د.سمية عسلة
سنعيدهم إلى العصر الحجرى!
هل يمهد ترامب لضربة نووية تكتيكية؟.. وهل ساعدت روسيا إيران على إسقاط الطائرات الأمريكية؟!
ألقى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خطابه الذى طال انتظاره والذى كان يُعدّ له منذ ساعات الصباح. كالعادة، امتلأ الخطاب بالمبالغات والتمجيد الذاتى، لكن وسط هذا الصخب برزت رسائل مهمة وخطيرة تكشف بوضوح ما ينتظر المنطقة فى الأيام المقبلة.
بدأ ترامب بخطاب النصر المعتاد، معلنًا أن «المهمة فى إيران نجحت نجاحًا ساحقًا»، وأن الجيش الأمريكى والإسرائيلى دمّرا مصانع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وأن إيران تعرّضت لخسائر فادحة «محتها من على الخريطة». تكرار للرواية الرسمية المعروفة.

أضاف أن النظام الإيرانى تكبّد خسائر «لم يشهدها أى عدو فى التاريخ» خلال أسابيع قليلة، وأن معظم قادته قُتلوا، ولم يعد هناك طرف يمكن التفاوض معه. ومع ذلك، وصف القيادة الحالية بأنها «غير متطرفة جدًا وغير عنيفة جدًا»، متجاهلًا أن قواعدها دُمّرت بالكامل، وأن مضيق هرمز لا يزال مغلقًا منذ شهر.
لكن الجزء الأخطر جاء فى عبارة واحدة أطلقها ترامب، وهى تحمل دلالات مرعبة: «سنعيد إيران إلى العصر الحجرى خلال الأسابيع القادمة»! هذه العبارة ليست تهديدًا عاديًا. إنها تعبير تاريخى يُستخدم عادة للإشارة إلى نية تدمير البنية التحتية لدولة ما بشكل كامل، باستخدام أسلحة غير تقليدية سواء نووية تكتيكية أو أنواع أخرى لم تُكشف بعد.
من هنا يتشكّل سيناريوهان محتملان، وكلاهما كارثى: السيناريو الأول: استعداد ترامب فعليًا لتوجيه ضربات نووية تكتيكية محدودة لتدمير المواقع النووية الإيرانية تحت الأرض والتى اعترف ضمنيًا ببقائها رغم ادعائه السابق بتدميرها خلال «حرب الـ12 يومًا».
السيناريو الثاني: تطبيق سياسة «الأرض المحروقة» بتدمير محطات الكهرباء والمياه والمصافى والموانئ، بهدف إيقاف الحياة المدنية فى إيران وإجبار النظام على الاستسلام تحت وطأة الجوع والظلام.
لكن إيران أعلنت أنها لن تستسلم، وأن أى ضربة كهذه ستؤدى إلى تدمير أهداف مماثلة فى دول الخليج، ما يعنى أن المنطقة بأكملها وليس إيران وحدها قد تعود إلى العصر الحجرى. الأخطر من ذلك أن ترامب بدأ يُمهّد للرأى العام الأمريكى لحرب طويلة ومكلفة، قد تتضمن تدخلًا بريًا.
حشدت الولايات المتحدة بالفعل قوات ضخمة فى المنطقة. ولتوضيح هذا التوجه، استعرض ترامب تاريخ أمريكا فى الحروب العالمية وحرب فيتنام، مشيرًا إلى طول مدتها وكلفتها العالية «حتى تتحقق الأهداف». بمعنى آخر:
«اربطوا الأحزمة، فنحن لم ننتهِ بعد». وهذا يتناقض تمامًا مع ادعائه السابق بالانتصار الساحق، ويبدو محاولة لامتصاص غضب الرأى العام الأمريكى من ارتفاع الأسعار وخسائر الجنود (فقد اعترف بمقتل 13 جنديًا أمريكيًا فى ذلك اليوم).
أما بالنسبة للنفط ومضيق هرمز، فقد ألقى ترامب قنبلة أخرى، بعد أن كان يطالب الحلفاء بمساعدته فى فتح المضيق، أعلن فجأة أن أمريكا «لا تحتاج إلى نفط الشرق الأوسط ولا إلى المضيق»، لأنها أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز فى العالم، متجاوزة السعودية وروسيا.
ثم رمى الكرة فى ملعب حلفائه فى الناتو قائلًا: «من أراد النفط فليفتح المضيق بنفسه، أو ليشترِ منّا نقدًا». بهذا باع ترامب حلفاءه الذين كان يعد بحمايتهم، وأثار حالة من الذعر فى الأسواق العالمية. فور انتهاء الخطاب، ارتفع سعر برميل برنت إلى 105 دولارات بعد أن كان قد انخفض تحت الـ100، واهتزت الأسواق بشدة.

لكن المفارقة الأكثر إيحاءً جاءت بعد دقائق من انتهاء الخطاب حيث أطلقت إيران رشقة صاروخية جديدة وصلت إلى حيفا، وأصابت مناطق عدة فى إسرائيل، وأُطلقت صفارات الإنذار مرة أخرى. كما وردت أنباء عن قصف صاروخى على قاعدة أمريكية فى البحرين، كرد إيرانى سريع ومباشر يفضح ادعاءات ترامب بأن «البحرية الإيرانية اختفت» و«الصواريخ دُمّرت».
ارتدادات على الأقصى
مع عدم الحسم العسكرى الإسرائيلى فى إيران أقرّ الاحتلال الإسرائيلى قانونًا عنصريًا يستهدف إعدام الأسرى الفلسطينيين فقط، دون غيرهم من كل الجنسيات الموجودة فى سجونه، فى ظل صمت دولى غير مسبوق سمح لدولة احتلال بتشريع القتل العنصرى على أساس العرق والدين والهوية فى القرن الحادى والعشرين دون أى عقاب.
فى الوقت الذى يتركز فيه الاهتمام على الأسرى، تُرتكب جريمة أخرى أخطر فى تاريخنا المعاصر داخل المسجد الأقصى. فمنذ أيام، نشر ضابط شرطة إسرائيلى صورة مهينة يظهر فيها جالسًا على كرسى داخل المسجد المُغلق تمامًا منذ أكثر من شهر، وكتب عليها بثقة: «نحن فى المكان الذى تحدث عنه التاريخ».
فلأول مرة فى التاريخ الإسلامى منذ 839 سنة، يُغلق المسجد الأقصى طوال شهر رمضان وعيد الفطر دون سبب واضح.
والآن، مع بداية عيد الفصح اليهودى، تنتشر فى مجموعات المستوطنين دعوات صريحة لإقامة طقوس عبرية داخل المسجد.
بالتوازى بدأت عملية إعادة إيران للعصور الوسطى بضرب أكبر وأهم جسر فى الشرق الأوسط، حبث نفذت إسرائيل والولايات المتحدة ضربة جوية على جسر B1 فى مدينة كرج، أحد أضخم المشاريع الهندسية فى العالم.
وهو أطول جسر فى الشرق الأوسط، ومن أكثر الجسور تعقيدًا هندسيًا على مستوى العالم. يمتد لأكثر من 1000 متر، تكلفته تجاوزت 400 مليون دولار، ويُعدّ شريان الحياة الرئيسى الذى يربط مدينة كرج بالعاصمة طهران، وجزءًا حيويًا من شبكة الطرق السريعة التى تربط العاصمة بالمناطق الغربية.
كان يمرّ عبره يوميًا آلاف المركبات والبضائع.انهار الجسر جزئيًا بعد الضربة الأولى، ثم عاود الطيران «الإسرائيلى - الأمريكى» قصفه مرة ثانية بينما كانت فرق الإنقاذ المدنى تعمل فى المكان لإنقاذ العالقين.
الضربة الثانية أخرجته تمامًا من الخدمة، وسقط على إثرها ضحايا، وأعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على منصة «تروث سوشيال» أن «الجسر انهار ولن يُستخدم مرة أخرى»، وهدد بأن هذا «مجرد البداية» فى طريق إعادة إيران إلى العصر الحجرى إذا لم توقّع اتفاقًا فوريًا.
ولم تقف الضربات عند الجسر، فخلال الأيام الماضية تعرّضت إيران لأعنف موجة قصف منذ بداية الحرب، شملت مطار مشهد الدولى ومخازن الوقود فيه، معهد باستور الطبى (عمره أكثر من قرن)، وأكثر من 600 مؤسسة تعليمية، دور العبادة، منها كنيسة القديس نيكولاس فى طهران، اغتيال جمشيد إسحاقى، رئيس هيئة النفط الإيرانية، فى غارة دقيقة وسط العاصمة.
رغم شدة القصف وحالة الرعب التى يعيشها الشعب الإيرانى، وقطع الكهرباء عن مناطق واسعة، جاء الرد الإيرانى سريعًا ومدمرًا، حيث نشرت مصادر إيرانية قائمة ببنك أهداف محتملة تشمل أهم الجسور الاستراتيجية فى المنطقة العربية، وهى جسر الملك فهد (السعودية، البحرين)، جسر الشيخ زايد (أبوظبي)، جسر المقطع (أبوظبي)، جسر الشيخ خليفة (أبوظبي)، جسر آل النبى الملك حسين (الأردن)، جسر داميا آدم (الأردن الضفة الغربية)، جسر عبدون (عمان)، جسر الشيخ جابر الأحمد الصباح (الكويت).
وفى الوقت نفسه، أطلقت إيران 5 موجات صاروخية مكثفة استهدفت العمق الإسرائيلى بصواريخ باليستية انشطارية وفرط صوتية، أجبرت أكثر من 5 ملايين إسرائيلى على الاحتماء فى الملاجئ، حيث أصابت الصواريخ مناطق حساسة فى تل أبيب وحيفا والقدس، ودمّرت فى مدينة بنى براك شبكة المياه والصرف الصحى، ما حول الشوارع إلى برك مياه وأدى إلى انقطاع الكهرباء فى مناطق واسعة. لم يقتصر التصعيد على إسرائيل.
فى تطور غير مسبوق منذ سنوات، أعلنت إيران حالة التعبئة العامة وفتح باب التطوع تحت مبادرة «جان فدا» وفى 3 أيام فقط تقدم أكثر من 6 ملايين و400 ألف إيرانى للانضمام إلى الحرب البرية المتوقعة.
ووجه قائد الجيش الإيرانى أمير حاتمى رسالة صارخة لترامب «أى جندى يفكر فى دخول أرض إيران لن يخرج منها حيًا وستتحول بلادنا إلى مقبرة للغزاة».

خسائر أمريكية
وخلال الأيام الماضية، كان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يتحدث فى خطابه بثقة مطلقة، مدعيًا أنه «محا الدفاع الجوى الإيرانى من على الخريطة». وبعدها، وجه له الحرس الثورى الإيرانى صفعة مدوية حيث أعلن رسميًا إسقاط مقاتلة أمريكية متطورة من طراز «F-15E Strike Eagle» فوق جزيرة قشم، ونشر فيديو مباشر للحادثة بحسب بيان الحرس الثورى أُصيبت الطائرة بصاروخ من منظومة دفاع جوى إيرانية حديثة، ثم سقطت وغرقت فى مياه الخليج بين جزيرة هنكام وقشم.
فى خبر أثقل، أقال وزير الدفاع الأمريكى بيت هيجسيث (الذى لا خلفية عسكرية له، وكان مقدم برامج تليفزيونية سابقًا) الجنرال راندى جورج، رئيس أركان القوات البرية الأمريكية، وطالبه بالاستقالة الفورية والتقاعد. وذلك بسبب رفض الجنرال خطط التدخل البرى فى إيران، وأكد صراحة أنها ستؤدى إلى «خسائر كارثية فى الأرواح والمعدات»، وستكون «مصيبة للجيش الأمريكى وسمعته».
وتواجه الهيمنة الجوية الأمريكية اختبارًا هو الأصعب من نوعه، وسط أنباء تتحدث عن «صفعة ثانية» تلقاها سلاح الجو الأمريكى، حيث نشرت وكالات أنباء إيرانية صورًا لما قيل إنه حطام مقاتلة أمريكية حديثة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول نوعية السلاح الذى كسر التكنولوجيا الغربية، وهل وصلت منظومة « S-500» الروسية سرًّا إلى طهران؟
إسقاط طائرتين من طراز F-15 (رأس الحربة الهجومى الأمريكي) فى وقت قياسى يطرح فرضيتين لا ثالث لهما حول سر التفوق الدفاعى الإيرانى المفاجئ.
السيناريو الأول (محلي) وهو نجاح منظومة «باور 373» الإيرانية المحدثة، التى تستخدم رادارات «المصفوفة النشطة» وصواريخ «صياد 4B» القادرة على اصطياد أهداف سريعة وبارتفاعات شاهقة، مما يعنى أن إيران حققت اكتفاءً ذاتيًا مرعبًا فى الدفاع الجوى.
السيناريو الثانى (روسي) وهو الكابوس الذى يقلق المخابرات الغربية؛ حيث تشير تقارير تتبع الطيران (مثل Flightradar24) إلى وجود جسر جوى روسى مكثف بطائرات Ilyushin Il-76 هبطت مؤخرًا فى مطارات إيرانية. المحللون يرجحون أن هذه الشحنات حملت منظومات S-400 أو حتى S-500 المتطورة، بإشراف خبراء روس.