لماذا وصف هذا الراهب نفسه بالأحمق
رحلة صوفية على الطريقة الصينية
عمرو محمد الغزالى
فى أعماق التراث الروحى لليابان، يسطع اسم نادر لا يشبه غيره، إنه «ريوكان تايجو».
لم يكن هذا الرجل مجرد راهب بوذى عادى ينتمى إلى مدرسة «سوتو زن»، كان ظاهرة إنسانية فريدة، جمعت فى طياتها روح الشاعر المتألق، وفن الخطاط المبدع، وقبل هذا وذاك، كان تجسيدًا حيًا للبراءة الإنسانية فى أبهى صورها.
لقب «الأحمق العظيم» الذى أطلقه على نفسه كان إعلانًا عن حكمة تتجاوز حدود الذكاء التقليدى، ذلك الذكاء الذى غالبًا ما يسجن الإنسان فى صراعات المنفعة والمكانة الزائفة.
عاش ريوكان فى الفترة من 1758 إلى 1831 فى أواخر عصر إيدو، تلك الحقبة التى شهدت «السلام الكبير» تحت حكم شوجونية توكوجاوا.
لكن هذا السلام حمل فى طياته تناقضات عميقة؛ فالمجتمع كان مقسمًا بصرامة إلى طبقات، والمؤسسات الدينية تحولت إلى أجزاء مكملة للجهاز الإدارى للدولة.
الرهبان البوذيون انشغلوا بالترقى فى المناصب وجمع التبرعات لبناء المعابد الفخمة، مبتعدين عن الجوهر الروحى. وفى هذا الجو الخانق، ولد ريوكان فى قرية «إيزوموزاكى» بمقاطعة إيتشيجو (نيجاتا حاليًا)، تلك المنطقة المعروفة بـ «بلد الثلوج» حيث الشتاء القاسى والطويل، وهو ما غرس فيه منذ الطفولة معانى العزلة والصبر والتأمل فى جمال الطبيعة القاسى.

كان اسمه عند الولادة «ياماموتو إيزو»، ابن عائلة ثرية ومرموقة؛ فوالده كان رئيسًا للقرية وشاعرًا معروفًا.
لكنه أظهر منذ طفولته ميلًا للعزلة والقراءة العميقة، وفى سن الثامنة عشرة صدم عائلته بقراره التخلى عن الميراث والمنصب ودخول سلك الرهبنة.
انضم إلى معبد «كوسين-جى» المحلى تحت إشراف المعلم «كوسين بابا»، ثم انتقل عام 1779 إلى معبد «إنتسو-جى» فى تاماشيما، حيث قضى اثنى عشر عامًا من التدريب الشاق.
تميز بزهده الشديد؛ فبينما كان الرهبان الآخرون يشتكون من قسوة التدريب، كان يغرق فى التأمل لساعات طويلة، مستمتعًا بالصمت والفقر. عام 1790، منحه معلمه «إينكا» (ختم التصديق على بلوغ الاستنارة)، لكنه بدلًا من استغلال هذه الشهادة لتولى رئاسة معبد كبير، اختار ريوكان أن يبدأ رحلة تجوال حر، عرفت بـ «السحاب والماء».
بعد وفاة معلمه عام 1791، جاب ريوكان أنحاء اليابان لعدة سنوات. زار المعابد القديمة، نام فى الغابات، وتحدث مع الفلاحين والصيادين.
تعلم أن الزن الحقيقى - فلسفة العودة إلى الجوهر- لا يوجد فى الكتب أو داخل جدران المعابد، بل فى كل خطوة يخطوها الإنسان على الأرض. مصطلح «أونسوى» (السحاب والماء) يعبر تمامًا عن هذه المرحلة؛ فالسحاب ينجرف مع الريح دون مقاومة، والماء ينساب إلى الأماكن المنخفضة دون كبرياء.
اعتمد كليًا على التسول، وهى ممارسة روحية تهدف إلى كسر الأنا والتواضع، والبقاء على اتصال دائم مع الناس البسطاء.
كتب فى إحدى قصائده:
«ثوب واحد، وعاء واحد، لا أملك شيئًا آخر.
فى الصباح أخرج للتسول، وفى المساء أعود لأنام تحت الأشجار.
العالم واسع، وقلبى حر».
فى هذه الرحلات، صقل موهبته فى الخط والشعر، وكان يكتب قصائده على جدران المعابد المهجورة أو قصاصات الورق التى يعطيها للناس مقابل الطعام. لم يجمعها فى ديوان أبدًا؛ فالقصيدة عنده مثل الأنفاس، تخرج فى لحظتها ثم تتلاشى.
عام 1796، عاد إلى مسقط رأسه لكنه لم يعد إلى منزل العائلة.
استقر بدلًا من ذلك فى صومعة صغيرة تسمى «جوجو-آن» على جبل «كوجامى».
الاسم يعنى «خمسة مكاييل»، فى إشارة إلى كمية الأرز الضئيلة التى كان يتلقاها كصدقة يومية.
عاش هناك أكثر من عشرين عامًا فى كوخ خشبى بسيط، تهب الرياح عبر شقوق جدرانه، ويغطى الثلج سقفه فى الشتاء. لم يكن يملك أثاثًا، بل مجرد حصير للنوم، ووعاء للتسول، وأدوات للخط.
كانت حياته تجسيدًا حيًا لمفهوم «الوابى سابى»؛ الوابى هو الجمال النابع من البساطة والفقر، والسابى هو الجمال الذى يكتسبه الشيء مع مرور الزمن. كان يرى فى وعائه المخدوش وفى ثوبه المرقع جمالًا يفوق الذهب والحرير. كان يقضى ساعات طويلة فى اللعب مع أطفال القرى المجاورة.
يلعب الغميضة، ويتقاذف الكرة، ويغنى معهم.
بالنسبة للرهبان التقليديين، كان هذا السلوك «غير لائق» براهب مستنير، لكنه كان يرى فى الأطفال «المعلمين الحقيقيين».لكنه كان يؤمن بأنهم يملكون «قلب بوذا» الفطرى؛ فهم يعيشون فى اللحظة الراهنة، لا يحملون ضغينة، ولا يشغلهم المستقبل أو الماضى.

فى إحدى قصائده يقول:
«فى الربيع، ألعب مع الأطفال، نتقاذف الكرة تحت أشجار الكرز.
يضحكون عليّ ويسموننى «الأحمق»..
وأنا أضحك معهم، فربما هم على حق».
هذا «الحمق» هو حالة «اللا-عقل» حيث تختفى الحواجز بين الذات والآخر، وبين اللعب والعبادة.
يُحكى أنه لعب الغميضة مع الأطفال واختبأ فى كومة قش، فذهب الأطفال لبيوتهم وظل مختبئًا حتى الصباح. عندما وجده فلاح وسأله عما يفعله، أجاب بهدوء: «صه! لا تتكلم، سيكتشف الأطفال مكانى».
لقب «الأحمق العظيم» هو مفتاح فهم فلسفته.
هناك فى الثقافة الشرقية تمييز بين «الأحمق» الذى يفتقر للذكاء، و«الأحمق العظيم» الذى تجاوز الذكاء. الذكاء التقليدى أداة للتمييز والتحليل وتحقيق المكاسب، أما «الحمق العظيم» فهو العودة للحالة الفطرية التى تسبق كل تمييز.
كان ريوكان يرفض التفرقة بين المقدس والمدنس؛ فغسل الأوانى وجمع الحطب واللعب مع الأطفال هى أفعال مقدسة تمامًا مثل التأمل فى المعبد.
تأثر بفلسفة «اللا-ثنائية» التى ترى أن «الأنا» مجرد وهم، وعندما نتخلص منه ندرك أننا لسنا منفصلين عن الطبيعة أو الآخرين.
هذا الإدراك هو ما جعله يشعر بالأسف للص الذى سرق كوخه؛ فلم يكن هناك فرق حقيقى بينه وبين اللص، كلاهما جزء من نفس الوجود.
كما عاش فى وعى دائم بـ«عدم الثبات» (مو-جو)، أى أن كل شيء فى هذا العالم عابر وزائل. بدلًا من أن يسبب له هذا الوعى حزنًا، كان يمنحه حرية وتقديرًا عميقًا للحظة؛ فإذا كانت الزهور ستذبل غدًا، فهذا سبب إضافى للاستمتاع بجمالها اليوم. يقول فى إحدى قصائده: «أوراق الخريف تتساقط، تظهر وجهها تارة، وقفاها تارة أخرى، وهى تهوى إلى الأرض».
يُعتبر خط ريوكان من بين الأكثر تقديرًا فى تاريخ الفن اليابانى.
فالخط فى اليابان يُنظر إليه كممارسة روحية تعكس الحالة الذهنية للخطاط فى لحظة الكتابة.
تميز أسلوبه بـ«هيتسوزين» أو «طريق الفرشاة فى الزن»، حيث خطوطه رقيقة وأحيانًا مهتزة لكنها تحمل قوة داخلية هائلة. كان يكتب على أى شيء يتوفر لديه؛ قصاصات ورق قديمة، خشب، أو طائرات الأطفال الورقية.
رفض كتابة الخط للأثرياء الذين يريدون التباهى باقتناء أعماله، لكنه كان يكتب بكل سرور للفلاحين والأطفال.
يُحكى أن أحد الأثرياء حاول خداعه ليرسم له لوحة، فتظاهر بأنه لا يعرف كيف يمسك الفرشاة، ثم ذهب وكتب قصيدة رائعة على جدار كوخ فلاح فقير.
لم يكن الخط عنده «إنتاجًا فنيًا» بل «فعلًا وجوديًا».
يقول النقاد إن خطه «يخلو من الأنا»، فلا رغبة فيه لإثارة إعجاب أحد. هذا النقاء هو ما يجعل أعماله الخطية اليوم تباع بملايين الدولارات وتُعرض فى المتاحف ككنوز وطنية. كان يمارس الخط فى الهواء بإصبعه عندما لا يملك حبرًا أو ورقًا، مؤكدًا أن الجوهر فى «الحركة» و«النية» وليس فى النتيجة المادية.
فى لوحاته، استخدم «الفراغ» بعبقرية؛ فالمساحات البيضاء لا تقل أهمية عن الخطوط السوداء، وهذا يعكس فكرة الزن عن «الفراغ» (Sunyata) كرحم تولد منه كل الأشياء.
كتب ريوكان الشعر بثلاثة أنماط رئيسية: «الواكا» و«الهايكو» و«الكانشى» (القصائد الصينية). كان متمكنًا من اللغة الصينية الكلاسيكية، لغة النخبة والمثقفين، لكنه استخدمها للتعبير عن أبسط المشاعر وأعمق الحقائق الروحية.
فى قصيدة «أراقب الناس فى هذا العالم» يقول: «أراقب الناس فى هذا العالم يرمون حياتهم بعيدًا فى شهوة الأشياء، غير قادرين أبدًا على إشباع رغباتهم.. هؤلاء الناس مثل القرود يحاولون بجنون الإمساك بالقمر فى الماء ثم يسقطون فى دوامة».
تعكس القصيدة شفقته العميقة على الناس، واستخدامه لاستعارة «القرد الذى يحاول الإمساك بالقمر فى الماء» هى صورة بوذية كلاسيكية تشير إلى مطاردة الأوهام.
وفى قصيدة أخرى تصف حياته فى الكوخ: «فى كوخ متهالك من ثلاث غرف، قضيت حياتى كلها. فى الصباح، أخرج للتسول فى القرية، وفى المساء، أعود لأنام تحت نافذتى. الرياح تهب عبر الشقوق، والثلج يغطى سريرى.
ومع ذلك، قلبى هادئ، فليس لدى ما أخسره، وليس لدى ما أطلبه».

فى شعر «الواكا»، أظهر رقة وحساسية عالية، كما فى قصيدة «لو كان بإمكانى»: «لو كان بإمكانى، لغطيت العالم كله بأكمام ثوبى الرهبانى، لأحمى الفقراء والمحتاجين من برد الشتاء القارس».
هذه القصيدة تتجاوز حدود الزن كفلسفة تأملية لتصبح فعلًا من أفعال المحبة الشاملة. وقصيدة «زهور البنفسج» تلخص شخصيته: «فى طريقى للتسول تحت شمس الربيع، توقفت لأقطف زهور البنفسج البرية. يا إلهي! لقد نسيت وعائى هناك، على حافة الطريق».
فجمال زهرة برية كان أهم عنده من وجبة طعامه، وهذا «النسيان» هو قمة الحضور الروحى حيث تذوب الحاجات الشخصية فى جمال اللحظة الراهنة.
أشهر قصائده عالميًا هى «اللص والقمر»: «اللص تركه وراءه: القمر.. عند نافذتى». هى تعبر عن انتصار الروح على المادة؛ اللص أخذ الأشياء لكنه لم يستطع أخذ الجمال أو السكينة.
فى خريف عمره، التقى ريوكان بالراهبة «تيشين» فى واحدة من أجمل فصول حياته.
كتبت له: «هل نسيتني؟ أم أن الطريق إلى منزلى أصبح طويلًا جدًا وصعبًا؟ أنتظر سماع صوتك، مثلما ينتظر الزهر ندى الصباح». فرد عليها: «كيف يمكننى أن أنساكِ؟ أنتِ مثل القمر الذى يتبعنى فى كل مكان. حتى لو غطت السحب السماء، أعلم أنكِ هناك، تضيئين قلبى».
هذه المراسلات تظهر أن فلسفة الزن عنده لم يكن يعنى جفاف المشاعر، بل تصفيتها من الأنانية والتعلق المرضى لتصبح حبًا خالصًا.
لم يكن ريوكان منعزلًا عن المجتمع.
كان يعيش «فى العالم ولكن ليس منه». شارك فى احتفالات القرى، وشرب الساكى مع الفلاحين، وساعد المحتاجين. كان نقدًا حيًا للمؤسسة الدينية فى عصره؛ بفقره الاختيارى وتجواله الحر، كان يذكر الرهبان الذين يعيشون فى المعابد الفخمة بأن الزن الحقيقى هو الفقر والتبسيط. كره الرسميات والتكلف، وعندما دعى مرة إلى مأدبة رسمية، ذهب بثوبه المرقع وجلس على الأرض مع الخدم بدلًا من صدر المجلس، تعبيرًا عن إيمانه بالمساواة الجوهرية بين البشر.
فى المجاعات، مارس التكافل الاجتماعى بجمع الصدقات من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء دون نسب الفضل لنفسه.
يقول فى إحدى قصائده عن الفلاحين: «يعملون فى الحقول من الفجر حتى الغسق، وجوههم محروقة بالشمس، وأيديهم خشنة. كيف يمكننى أن آكل أرزى بسلام، وأنا أعلم أنهم يتضورون جوعًا؟».
ترك ريوكان نصائح عملية تعكس حكمته، منها: تجنب الحديث الكثير، فالكلمات غالبًا ما تحجب الحقيقة، و«إذا لم يكن لديك شيء جميل لتقوله، فالصمت هو أجمل ما تملكه».
لا تفتخر بعلمك، فالتظاهر بالقداسة هو «رائحة الزن» المزيفة، والزن الحقيقى هو أن تكون طبيعيًا تمامًا. كن لطيفًا مع الجميع، فـ «الكلمة الطيبة يمكن أن تدفئ ثلاثة أشهر من الشتاء». عش فى اللحظة: «لا تقلق بشأن الغد، فالغد سيهتم بنفسه».
انظر إلى الزهور الآن. «يتميز شعره بـ«الصدق العارى»؛ إنه لا يستخدم المحسنات البديعية أو التعقيدات اللغوية لإثارة الإعجاب. يقول عن شعره: «من يقول إن قصائدى هى قصائد؟ قصائدى ليست قصائد. عندما تدرك أن قصائدى ليست قصائد، حينها فقط يمكننا البدء فى الحديث عن الشعر». فالشعر عنده ليس صناعة بل فيض، يكتب كما يغنى الطائر دون جهد أو غرض سوى التعبير عن الوجود.
هو اعتمد فى حياته على مفهوم «القدوة الصامتة»، أى انتقال الحقيقة من قلب إلى قلب دون كلمات. فى عصر تحول فيه التعليم البوذى إلى حفظ متون معقدة، اختار أن يلقيها وراء ظهره، فالمعرفة غالبًا ما تكون عائقًا أمام الإدراك.
يقول: «فى شبابى، وضعت دراساتى جانبًا، وبحثت عن الحقيقة فى الجبال والغابات. قرأت آلاف الكتب، فماذا جنيت؟ مجرد غبار يغطى عينى».
وقال: «الآن، أجلس فى صمت، وأسمع صوت المطر على أوراق الخيزران. هذا هو الكتاب الوحيد الذى أحتاج لقراءته». هذا «اللا-تعلم» يعنى التخلص من المفاهيم المسبقة لرؤية الواقع كما هو. كان يعلم الناس كيف «يرون» الزهرة، لا كيف «يصنفونها». لعبه مع الأطفال كان أعظم دروسه؛ من خلاله كان يكسر الحواجز ويعلم أن الحياة ليست صراعًا بل رقصة. فى لعبة الكرة كان يرى توازنًا كونيًا؛ فالكرة تسقط وترتفع مثل حظوظ الإنسان، والمهم الاستمرار فى اللعب بقلب خفيف.
عزلته فى الجبل لم تكن هروبًا من العالم بل استعدادًا له. هو رأى أن الإنسان لا يمكنه حب الآخرين بصدق إلا إذا تعلم كيف يكون وحيدًا مع نفسه.
فى صومعته كان يواجه مخاوفه ورغباته، وعندما ينزل إلى القرية ينزل بقلب مغسول بالصمت قادر على استيعاب معاناة الآخرين دون أن يغرق فيها. يقول: «أعيش وحيدًا فى هذا الكوخ الجبلى، لا يزورنى أحد سوى الريح والمطر. يسألنى الناس: ألا تشعر بالوحدة؟ فأجيبهم: الوحدة هى عندما تنسى نفسك، أما أنا، فقد وجدت نفسى فى هذا الصمت». فقره لم يكن حرمانًا بل تخففًا من أثقال الروح. وعندما سرق أحد اللصوص كوخه، لم يحزن على ما فقد بل حزن لأن اللص لم يستطع رؤية جمال القمر الذى كان يملأ المكان.
كان يقول: «الربيع يأتى، والزهور تتفتح، الصيف يأتى، والنسيم يهب، الخريف يأتى، والأوراق تتساقط، الشتاء يأتى، والثلج يغطى الأرض. كل فصل هو حقيقة كاملة، وكل لحظة هى الأبدية». هذا الوعى جعله لا يندم على الماضى ولا يخشى المستقبل. فى الثقافة اليابانية، هناك تقدير لجمال «الذبول»، فلم يحاول ريوكان إخفاء شيبة أو ضعف جسده، بل رأى فى الشيخوخة «خريف العمر» الذى يحمل جمالًا هادئًا. يقول: «شعرى الأبيض يرفرف فى الريح، مثل خيوط العنكبوت فى شمس الخريف. وجهى مليء بالتجاعيد، مثل لحاء شجرة قديمة. ومع ذلك، قلبى لا يزال طفلًا، يرقص مع الفراشات فى الحقول».
وفى قلب فلسفته كمنت «الحرية المطلقة» وهى التحرر من قيود «الأنا» التى تسجن الإنسان فى دائرة الرغبة والمعاناة. الممتلكات والمكانة وحتى المعرفة الدينية يمكن أن تصبح سلاسل تكبل الروح.
وهو كان يحترم الجماد، يعامل وعاءه وثوبه وفرشاته بعناية كأنها كائنات حية.
فى سنواته الأخيرة، ضعف جسد ريوكان فانتقل للعيش فى غرفة صغيرة بمنزل عائلة «كيمورا» فى قرية «شيمازاكى»، محاطًا بمحبة الناس ورعاية تيشين.

لم يخش الموت؛ فقد كان يراه جزءًا طبيعيًا من دورة الوجود مثل تساقط أوراق الخريف.
توفى فى 18 فبراير 1831. لم يترك ممتلكات ولا معبدًا يحمل اسمه، ترك عالمًا أكثر إشراقًا بروحه.
لا تزال رسالة ريوكان حية بعد قرنين من وفاته لأنها عابرة للزمن والمكان.
فى عالمنا المعاصر الذى يقدس الاستهلاك والسرعة، يظهر كنموذج بديل يذكرنا بأن السعادة لا توجد فى الأشياء بل فى العلاقات؛ علاقتنا بأنفسنا، وبالطبيعة، وبالآخرين.
وريوكان لم يكن يبحث عن الخلود لكنه ناله، ليس بالتماثيل أو الكتب، بل بالقلوب التى لا تزال تهتز عند قراءة قصائده أو رؤية خطوطه. أثبت أن القوة الحقيقية ليست فى السيطرة بل فى التخلى، وأن الحكمة ليست فى المعرفة بل فى البراءة. سيظل الراهب المتسول الذى لم يملك شيئًا يملك كل شيء فى قلوبنا.
هو دعا كل إنسان للبحث عن «الأحمق العظيم» فى داخله، ذلك الجزء القادر على اللعب والدهشة والعطاء بلا مقابل.
