فى قبرص  و«رامشتاين» فى ألمانيا نحو الشرق الأوسط. ولم يقتصر الأمر على واشنطن؛ فقد صرح وزير الدفاع البريطانى بالعمل على توفير مئات الصواريخ الاعتراضية للحلفاء.

يبدو أن الهدنة تُستغل لـ«إعادة التموضع والتذخير»، وهو ما أكده ترامب بتصريحه لصحيفة «نيويورك بوست» حول تزويد السفن الحربية بالذخائر، مهددًا باستخدام «أقوى الأسلحة» فى حال فشل الاتفاق مع إيران.

وفى خطوة غير متوقعة، ظهرت السيدة الأمريكية الأولى «ميلانيا ترامب» فى مؤتمر صحفى لتنفى أى صلة لها بـ«إبستين»، واصفة الشائعات حول دور الأخير فى تعارفها بترامب بأنها «محاولات خبيثة». ويفسر المحللون هذا التوقيت بوجود محاولات من «اللوبى الإسرائيلي» لاستخدام ملفات قديمة للضغط على ترامب وابتزازه لإكمال مسار الحرب، ما دفع ميلانيا لمحاولة تأمين موقفها مسبقًا، خاصة مع تصاعد تكهنات إعلامية (مثل تصريحات الإعلامى الشهير أليكس جونز) حول تصدع فى علاقتها بترامب.

ويبدو أن السلوك الإسرائيلى تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لباكستان، الراعية للمفاوضات. فقد شن وزير الدفاع الباكستانى «خواجة آصف» هجومًا حادًا وصف فيه إسرائيل بـ«السرطان»، داعيًا بالهلاك لمؤسسيها. وهذا التصريح، الصادر عن مسئول فى دولة نووية، قوبل بإدانة إسرائيلية، لكنه عكس حجم الغضب من عرقلة مسار السلام.

ولحماية المسار الدبلوماسى،  سيرت باكستان مقاتلات حربية لمرافقة الوفد الإيرانى وتأمين أجوائه ضد أى محاولات اغتيال قد ينفذها «الموساد». ومع ذلك، يظل الموقف الإيرانى ثابتًا بضرورة تأمين جبهة لبنان والإفراج عن الأصول المجمدة، بينما يواصل ترامب ممارسة ضغوط قصوى، مما يجعل الموقف معلقًا فوق فوهة بركان.

العالم الآن لا ينتظر فقط ما ستسفر عنه مفاوضات إسلام آباد، بل ينتظر ليرى هل سيبقى ترامب «رهينة» فى يد نتنياهو، أم سيختار الحفاظ على ما تبقى من هيبة أمريكا ومصالحها الاقتصادية؟

​فالساعات المقبلة ستحدد وجه التاريخ: فإما سلام شجاع يضمن حقوق الشعوب وسيادتها، وإما انفجار يحرق البقية الباقية من استقرار هذا العالم.