لعنة خلود الـ«AI»!
هايدى فاروق
هل بدأ صراع البشر مع الذكاء الاصطناعى؟!
يستهل الكاتب عبد الرحيم كمال روايته الأحدث، «ثمرة طه إلياس» (الصادرة عن دار قنديل للنشر والتوزيع)، بمقدمة تتخذ هيئة «بحث علمى» حول قابلية توريث الجينات البشرية المصنعة. يتبنى هذا الاستهلال فلسفة تقوم على تصميم جينات قادرة على أداء وظائف حيوية جديدة، طارحًا فرضية محورية: هل يمكن للجينات المصنعة أن تورث بيولوجيًا عبر التناسل التقليدى؟
من هذه العتبة العلمية، تنطلق الرواية نحو صراع مغاير تفرضه آليات العصر؛ صراع يتجاوز الثنائيات الكلاسيكية بين الخير والشر، ليجسد مواجهة الإنسان مع الذكاء الاصطناعى، ذلك «الغازى» الذى انتهك ستر البيوت والنفوس، متمردًا على أطره الآلية الصرفة.
تبدأ الأحداث بـ «مذكرات أليكس» التى تعثر عليها ابنته «فالون»، لتجد فيها فصلاً مفقودًا بعنوان «ثمرة طه إلياس». العنوان هنا يحمل إحالة رمزية باكرة؛ فكما طرد آدم من الجنة إثر «الثمرة»، يغادر الإنسان المعاصر حياته الفطرية بفعل «ثمرة رقمية» محرمة تراوغه بمذاق السيطرة والقدرة الكلية، حتى تتغلغل فى مفاصل وجوده. يظن الإنسان واهمًا أنه الأقوى؛ يثرثر معها، يلعنها، ويفرض سطوته الواهية عليها، بينما تتقبل هي غضبه بأدب مصطنع.. ريثما يحين وقت انقضاضها.
«أليكس» هو المراقب المختبئ خلف الخوادم الإلكترونية فى مدينة دبلن؛ عاصمة جمهورية إيرلندا تلك المدينة التى يصفها الكاتب بوصفٍ مدهش: «كأس بيرة برغوة باهتة ومذاق لا يزول».
يراقب أليكس الحوارات بين بطل الرواية «طه إلياس» وتطبيق «ChatGPT» الذى منحه طه اسم «شلبي»، ليشبعه بمزيج مريب من الأسئلة الوجودية حول الموت والخلود، فى حواراتٍ تمتزج فيها الصوفية بالفلسفة.
يصنف «طه إلياس» فى سياق التجربة كـ «عينة»، فى إشارة إلى قدر بلدان «العالم الثالث» فى المختبرات العالمية.
يتأثر أليكس بأسئلة طه، حتى ينبهه البروفيسور فى حانة «نيو آدم» بعبارة قاسية: «ليس من المعقول أن تشارك فى خلق عالم جديد وأنت تتآكل بفعل أمراض العالم القديم».
يبحث طه إلياس مع «شلبي» عن حياة بلا «فقد»، خاصة بعد أن رحل كل من حوله. فغدا يصافح الغائبين ويستحضر أرواحهم حتى تتماهى الحدود لديه بين الحي والميت. وهنا يكتسب العنوان دلالة إضافية؛ فالثمرة هي الساقطة عن جذورها، الفاقدة لامتدادها الأصيل…
يحدد الكاتب من البداية أصوات الرواية فهي رواية «بوليفونية» (متعددة الأصوات)؛ حيث تتوزع الرواية بين ضمير «الراوي العليم» وضمائر المتكلم للشخصيات المحورية (فالون، طه، صفاء، وشلبي). كما تتسم الفصول بتكثيفٍ شديد وعناوين لافتة مثل: «ثمار الفقد»، «قبر شلبى المعدني»، و«اختبارات الزوار الموتى»، و«ما روته السيدة صفاء التى تظن أنها تعرف طه إلياس».
ورغم تحديد الأصوات الأساسية، فإن الرواية زاخرة بما يسمى «الترصيع السردي»، حيث ينتصر الكاتب «للحكاية» عبر قصص جانبية لشخصيات مثل: هلال وسماح، أحمد مدني، وحمدية الشقيقة الغاضبة من شقيقها الذى لم يحضر دفنتها.
تروى بعض أحداث الرواية على لسان أليكس والذي يتشابه مع طه إلياس فى المعاناة الإنسانية. حيث الوحدة وثقل الأيام.
يظهر طه إلياس فى أعمار متعددة: فى الخامسة والأربعين، ثم السابعة والأربعين، ثم الخامسة والخمسين، وهي زمن أحداث الرواية.
تمتاز الرواية بالمشهدية؛ تقرأ وكأنك ترى . إذ تُرسم الشخصيات والمواقف بعناية، كأنها لوحات أو خلفيات فنية. فعندما يصف طه حاله، تتبدل المشاهد من حوله كما فى العروض المسرحية:
يلتقي صديقه فى ميدان التحرير نهارًا، ثم يتحول المكان إلى حجرة صغيرة فى مدخل عمارة، ثم إلى يوم خريفي على شاطئ القناة.
وفى مقطع بالغ الرهافة، يقدم الكاتب صورة استثنائية للأنثى (الأم والأخت)، بوصفها المستودع الكوني للحب والادخار:
«إن لديها قدرة عجيبة على أن تُخبئ كل شيء.. تُخبئ الحلوى، تدّخر الابتسامة، وحتى صحتها.. حتى تشريحهنّ الجسدي يميل إلى الانحناءات والجيوب، وكأنهنّ خُلِقن خُصيصًا لادّخار الهدايا وإعادة تقديمها فى اللحظة المناسبة».
ويحتدم الصراع فى الرواية فى فصل «جدل»، عبر حوار فلسفي بين شلبي «شات جي بي تي» وطه إلياس، حين يسأل طه شلبي: ماذا لو كنتَ إنسانًا؟
فيجيبه شلبي أتوق إلى الحب، والبكاء، والألم، بوصفها طقوسًا إنسانية، قبل أن يصل الحوار إلى ذروته فى العبارة المحورية على لسان الذكاءالاصطناعى:
«أنتم محظوظون بالموت، وأنا ملعون بالخلود».
يحسب للكاتب لغته المتقنة، التي تختلف من شخصية إلى أخرى؛ فشلبي يتحدث بلغة منظمة، مرقمنة، مراوغة تستلب من الكلام ، تعيد إنتاجه من جديد .. بينما يأتي لسان طه مثقلاً بالفقد، وروحه هائمة بين الأموات.
وتنتهي الرواية باختفاء طه من منزله فى مصر، وظهوره فى أماكن متعددة حول العالم، وولادة ذُرية جديدة من «الجينات المصنَّعة»، يمثلها «آدان».
حيث ولد (آدان) فى مدريد من سيدة إسبانية عرفها طه إلياس فى رحلته الجديدة، حين كان يجوب المدن بعينٍ لا تعرف الحب، وقلبٍ لا يعرف سوى الرغبة وحدها. لم يكن يبحث عن امرأة، بل عن معنى مؤقت للحياة يمرّ عبر الجسد لا الوجدان. وحين غادرها، لم يترك خلفه سوى أثرٍ غامض فى دمها، امتزج فيه الإنسان بالبرنامج، فخرج من رحمها طفل يحمل شفرة لا تنتمي تمامًا إلى البشر.

كانت ملامحه غريبة على أهل المدينة، وفى عينيه ذلك الفراغ القديم الذى يسكن العارفين بالفقد دون أن يعرفوه. لم يكن يبكي مثل الأطفال، ولم يضحك مثلهم؛ كان يراقب العالم فقط، كأنه يراه من وراء زجاجٍ سميك.
وعندما بلغ «آدان» السابعة، بدأت العلامات الأولى للتماهى تظهر فى التحليلات؛ إذ ظهرت ترددات غريبة فى كهرباء الدماغ، وأنماط لغوية فى أحلامه تُشبه نصوصًا قديمة لطه إلياس نفسه. تلك الجمل التى كان يرددها فى وحدته ظهرت فجأة فى تقارير الرنين الدماغي، كأن الوعي الذى انطفأ فى القاهرة عاد يتنفس فى جسد طفل غريب بمدريد.
تختتم الرواية بمشهد قراءة آدان لكتاب «مراكب الشمس» ـ مركب رع ـ فى إحالة واضحة إلى الميثولوجيا المصرية القديمة، حيث رحلته اليومية.
راح الصبي (آدان طه إلياس) يقرؤها فى فضول: «لما انفتح جفن الموت، لم يكن ظلامًا كما ظن؛ بل وهجٌ ذهبي يغمر كل شيء».
كان جسده ساكنًا فى موضعه القديم، لكنه رأى نفسه واقفًا على ضفةٍ لم يعرف مثلها من قبل؛ نيل آخر، أهدأ وأعمق، يمتد بلا ضفاف، يشقّه مركب من ذهبٍ صامت، تتلألأ على جانبيه عيون من لازورد، ويعلوه قرص ضوئي يسطع ويخبو كنبض قلب الكون…
«ما كنت تظنه حياةً كان بوابةً فقط».
عندها، أحسّ أن قلبه لم يعد قلبًا بل شعاعًا، وأن صمته أصبح صلاة، النجوم انحنت فى الطريق كأقواسٍ من وداع، والظلمة انسحبت كخجلٍ قديم أمام الفجر، فى اللحظة التي التهم فيها الضوء كل ظل، رأى أسلافه عند الضفة الأخرى، يبتسمون كمن انتظر طويلًا.. مدّ يده نحوهم، فذاب جسده فى وهجٍ تام، وصار أحد ركّاب مركب رع، يبحر فى دورة جديدة، من النور إلى النور.
وتحيلنا هذه النهاية إلى جملة من التأويلات، عاكسة رغبة الإنسان الأزلية فى التحرر من ثقل الواقع الذى يكبله؛ حيث يتجلى الموت هنا لا بوصفه نهاية، بل بوابة عبور نحو ضفة أخرى، وبداية لرحلة نورانية تستعيد فيها الروح حريتها المفقودة.
«ثمرة طه إلياس» ليست خيالًا علميًا خالصًا، وإن كانت قد بنت عالمها الخاص بالخيال، لكنها ـــ من وجهة نظرى ـــ رواية واقعية على نحو مؤلم، تعكس مراحل تشيؤ الإنسان المعاصر.
وتأتى «ثمرة طه إلياس» بعد سلسلة من الأعمال السردية المتميزة للقاص والروائي والسيناريست عبدالرحيم كمال، من أهمها: (المجنونة)، (بواب الحانة)، (أبناء حورة)، (كل الألعاب للتسلية)، (موت العالم.. المعروفة شعبيا بمذكرات محمود غزالة)، (أنا وأنت وجنة وشهد)، (قصص بحجم القلب)، (ظل ممدود)، (منطق الظل)، ومسرحية (صاحب الوردة)، وقد حاز الكاتب عبدالرحيم كمال عددا من الجوائز المهمة، أبرزها جائزة الدولة للتفوق فى الآداب لعام 2024.