السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
وليد طوغان

حديث فى إيمان عم النبى صلى الله عليه وسلم وشعره

لماذا تجاهل المسلمون شاعرًا تاريخيًا؟



نستطيع الإقرار بأن أبا طالب بن عبدالمطلب بن عبد مناف، قد ظلِم ظلمًا واضحًا من قبل المؤرخين ونقاد الأدب ورواة الشعر وكتّاب السير والإخباريين.

وذلك لأنهم قد ركزوا  جل  بحثهم  واهتمامهم على علاقة قربى أبى طالب بابن أخيه محمد «صلى الله عليه وسلم»، وما استتبع ذلك من ضغائن ومناوشات وصراعات دائمة من قريش وأنصارهم الموالين.

ثم تلك الإشكالية الشائكة التى تتعلق بإسلام أبى طالب وهل مات على الكفر؛ أم أنه كان يبطن إسلامه احترامًا لمشاعر قومه ومقدساتهم، وحقنًا للدماء التى كانت لا بد ستسيل لو علمت قريش بإيمان هذا الرجل الكبير الذى يعد ثانى أربعة من أعظم المدافعين عن النبى ودعوته فى مكة بعد عبدالمطلب.

 

وفى حومة كل تلك الأمور والحادثات الجسام، ومع اختلاط المفاهيم والأوهام والسير فى المنام، أسقطنا أبا طالب «الشاعر» من حساباتنا تمامًا.

حيث لم نركز على شاعريته وقعدنا على تلك القصة الدينية المعروفة للقاصى والدانى وللصغير قبل الكبير.

لكن قد يسأل سائل مناور: وهل كان أبوطالب شاعرًا، وهل كان يهتم بالشعر أصلا؟

نقول: نعم، كان أبوطالب شاعرا وله شعر جيد محفوظ فى ديوانه؛ بل كان شعره يتناقله الصحابة فى عهد النبى وبعد عهد النبى.

وبعيدا عن التشكيك فى كون أبى طالب شاعرا، وبعيدا عن التشكيك فى أن يكون كثير من شعره منتحلا وموضوعا عليه من قبل الرواة المحترفين من أمثال خلف الأحمر وحماد الراوية والشيبانى، شأنه فى ذلك شأن كثير من شعراء الجاهلية، لا نستطيع نحن أن ننكر بلاغة أبى طالب؛ بل لا نستطيع أن ننكر بلاغة وشاعرية هذا العصر بأكمله، كما لا نستطيع أن نركن كل الركون إلى رأى هؤلاء الرواة، فلم تقل لنا معظم كتب الأدب أن رواة الشعر الجاهلى قد نقلوا لنا شعر أبى طالب بالأساس، ولم يقل لنا نقاد الشعر عن أية مصادر موثقة لشعر أبى طالب، ومن ثم لا يمكن أن نقر بالتسليم ولا يمكن أيضا أن نقر بالإنكار، الأمر الذى قد يشير إلى أن للرجل شعرا حقيقيًا.

وإن كان شعرا قليلا ومتناثرا أو خليطا أو ضائعا.

ونحن أيضا لا نستطيع الجزم بأن الرواة ــ فى حال الإقرار بشاعرية أبى طالب ــ قد انتحلوا شعرا إسلاميا وألقوا به على أبى طالب، كما فعلوا مع شعراء كبار فى الجاهلية الأولى.

وذلك لأن ليس لهم مصلحة فى ذلك؛ وليس للشعر نفسه مصلحة، بل ليس للإسلام مصلحة.

فأبو طالب لم يصنف كواحد من فحول الشعراء ممن قدمهم ابن سلام فى طبقاته أو ممن وضعهم ابن قتيبة فى سفره، بل إنه لم يقطع بدخوله الإسلام بالأساس؛ لكننا فى كل الأحوال قد نصدق شعر أبى طالب لا لشيء إلا لأننا ــ ببساطة ــ نصدق شخصية أبى طالب وما كان يسلكه من مسالك حميدة وعالية.

ولا يجب أن نندهش أبدا؛ فما حدث مع شعر أبى طالب، حدث مع شعر عبدالمطلب وشعر آمنة بنت وهب وشعر حليمة السعدية وشعر عمر بن الخطاب وشعر أبى عبيدة بن الجراح وشعر أبى سفيان بن حرب وشعر أبى بكر بن قحافة، من حيث الإعراض عن درسه وتحليله، ذلك أن الاهتمام بإيمانهم قد طغى على الاهتمام بشعرهم.

ولكى يتماس كلامنا مع الموضوعية والتطبيقية، فإننا نقدم هنا ديوان أبى طالب، بتحقيق عبدالحق العانى، طبعة دار كوفان بالمملكة المتحدة، وله طبعة أخرى بدار الكتاب العربى بتحقيق محمد التونجى. وهذا الديوان يؤكد ــ لحين إشعار جديد قادم حتما- على شاعرية الرجل، تلك الشاعرية التى لم تبعد مطلقا عن الدين، بل تركزت بكليتها حول الدفاع عن النبى ضد أذى قريش وأعوانها، وتلك إشارة إلى أن أبا طالب كان رجلا مستقلا ومتسقا تماما مع ذاته، فما كان يسلكه فى حياته الخاصة يترجمه شعرا صافيا رائقا، لا لبس فيه ولا غموض ولا مواربة.

ونحن ربما نعرف أن ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية وكاتبها الأول، قد جمع شعر أبى طالب فى بدايات القرن الثانى الهجرى، أى قبل جمع الحديث النبوى بقرن من الزمان تقريبا، فمن ذاك الذى يستطيع أن يتنبأ إبان القرن الأول الهجرى بأن التدوين الذى ظهر فى القرن الثانى سوف يتعرض لأبى طالب بذلك الطعن فى شاعريته، لدرجة أنه يسارع فى وضع ذلك الشعر تحسبا لهذا الحدث الجلل الذى لا يعلم أحد عواقبه.

وبحسب محقق الديوان، فإن الرواة والإخباريين أهملوا شعره تماما، وهو إهمال نرجح أنه متعمد؛ ولنا أن نقرأ هذا البيت الشعرى الذى يقول فيه:

ألم تعلم أنَّا وجدنا محمدًا نبيًّا…

 وموسى خطَّ فى أول الكتب

كما نراه يقول فى وصف آخر جميل للنبى:

إن ابنَ آمنةَ النبى محمدًا…

 عندى يفوقُ منازلَ الأولادِ

وهذا البيت يؤكد حرص أبى طالب على الاهتمام بالنبى اهتماما يفوق اهتمامه بأولاده، حيث كان حريصا على رعايته وكفالته من مأكل ومشرب وتعليم قبل أبنائه جميعا، وهو ما أقرت به تلك القصص التى وردت إلينا من كتب السير والتاريخ والدراما الدينية.

ولعل من أجمل الأمور أن يكون أول بيت وضعه أبوطالب فى محمد يؤكد اعترافه الكامل بنبوته ورسالته وقرآنه، حتى قبل نزول الوحى من قبل السماء.

وذلك منذ التقاء محمد ببحيرى الراهب فى صومعته القابعة فى بلدة بصرى الثاوية على طريق القوافل بين مكة والشام، وهو يقول فى ذلك:

حتى إذا ما القومُ بصرى عاينوا…

 لاقوا على شَرَكٍ من المرصادِ 

حَبْرًا فأخبرهم حديثًا صادقًا…

  عنه وردَّ معاشرَ الحُسّادِ

قومٌ يهودٌ قد رأوا ما قد رأى…

 ظلَّ الغمامِ وعز ذى الأكمادِ

ساروا لقتلِ محمدٍ فنهاهمُ عنه…

 وأجهدَ أحسنَ الإجهادِ

فثنى بحيرى ثيبرًا فانثنى…

 فى القومِ بعد تجادلٍ وبعادِ

ونهى دريسًا فانتهى عن قولِه…

 حَبرٌ يوافقُ أمرُه برشادِ.

وأبوطالب يصور لنا كيف رق بقلب مؤمن حين أبصر ابن أخيه يظهر ضعفا وحاجة إليه، وتلك نعمة اختص الله بها أبا طالب:

بكى طربًا لما رآنى محمدٌ... 

كأنى لا يرانى رجعةً لمَعادي

فبتُّ يجافينى تهللُ دمعِه…

 وقربتُه من مضجعِى ووسادي

فقلت له قربْ قعودكَ وارتحل…

 ولا تخشَ منى فجوةً وبلادى.

والقارئ المتأمل فى شعر أبى طالب يلحظ أن شعره جاء فى مجمله مصدقا لكلام النبى مرتاحا كل الراحة إلى دعوته.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه صادر عن نفس حرة وقلب رقيق شفاف مؤمن، وهو الأمر الذى يجعلنا نفكر مرة أخرى فى ملة أبى طالب، ولا نركن أبدا إلى رأى الرواة الذين قالوا بغير إيمانه، لكننا نطمئن إلى أن ما فعله أبوطالب من إبطانه الإيمان فعله كثيرون فى عصره وبعد عصره.

ولنقرأ هنا شعر أبى طالب وهو يدفع الأذى عن محمد، حيث يقول:

نصرتُ الرسولَ رسولَ المليك…

 ببيضٍ تلألأ لمع البروق

أذبُّ وأحمى رسولَ الإله…

 حمايةَ حامٍ عليه شفيق.

ولما مضى أبوطالب على أمره من خلاف قريش فيما أراد النبى، واجتمعت قريش على عداوته والكيد له وعرقلة مسيرته، قال أبو طالب:

ما أن جنينا من قريشٍ عظيمةً…

 سوى أن منعنَا خيرَ من وطيء التُّرابَا

فيا أخوينا عبدَ شمسٍ ونوفلا... 

فإياكما أن تسعرَا بيننا حرابا.

ومما قاله أبوطالب لاميته المشهورة التى تعد درة شعره والتى لم يستطع الخصوم والمناوؤن إخفاءها؛ لأن لها روايات كثيرة وشواهد حاسمة تعضد وضعها ووجودها:

خليليّ ما أُذنى لأولِ عاذلٍ…

 بصغواءَ فى حقٍ ولا عذرَ باطلِ

خليلى أن الرأيَ ليس بشركةٍ…

 ولا نهنْهُ عند الأمورِ البلابلِ

ولمّا رأيت القومَ لا ودَّ عندهم... 

وقد قطعوا كلَّ العُرى والوسائلِ.

إن هذه الكلامية هى بلا شك وثيقة تأريخية مهمة، وذلك من خلال تعرضها لبطون قريش، فهى تدوين مهم لتلك الفترة الخطيرة والمفصلية ليس من حياة النبى فقط وإنما من حياة مكة كلها؛ لذا فهى تحتاج وحدها إلى دراسة عميقة ومستفيضة كونها قيمة أدبية من ناحية، ودراسة تأريخية لمكة وللدعوة الإسلامية من ناحية أخرى.