السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

رحلة البحث عن راحة جسد مُتعب

كوابيس ملتبسة فى «رقصة الهيكل العظمى» لحاتم رضوان



 

​فى روايته «رقصة الهيكل العظمى»، الصادرة حديثًا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «أصوات أدبية»، يستهل الروائى والقاص الدكتور حاتم رضوان عمله بإهداء إلى «بوسى»، البطلة المخلوقة من الوهم والحقيقة، فى إشارة مبكرة إلى الطبيعة الملتبسة للنص، ليقودنا لعدد من الأسئلة.

الإهداء ليس وحده مَن يدخلنا فى حالة الاستعداد لتكشف الألغاز؛ بل جاء عنوان الرواية أيضًا ليفتح آفاقًا تأويلية عدة، فيُدخلنا الكاتب فى حالة من التيه لنتساءل عن ماهية الرقصة المقصودة وهل يمكننا التطوح والتمايل معها؟

 

​ولا يزال الكاتب يفتتح نصه ويشوق القارئ، حيث يعقب الإهداء مقتطف من أقوال الفيلسوف الألمانى الأشهر فريدريك نيتشه المأثورة: «أولئك الذين شوهدوا يرقصون، كانوا يُعدّون مجانين فى نظر أولئك الذين لم يتمكنوا من سماع الموسيقى». 

​فهل هى رواية تنتمى لأدب الرعب، أم وجودية فلسفية، أم لا ذاك ولا تلك؟ الحقيقة أنها تمثل صرخة مقاومة تمتزج بموسيقى الكون لتحرر الجسد وتنتصر للرقص بوصفه فعلًا من أفعال المقاومة والاستشفاء، وأن هذا الاقتباس يفتح أفق القراءة على تأويلات فلسفية تتقاطع مع بنية الرواية ودلالاتها.

الشخصية المحورية

​يترك الكاتب بطلته «بوسى» بعد أن أهداها عمله ليبدأ سريعًا فى الكشف عن شخصيته المحورية «هبة الكاشف»، التى يحذر ــ على غرار تترات الأفلام العربية القديمة ــ قبل بدء الرواية أنها شخصية من نسج إبداعه، وأى تشابه بينها وبين أى شخصية أخرى هو من قبيل المصادفة البحتة.

​يعنون الكاتب فصول الرواية بعناوين لا تشى بخبيئة النص بقدر ما تساعدنا على فك ألغازه وترقب الحكاية، فنجد عناوين مثل: (نهاية محتملة لحادث متكرر، قهقهات عالية، حافة الخطر، رقصة سخية وفضاء مظلم، فراشات المريدين تحوم على أعتاب فتنتها، طعنة الشبح، صباح موغل فى الحزن).

 

 

 

​وجاءت الفصول قصيرة، مكثفة، ومجردة، تتخذ شكل الومضات؛ فيأخذنا كل فصل إلى منحى سردى مختلف، ينكشف تدريجيًا ليُفصح عن ملامح شخصية «هبة الكاشف» والتى ندرك منذ الصفحات الأولى أنها تعيش أزمة حادة، ربما نفسية وربما ذات بعد غيبى، نتيجة مسٍّ من الجن؛ حيث يتجلى ذلك فى كوابيس متكررة تجثم على صدرها وتلاحقها فى نومها ويقظتها.

فيرافقها كائن نارى عجيب يتتبع لحظات غفلتها وساعات نومها القلقة، يظهر لها وقتما يشاء ويختفى دون إشارة أو إنذار. وفى مقطع دال من الرواية، يقول الراوى العليم الذى كتبت الرواية كلها على لسانه فى وصف هذا المس:

«كابوس ممتد، تتغير مشاهده كل ليلة، كائن متحول، ضيف دائم على أحلامها، يتتبع أثرها فى المنام. أذرعه الأخطبوطية الملتفة من كل جانب حولها تشدها نحو قيعان تقاوم سطوته، تحاول الخروج من دوائره المحكمة. جاثوم يحبس أنفاسها ويشل حركتها أثناء النوم. تستيقظ مذعورة، بجسد منهك وقلب مقبوض تتسارع دقاته، تكاد تختنق من انعدام الهواء». 

اكتشاف الذات

​تأخذنا الرواية فى رحلة ملتبسة عبر حياة «هبة الكاشف»، منذ الطفولة والصبا، مرورًا بالمراهقة والنزق، واليُتم، والاضطراب النفسى، وصولًا إلى دراستها الجامعية، فى مسار يكشف هشاشة الذات وصراعاتها الداخلية.

​تتخذ الرواية شكلًا تجريبيًا متمردًا على الأطر السردية التقليدية، فهى مكتوبة بلغة مشهدية حسية تعتمد على التكثيف والإيحاء، وتراهن على تفكيك الزمن والخط السردي. دون أن تحيد عن تقديم حكاية مشوقة.

تحتفى الرواية بالرقص وتسبر أغوار فلسفته، ثم نكتشف سر التسمية: «رقصة الهيكل العظمى» (أهكينى)؛ وهو اسم فى فولكلور الإسكيمو، شعوب قريبة من القطب الشمالى، يُطلق على شبح هيكل عظمى كان فى حياته مولعًا بالرقص، وبعد موته صار يؤدى رقصة الجنون التى تهز الأرض، فى دلالة موازية لروح الرواية وعالمها الرمزي.

​ولأن الكاتب فى الأصل طبيب يتمتع بدقة علمية، فقد أثرى روايته بهوامش معرفية جاءت معلوماتية وتفسيرية، كما لم يغفل عن خلفيته الطبية فى توصيفه الجسدى، لا سيما عند حديثه عن مصطلحات كـ«سلاميات اليد»، فى تداخل لافت بين الطب والسرد. وربما يُؤخذ على الكاتب بعض تلك الهوامش التى شرحت بعض البديهيات، مما خلق نوعًا من «الحصار المعلوماتى» الذى قد يحد من حرية القارئ فى البحث.

 

 

 

​فى النهاية، «رقصة الهيكل العظمى» هى رواية عن الانعتاق من الجسد ــ ذلك الكائن الطينى الكامن فينا ــ إلى ما هو أسمى، هى رواية اكتشاف الذات ومحاولة التصالح مع أشباح الداخل.

ويبقى السؤال: هل تشابه هبة الكاشف مع أى شخصية ما محض صدفة؟ أم أننا، عن قصد، نتشابه جميعًا بها، توقًا إلى مكانٍ نرقص فيه رقصة الهيكل العظمى؟ نكفر فيه عن ذكرياتنا وماضينا، وجنوحنا، بهزات جسد خاوٍ وروح حبيسة تنتظر دوى الاكتشاف؟

يذكر أن المؤلف حاتم رضوان، وهو طبيب استشارى فى جراحة العظام حاز على جائزة سعاد الصباح (1992) والمركز الأول فى مسابقة «أطباء مصر يكتبون» (2022)، ومن أهم أعماله: اللعب تحت المطر - مجموعة قصصية)، (طرح النهر- رواية)، (زاوية الشيخ - رواية)، و(مثل رتينة كلوب قديمة - قصص).