الخروج من «جنة» الصحافة!
منير مطاوع
كواليس مقال أغضب السادات من مصطفى أمين
أكتب هذه الحكايات والذكريات من الذاكرة واعتمادا على بعض ما أمكن جمعه من مواد وصور، وأترك لنفسى حرية التجوّل فى دوائر الذكرى دون تخطيط مسبق حتى أشعر براحة ومتعة لا تحققها عملية التوثيق الأرشيفية ولا يتحقق معها للقارئ ذلك الشعور بالمتعة والمؤانسة.
ومع أن الحكايات والومضات تتزاحم فى رأسى، ومع أن بعض الأسماء تختفى من شريط الذاكرة بفعل التقادم، وتشابك الأحداث والوقائع والشخصيات والمشاعر، فإن ما يهمنى أكثر هو جوهر كل حكاية أو ومضة أو واقعة.
فى سنة 1974 حدث أن كان الرئيس السادات يبحث عن موالين له، بعد أن اعترض كثيرون من الكتَّاب والمثقفين وقيادات عمالية على سياساته.
قرر بناء على طلب وزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر الذى كان السادات معجبًا به ويسميه «عزيزى هنرى».. أن يفرج عن مصطفى أمين المحكوم بالسجن المؤبد فى قضية تخابر لحساب أمريكا.. أمضى منها تسع سنوات فقط.
وجاء الإعفاء بدعوى حالته الصحية.. وربما كان ذلك نكاية فى محمد حسنين هيكل الذى اختلف مع السادات. وفوجئت بالخبر كغيرى.

وكنت وقتها قد قبلت العمل سكرتيرًا لتحرير «صباح الخير»، وكانت مشاعرى متضاربة، فهذا «الكاتب الصحفى الكبير» ضبط بتهمة التجسس ضد وطنه، وقيل إن علاقته بالمخابرات الأمريكية قديمة ترجع لما قبل قيام ثورة يوليو 1952، فكيف نسمح له بالعودة إلى «جنة» الصحافة - كما يسميها هو؟!
تصوّر السادات خلال شعوره بالعزلة وانفضاض الكتاب والمثقفين من حوله، أنه سيجد فى مصطفى أمين وغيره مثل أنيس منصور ورشاد رشدى وثروت أباظة من يلتف حوله ويسانده فى سياساته القائمة على إلغاء كل ما أنجزته ثورة يوليو بقيادة جمال عبدالناصر كما كنت أعتقد.
وعاد مصطفى أمين يكتب عمود «فكرة» الذى أنشأه فى الأصل شقيقه على أمين.. وبدأ هو كتابته بعد يوم واحد من وفاة على.
ولم تتوقف حيرتنا من أسباب عودة مصطفى أمين: هل هى مبادرة من الرئيس لمغازلة أمريكا؟
هل هى تأكيد لفكرة غير مؤكدة انتشرت بين تلامذة مصطفى أمين وروّجها هو بنفسه من أن اتهامه بالتجسس جاء نتيجة وشاية هيكل به؟
كنا نعيش زمنًا تتساوى فيه الحقائق مع الأكاذيب.
وليس هناك من تلجأ إليه ليكشف لك الأبيض من الأسود.
ويحاول السادات أن يصبغ عهده الجديد بما كان مفتقدًا فى السابق بما يوحى بوجود ديمقراطية وحريات عامة، فيصل إلى السماح بقيام أحزاب ويقيم هو بنفسه حزبًا حاكمًا.
لكنه بعد فترة يجد أن حزبه غير نافع، فيعلن عن تشكيل حزب جديد يسميه «الحزب الوطنى» بدلا من القديم المسمى «حزب مصر».
فيكتب مصطفى أمين فى عمود «فكرة» معلقًا على هرولة أعضاء الحزب القديم للانضمام للحزب الجديد للرئيس، وروى ما جرى له نتيجة لذلك فيقول فى حوار معه نشِر بعد اغتيال السادات: «أيام الرئيس أنور السادات عندما ألف «الحزب الوطنى» فوجئت بأن أعضاء «حزب مصر» الذى كان يؤلف الحكومة تركوا حزبهم وانضموا إلى حزب الرئيس، فأنا كتبت أقول إننى كنت أتمنى لو أن أعضاء مجلس الشعب لم يهرولوا إلى الانضمام لحزب الرئيس، الجديد، وكنت أتمنى لو أنهم انتظروا حتى يعلن السادات برنامج الحزب، فيبحثونه ويدرسونه ثم يقتنعون به، وبعد ذلك يقررون الانضمام إليه بعد أن يحصلوا على تأييد ناخبيهم بعد أن يذهبوا إليهم ويتحدثوا معهم عن رغبتهم فى تغيير لونهم الحزبى الذى حملوه فى المعركة الانتخابية، و فى أوروبا النائب يستقيل ويرشح نفسه مرة أخرى للحزب الجديد لإعادة انتخابه.

وأضفت فى مقالى - ثم ما هى حكاية إن اتحاد العمال يتبرع بـ27 ألف جنيه لحزب الرئيس، مع أن القانون يمنع تبرع النقابات إلى الأحزاب، فهل من أجل حزب رئيس الجمهورية يخالف القانون - وفى النهاية قلت - صباح الخير أيتها الديمقراطية.
الرئيس السادات قرأها وغضب، وأوقفنى عن الكتابة.
وهكذا وبسبب مقال رأى فى «فكرة» أشهر عمود فى الصحافة المصرية والعربية، أخرج السادات مصطفى أمين من «جنة» الصحافة.
أشهر عمود
عندما أعود إلى ذكرياتى الأولى مع «فكرة» أذكر أن هذا العمود البارع اجتذبنى منذ كنت فى العاشرة من عمرى واستحوذ على إعجابى به وبكاتبه على أمين الذى كنت وقتها أعتبره المثل الأعلى للصحفى.
فهو يكتبه برشاقة وبراعة وبلغة واضحة وفيه نوع من المرح والسخرية كما ينطوى على عبارات من اللغة الشعبية.. وفيه شجاعة فى الرأى وقوة فى الحجة وتشعر وأنت تقرأ «فكرة» أنك أنت الذى كتبتها وليس على أمين!
العمود الصحفى ظهر لأول مرة فى الصحافة المصرية وانتقلت فكرته القائمة على الكتابة البرقية فى عبارات موجزة بهدف النقد والإصلاح فى مختلف مجالات الحياة، لتحل محل المقالات المطولة التى تملأ صفحة الجريدة بكاملها وتعتمد على الخطابة واللغة المنبرية والشعارات وما يشبه الهتافات والتحيزات الحزبية والأيديولوجية.
انتقلت فكرة العمود الصحفى بعد ذلك إلى الصحافة العربية.
وازدهرت فى مصر من قبل «فكرة» بزمان.. لكن كيف ظهرت فكرة «فكرة»؟
كان ذلك فى بداية الخمسينيات من القرن الماضى عندما صدرت جريدة «الأخبار» وكانت - مع شقيقتها «أخبار اليوم» - قد أحدثتا ثورة فى الصحافة تعتمد على نشر الأخبار أساسًا وليس المقالات المطولة وهذا يعنى قيام صحافة جديدة هى صحافة الخبر فى مقابل صحافة قديمة هى صحافة الرأى.
وفكر على ومصطفى أمين فى أن الصفحة الأخيرة من «الأخبار» غير مقروءة.. فما العمل؟
قررا أن يخصصا عمودًا يوميًا فى هذه الصفحة يتناوب على كتابته مشاهير الصحفيين الذين عيَّنهم الأخوان أمين ليكونوا رؤساء تحرير الجريدة اليومية وهم محمد التابعى ومحمد زكى عبدالقادر وكامل الشناوى وجلال الحمامصى، إضافة إلى على ومصطفى أمين.
وكانت البداية بمقال على أمين الذى كتبه وأرسله للمطبعة بسرعة دون أن يضع له عنوانًا، فنزل بسرعة أيضا للمطبعة فوجد كليشيه بعنوان «على فكرة» لباب يهتم بالأخبار القصيرة، فحذف كلمة «على» وأصبح عنوان العمود الجديد «فكرة»!
لكن لماذا واصل على أمين وحده من بين رؤساء التحرير الستة كتابة «فكرة»؟.. السبب ببساطة أن الباقين رفضوا كتابة العمود.

«ما قل ودل»
كانت هناك أعمدة شهيرة فى الصحافة قبل الثورة وبعدها فمثلا اشتهر عمود «ما قل ودل» واكتسب شعبية وإقبالًا من جمهور القراء وكان يكتبه كل يوم، أحد أبرز الصحفيين المصريين فى زمانه أحمد الصاوى محمد.
وهو عمود قصير جدا ينشر فى الصفحة الأولى لجريدة «الأهرام» قبل زمن هيكل.
وهناك أيضًا عمود صحفى يومى شهير هو «نحو النور» الذى تميز بالجدية والتعبير عن مشاعر المواطن ورغبته فى تحقيق الحرية والتقدم والعدالة.. وكان يكتبه أحد أعلام الصحافة محمد زكى عبدالقادر.. وواصل كتابته بعد الثورة.
إلا أن البعض طالبوه بتغيير عنوان «نحو النور» بدعوى أننا نعيش زمن الثورة والنور!
إلا أنه أصر على كتابة العمود كل يوم فى «الأخبار» بالعنوان نفسه.
وازدهر فن كتابة العمود الصحفى وأشهر كتَّابه وفى مقدمتهم أحمد بهاء الدين ومصطفى أمين وأنيس منصور وأحمد رجب.
ويروى عن أنيس منصور كيف كان يكتب عموده «مواقف» فكان يبدأ الكتابة فى الثالثة فجرًا ويواصل حتى الثانية عشرة ظهرًا.. وخلال هذه الساعات التسع يكون قد انتهى من كتابة ليس عمودًا واحدًا ولكن الأعمدة الستة المطلوبة للنشر طوال الأسبوع فى «الأخبار» التى تصدر 6 أيام فى الأسبوع.
وانتقل «مواقف» إلى «الأهرام» بعد ذلك.. ورغم طرافة ورشاقة أسلوب أنيس منصور؛ فإن موضوعاته لم تكن جادة، ولا تُعنى بقضايا تشغل الناس بقدر ما كان يتناول أمورًا طريفة ومسلية وفلسفية أحيانًا وشخصية فى أحيان أخرى.
والطريف أن عملية تحليل مضمون قام بها مجموعة من طلاب وطالبات كلية الإعلام خلال تدريبى لهم فى منتصف السبعينيات من القرن الماضى.. حيث كلفت خمسة منهم بأن يتابع كل منهم عمودًا يوميًا لمدة شهر ليقدم لنا تحليلًا لما تناوله الكاتب فى عموده.. وكانت النتيجة أن أنيس منصور ومصطفى أمين تكررت لديهما عملية إعادة الحديث فى أمر ما، لكن كان لهما رأى فى إحدى المرات معاكس لما أبدياه فى المرة السابقة!
وحكى مصطفى أمين فى حديث مع إبراهيم عبدالعزيز كيف يكتب مقاله، فقال إنه يكتب فى أى وقت وأى مكان فى المكتب أو فى المطعم أو فى مكان مزدحم بالناس. وإنه يكتب بسرعة ولا يصحح أخطاء ولا يقرأ ما كتبه، فقط يبعث به إلى المطبعة، ثم ينساه تماما!

بهاء الدين
حظى مقال أحمد بهاء الدين على أفضل تقدير لكونه يناقش أمورًا مهمة ويستشرف المستقبل ويعبر عن مشاعر الناس وتطلعاتهم ويتطلع إلى المشاركة فى النهوض بالوطن فى لغة طيعة وبلا تفلسف أو تعالٍ أو ادعاء معرفة.
أما عمود «نص كلمة» للكاتب الساخر أحمد رجب فنال إعجاب الجميع لبراعته وقدرته العالية على الجمع بين روح الفكاهة والسخرية وبين تناول أمور الحياة اليومية ومتاعبها وسخريته الحاسمة من مسببى هذه المتاعب.
ومعروف أن هذا العمود كان وراء ارتفاع توزيع الجريدة التى ينشر فيها سواء كانت «الأخبار» أو «أخبار اليوم».
ومن أبرع كتَّاب العمود الصحفى الساخر جلال عامر «تخاريف» وكتبه فى «الأهالى» و«المصرى اليوم» فكان يعتبر صوت الشعب المطالب بحقوقه والساخر من الحكومة بلغة كاريكاتيرية فنية مدهشة.
أما أسوأ عمود صحفى على الإطلاق فكان يكتبه رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير إحدى الصحف القومية فى زمن مبارك، وكان معروفًا عنه أنه يكتب عمودًا فى كل صحف الدار وعددها 10 جرائد ومجلات، والدائر أنه لم يكن هو من يكتب كل ما ينشر حاملًا توقيعه!
وفى الأسبوع المقبل نواصل